السبت 2/3/1443 هـ الموافق 09/10/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
القيم المدنية رافعة السلم الأهلي 1,2,3,4....عدنان الصباح

 اعتاد الفقهاء على تسمية السلطات في الدولة بأنها ثلاث سلطات هي التشريعية والقضائية والتنفيذية ويضيفون إليها لأهميتها الإعلام كسلطة رابعة لما لها من تأثير في صياغة وتوجيه الرأي العام والتأثير في التوجهات لدى العامة وصناع القرار لجهة اتخاذ القرار أو لجهة تنفيذه وعلى الصعيد المقابل فان أحدا لم يعير اهتمام كبير لجهة عديد السلطات الأخرى في المجتمع الأكثر تأثيرا في المجتمعات الشرقية فالتقسيم الغربي للسلطات يأتي بسبب البنية الاجتماعية الغربية الأكثر حداثة وهذا ليس بالضرورة يمكن أن يكون نسخة مكررة في كل المجتمعات فنحن نعرف أن لدينا سلطات لا حصر لها في مجتمعنا الشرقي بعيدا عن التكوين الرسمي للدولة ويمكن تلخيصها بما يلي:

السلطة العشائرية:

لا يمكن للمهزوم أن يقوم بدور القائد إلا إذا جعل الجميع ينحني وتمكن من إقناعهم أن ما شاهدوه من هزيمة هو في حقيقة الأمر نصر لم يدركوا حقيقته وأبعاده جيدا واستطاع أن يفلت من هزائمه ليجد مظلة له مختلفة ولم تلوث بالهزيمة وهذا هو الحال الفلسطيني فبعد أن وصل الحال الوطني إلى ما وصل إليه وفقدت القوى السياسية الفلسطينية قدرتها على الوقوف على رأس الجماهير كقوى حية منتصرة بعد أن انتهى المطاف بها إلى أوسلو, وبعد أن خرجنا من الانتفاضة الأولى بهذه النتيجة بات الجميع يسعى للتحول عن الأحزاب والفصائل لصالح جهة أخرى ظلت نائمة لعقود طويلة لكنها لم تلغى وهي العشيرة وها نحن بعد نصف قرن من الثورة الفلسطينية نحضر وبتباهي عجيب إلى الانتخابات ونحن نتغطى بوجوه عشائرية متخلين عن دور الأحزاب والقوى وكوادرها لصالح أولئك الذين لم يكونوا يوما في صفوف الثورة بل هم من انتهز فرصة انشغال الجميع بالهم الوطني والسياسي والعام لينشغل هو ببناء ذاته وتطويرها والإفلات من أية انتكاسات عادة ما يسببها الكفاح الوطني ضد المحتلين وباتت صفات المرشح أن يكون منحدرا من عشيرة كبيرة وذات سطوة أو متمولا وقادرا على شراء الذمم وتلك الصفات لم تعد ممكنة لمن قضوا حياتهم في الكفاح خصوصا وان الغالبية المطلقة من هؤلاء هم من أبناء الطبقات الفقيرة.

بعض العشائر ولسنوات طويلة غيرت جلدها لتلبس ثوب الفصائل الوطنية حين كانت هذه الفصائل صاحبة القول الفصل في كل نواحي الحياة الفلسطينية وقد حدثني المرحوم فيصل الحسيني بالحرف انه ذهب ذات يوم إلى إحدى بلدات منطقة القدس لحل نزاع بين فصيلين وفي زيارته للفصيل الأول وأثناء السلام على مستقبليه بدؤوا بتعريف أنفسهم ليكتشف أنهم جميعا ينتمون لعشيرة واحدة وكذا حدث معه حين ذهب إلى الفصيل الآخر وكلا الطرفين أعاد خلافاته مع الطرف الأخر إلى الثلاثينات رغم أن الفصيلين لم يكونا قد وجدا أصلا في تلك الفترة أي أن العشائر نفسها أصبحت فصائل أو أن برامج هذه الفصائل لم تستطع أن تتجاوز العشائرية أو أن العشائرية ظلت أعمق من قدرة الفصائل على التأثير في جمهور منضويها.

