السبت 22/1/1444 هـ الموافق 20/08/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
التجربة التركية بين النجاحات والتحديات....خالد كمال هنية

لم تكن القرارات والإجراءات التي اتخذتها وتنفذها القيادة التركية وليدة اللحضة أو نتيجة ردة فعل، عقب المحاولة الإنقلابية الفاشلة. إنما هي نتيجة لحصاد سنين من العمل السياسي والتنموي والإقتصادي التركي في إطار بناء (المشروع النهضوي التركي) المتكامل والتي شرعت القيادة الجديدة لتركيا في تدشينه عمليا عبر عقدين متتالين من الزمن منذ فوز أردوغان في الإنتخابات البلدية في اسطنبول مرورا بالإنتخابات البرلمانية عام 2002 حتي الآن. وما سبقه أيضا من تجارب للإسلام السياسي والتي كان (أربكان) صاحب التجربة الأولي فيها منذ العام 1973 والذي بدأ فيه بتشكيل حزب النظام الإسلامي مرورًا بحزب السلامة مرورًا بحزب الرفاه مرورأ بحزب السعادة مروراً بحزب الفضيلة، حتي جاء حزب العدالة والتنمية بقيادة الطيب أردوغان، بطريقة يعالج ويصحح فيها أخطاء الماضي والإشكلات والجدليات التي حالت دون تطبيق نموذج إسلامي يليق بموقع تركيا، فالعقلية الأردوغانية اليوم تعمل وفق استراتيجيات وتكتيكات معدة مسبقاَ وفق الطراز الدولي. فهذا التطهير الذي يحصل اليوم في كافة مؤسسات ومفاصل الدولة ليست هذه بدايته وإنما محاولات عدة عبر سنوات حكم أردوغان، والتي كان آخرها محاولة الإنقلاب هذه، وهذا يدخل في إطار الإستثمار الأمثل للأحداث والمواقف، في ظل سيناريوهات وخطط درج معدة مسبقاَ. إن المشروع النهضوي التركي الذي بناه أردوغان وحزبه يهدف إلى إعادة تركيا إلي موقعها الحضاري والتاريخي والجغرافي بتحقيق الدولة المركز التي كانت فيه تركيا في السابق دولة جسر، وحصل هذا بعد سقوط الخلافة العثمانية وتوقيع اتفاقية لوزان عام 1923، وإعلان سقوطها عام 1924. فهنا نجد أن أردوغان قد أعد المشاريع الإستراتيجية لا سيما في المجال الإقتصادي لتصبح جاهزة في العام 2023 وهو ما يعني مرور مئة عام علي سقوط الخلافة العثمانية. وهنا يحصل الربط بين المشروع النهضوي والعودة لأمجاد الخلافة العثمانية التي امتدت في حكمها لستة عقود من الزمن منها أربعة عقود في حكم المنطقة العربية، وفي إطار ذلك فإن المشروع النهضوي وبناء تركيا الديمقراطية لا يعمل علي الإقصاء وإنما تطهير الدولة، إشارة بأنه دقت ساعة التغير لا بل والحسم أيضا، لأولئك الذين يوالون الغرب ووضعوا تركيا علي الخطوط الغربية وجعلوها عينهم الأمنية في المنطقة وقاعدتهم العسكرية المركزية المتمثلة في (قاعدة أنجريلك). فعبر السنوات السابقة لم يستطع أردوغان من كسر هذه المعايير ووئد الدولة العلمانية العميقة في سنوات معدودة بل بني اتلك الإستراتجية عبر تحقيق الثقة لدي الجماهير بناءً علي الأهداف والمطالب التي يرجونها والتي كان من أهمها بناء الإقتصاد التركي والذي نقله أردوغان من الترتيب الــ 111 علي العالم إلي الترتيب ال 17، كما وبلغ معدل متوسط الناتج القومي للفرد ما يعادل 20000$. وحجم الناتج القومي إلي 1 تلريون و200 مليار دولار. لهذا تعارضت مصالح الدولة العلمانية ومن يدعمها من الغرب وبعض الدول العربية مسلوبة القرار مع حالة الإصلاح التركية هذه ومشروع تركيا النهضوي والتي بدأ الإسلام السياسي فيها يتمركز ويصل إلي الذروة ويهدد المصالح الغربية والشرقية (روسيا وحلفائها)، ويهدم ما بنته الولايات المتحدة والغرب عبر سنين من أزمة الهوية التي عاشها الشعب التركي خاصة مع المنطقة العربية والإرتماء في أحضان إسرائيل، كبر عقود من التاريخ.

2016-07-21