نحن عشائريون حتى النخاع فعند محاولة إنهاء أي خلاف بين الدول العربية كالخلاف الذي نشب مع مصر بعد كامب ديفيد تطل علينا البيانات التي تتحدث عن عودة مصر إلى الحظيرة العربية والمعنى المباشر لكلمة حظيرة هي بيت الماشية ولا يخلو بيان لفصيل عن استشهاد أي مناضل فلسطيني بغض النظر عن انتماءه سواء كان إسلاميا أو وطنيا يمينيا أم يساريا إلا وكانت لغة الثأر هي الأساس وكأن صراعنا مع أعداءنا لا يمت للوطن ولا للأيديولوجيات بأي صلة وكل ما في الأمر أن هناك حالة ثار بيننا تشبه تلك الصراعات العشائرية أيام الجاهلية لا أكثر ولا اقل ويبدو خطابنا السياسي هذا وكأنه يحصر الصراع التاريخي باللحظة ويحمل معنى إن قيامنا بالثار سيسقط عنا الواجب العشائري وعدا ذلك لا أهمية له وقد شاع بين أوساط الأسرى الفلسطينيين ولا زال مقولة إنني قمت بواجبي فليفعل الجميع ما فعلت وكان مجرد الاعتقال يعني الانتهاء من الواجب الملقي على عاتقه ونحن نقارن بين العرض والأرض فيصبح القول الشائع الأرض ولا العرض سخيفا يطلقه البعض دون تفكير وهو يدل على شخصية عاجزة تحدد أولوياتها مسبقا لإدراكها أنها مستعدة للتنازل فهذا القول يعني أنك مستعد لأن تتنازل عن أرضك لحماية عرضك والسؤال فيما أذا لم يكتفي عدوك بسلبك أرضه وقرر أن يسلبك عرضك فهل ستتنازل عنه أيضا لصالح سلامة راسك ألا يدل ذلك على شخصية انهزامية تنحصر القيم عندها بالمصلحة المباشرة والمحسوسة, وكلما دار الحديث عن الشرف تبادر إلى الأذهان فقط حظيرة النساء وتغيب كليا عن الذهن شرف المهنة وشرف الوطن وشرف الاستقامة شرف الخلق وما إلى ذلك.

لغة العرض والثأر والحظيرة هي تعبير واضح عن مدى تغلغل العشائرية في تفكيرنا وقد سجلت مصادر الشرطة الفلسطينية 48 حالة قتل في العام 2015 و41 حالة في العام 2014 وهذه الأرقام التي تعود فقط للضفة الغربية سببها الخلافات الداخلية بين العائلات ولأسباب معظمها تعود لأسباب المال أو شرف العائلة وفي جميع الحالات يغيب القانون وتحضر العشيرة بأكثر من شكل فرجال الإصلاح مع أنهم يساهمون في تهدئة الأوضاع إلا أن مكانتهم تستغل لتعطيل القانون وتساهم بدون قصد بالتأكيد من إفلات المجرمين من العقاب القانوني الأكثر ردعا وهو ما يجعل القانون غائبا وغير مفعل ولا يضع عقابا رادعا للمنفلتين أو الخارجين عن القانون وحسب التقارير الشهرية للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان فقد جاءت النتائج على النحو التالي " في شهر حزيران الماضي رصدت الهيئة 12 حالة وفاة منها، 9 في الضفة، و3 في غزة، بينما رصدت 6 حالات اعتداء على التجمعات السلمية, وفي شهر أيار رصدت الهيئة 20 حالة وفاة، 9 منها في الضفة، و11 حالة في غزة، و 4 حالات اعتداء على المؤسسات العامة والأملاك العامة والخاصة, أما شهر نيسان رصدت 8 حالات وفاة غير طبيعية، و6 حالات اعتداء على التجمعات السلمية, في شهر آذار فقد رصدت الهيئة 9 حالات وفاة غير طبيعية، و6 حالات اعتداء على الأملاك العامة والخاصة جميعها في الضفة, في شهر شباط تم رصد 16 حالة وفاة غير طبيعية في الضفة وغزة، و5 اعتداءات على التجمعات السلمية, وأخيرا وفي شهر كانون الثاني رصدت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان 17 حالة وفاة غير طبيعية، وحالتان اعتداء على الأملاك العامة والخاصة" وقد أورد الكاتب جميل السلحوت تحليلا شافيا لموضوعة الطوشة في العقلية الفلسطينية السائدة وتحدث عن خطورة الفزعة في الطوشات وتقاسم الأضرار المادية مع المجرم وتحول العقلاء بعد الجريمة إلى وسطاء ومدافعين عن المجرم فقط لكونه يحمل اسم العائلة مع إدراكهم التام انه لم يستشرهم في جريمته ولن يأت لهم سوى بالشر والضرر ويقول السلحوت في مقاله ثقافة الطوشة " ويلاحظ أن ثقافة "الطوشة" التي هي بمثابة سلوك تدعمه الجماعة القبلية، فاجتماعات العائلة أو القبيلة، تعتبر ذوي الرؤوس الحامية الذين يهددون بالويل والثبور دون تقدير عواقب الأمور، "رجالا سباعا من ظهور سباع" في حين تتهم العقلاء بالجبن، وهذه واحدة من مصائبنا، وفي مجتمعات العربان نلاحظ تطورات ثقافة الطوشة لتتناسب وتطورات الحياة، فعلى سبيل المثال هناك طلبة ومن أعمار مختلفة يحملون سكاكين وخناجر في حقائبهم، ويستعملونها ضدّ زملائهم أو مدرسيهم في أيّ خلاف يحصل في المدرسة أو في الطريق إليها ومنها، وهناك في المرحلة الجامعية من يحمل أسلحة نارية كالمسدسات وغيرها، وقد سقط جراء استعمالها ضحايا في الحرم الجامعي، بل إن هناك من استعمل السلاح الناري في مجلس النواب-البرلمان- في إحدى الدول العربية، ومما يشجع استمرارية "الطوشات" كثقافة وكسلوك هو عدم وجود قوانين رادعة، وعدم استقلالية القضاء، والخضوع للأعراف العشائرية التي تنتهي بتقبيل الّلحى، والإشادة بكرم ذوي الضحايا، "لأن الجاهل يعمل الشر والعاقل يصلح بعده" ونظرا لسيادة عقلية القبيلة، فانه وفي حالة فرض خسارة مادية على المعتدي وذويه، فإنهم يتقاسمونها بتوزيعها على أبناء القبيلة الذكور، لنجد من يستغل ذلك بالتهديد بقتل الآخرين وهو يردد"سأقتلك ورأس مالك معروف فلن أخسر أكثر من بضعة قروش" أو في استغلال حالات التسامح بقوله"كل رأس مالك فنجان قهوة". والإغراق في عقلية القبيلة ليس حكرا على أبناء العشائر والقبائل، بل يتعدّاها إلى فئات اجتماعية تدّعي أنها متحررة من العقلية العشائرية، فعلى سبيل المثال، في الانتخابات التي تجري سواء كانت لهيئات إدارية لمؤسسات، أو مجالس محلية أو للبرلمان، فان الترشيح والانتخاب يتم على أسس عائلية وعشائرية، وليس بناء على الكفاءة، وتتساوق القوى المنظمة كالأحزاب وغيرها مع هذه العقلية، لذا فإنهم عند ترشيح أحد أتباعهم لمؤسسة ما فإنهم غالبا ما يبنون خيارهم على عدد من سينتخبونه عشائريا....وهكذا " خلال مراحل المد الثوري وتصاعد مكانة الثورة الفلسطينية تراجع دور العشيرة حد الصفر بينما عادت العشائرية الفلسطينية لتطل برأسها بعد اتفاقيات أوسلو وقيام السلطة وكذا حدث في العراق على سبيل المثال فقد غابت العشائر كليا عن المشهد لصالح الدولة لكنها استعادت كل مكانتها وبسرعة خارقة لمجرد غياب الدولة وبشكل فوري لافت للانتباه والغريب في كلا الحالتين انه ظهر جليا أن العشائرية لم تغب ولم تنتهي وإنما تنازلت عن دورها مؤقتا من باب الرضوخ لا القبول والسبب ببساطة ان السلطة السياسية في المجتمعات الشرقية تتحول نفسها إلى قبيلة حاكمة فهي تلغي ادوار الآخرين ولا تسعى لخلق مجتمع مدني ويحكم الرئيس في كثير من الأحيان كشيخ عشيرة لا يجوز مناقشته ولا زال ظاهرا للعيان طريقة الرئيس المصري أنور السادات في إدارة الحكم في مصر والذي حاول الدمج بين النظام العشائري وأخلاق القرية كما اسماها والنظام الديمقراطي الحديث بأسلوب ترقيعي ولد قانونا عجيبا مثلا كقانون العيب فالدولة هنا لم تكن دولة الشعب بل دولة عشيرة الحكم ولم يغب بعد عن الذاكرة مكانة أبناء وحاشية الرئيس الراحل صدام حسين وما أنتج من ظلم فادح وقع على جموع الشعب العراقي وحتى أن الرئيس العراقي استخدم العشيرة في الفترة الأخيرة للتخلص من زوج ابنته حين عارضه وفر إلى الخارج فهو إذن نفسه لم يكن قد غادر العقلية العشائرية والرئيس القذافي في آخر أيامه خاطب العشائر وسعى للاستعانة بها وكذا فعل العديد من الحكام العرب والمشرق بشكل عام والحقيقة المؤسفة جدا ان ما يجري حاليا في حقيقة الأمر هو غياب العشيرة وحضور العشائرية فالعشيرة تاريخيا حين كانت ضرورة قبل هذا الكم الهائل من التطورات كان لها دور ايجابي وبنية حقيقية وقيم نبيلة والتزام خلقي وهذا جميعه غاب في عصرنا فالغالبية العظمى من أبناء العشائر الكبيرة انتقلوا بحياتهم إلى المدينة أو هاجروا أو أكملوا تعليمهم الجامعي ولم يعد يعنيهم من القبيلة إلا دور الإسناد عند الضرورة في الانتخابات أو في الصراعات واستعراض القوة وبمعنى أن أولئك القادرين على إدارة دفة الأمور بحكمة ومكانة الشيخ الحكيم قد خلت كليا اليوم واستفرد بدور القيادة البلطجية والذين لا يعرفون سوى لغة القوة في فرض إرادتهم وبقي المتنورين خارج الصورة وان كانوا ابقوا على دورهم الانتهازي البشع في علاقتهم مع العشيرة لاستخدامها عند الضرورة فظلوا حماة للمارقين والبلطجية بشكل أو بآخر وإلا ما معنى انه في الانتخابات مثلا أن لا تتفق العشيرة على مرشح واحد بل نجد أكثر من مرشح في أكثر من قائمة لكنهم جميعا يتوحدون عند مواجهة عشيرة أخرى بالصراع أو الاحتراب أو الاختلاف وهذا يدل على أن مكانة العشيرة غابت وتم الاحتفاظ بأسوأ ما بها لحين اللزوم, مرشح العشيرة يلازم عشيرته طوال فترة الانتخابات وبعد نجاحه يغادرها ولا يلتقي عشيرته هالا عن ضرورة استعراض القوة أو حاجة ( زلم ) النائب أو الوزير لحمايته القانونية فيهب لنجدتهم والدفاع عنهم ضاربا بكل القيم والقوانين والمبادئ والمواطنة والمجتمع المدني الذي قد يكون هو شخصيا احد أساتذته الذين يعلمونه في الجامعة أو يدافع عنه كوزير في مؤتمر صحفي أو ندوة وعند الضرورة يحضر العقلية العشائرية وتغيب نخوة العشيرة الايجابية ويضرب بكل شيء عرض الحائط فنائب العشيرة الذي يفوز باسمه وبعشيرته ملزم بدفع الثمن للعشيرة وأزلامها لا للوطن والمجتمع ولذا فان غياب نظام المواطنة العصري لمجتمع مدني حديث هو الذي  يبقي مساحة للعقلية العشائرية لتعبث بالوطن وناسه دون تردد.

العشيرة ليست حكرا على الشرق فقد كانت العشائرية أيضا مسيطرة في أوروبا وأمريكا فعشيرة كينيدي الشهيرة لا زالت قصصها ماثلة للعيان وروكفلر وبوش وبرلسكوني فالعائلة والأسرة والعشيرة موجودة بمعنى النسب الاجتماعي والأخلاقي والتربية لكنها بالمطلق غير موجودة في مجتمع المواطنة المدني الذي يحتكم إلى القانون ولو أن العشائرية قائمة في أمريكا لما وصل اوباما إلى الحكم وهو ابن رجل إفريقي مسلم تركه مع أمه وعاد إلى وطنه, نجاح رجل مسلم من أصل باكستاني كعمدة لمدينة لندن لم يأت بسبب زعران العشيرة بل بسبب بنية المجتمع التي تسعى للإتيان بالرجل المناسب للمكان المناسب وهو أي الفائز غير مدان لعائلة أو جماعة بنجاحه بل لكل المجتمع ولذا نجده يبذل كل جهد مستطاع لصالح الجميع لان مصلحته مع الجميع وهذا ما يثبت دعائم الحكم المدني والحياة المدنية بأي مجتمع

العقلية العشائرية لا تؤمن أبدا بالانتماء الواعي بل بالانتماء للسطوة ولذا تسود في المجتمع العشائري حكم وأمثال تدل على ذلك كنموذج " إن غاب القط العب يا فار " " الطبخة إن كثروا طباخينها بتشيط " وهذا تمجيد للدور الفردي أو دور زعيم العشيرة " اكبر منك بيوم افهم منك بسنة " وتمجيد الأنانية الفردية " اهتزي يا ارض ما عليكي غيري " أو بالتراتبية بالمنفعة والعلاقة العشائرية الغير قائمة على أسس صحيحة " أنا واخوي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب " فابن العم هنا لا مكان له إذا كان المقصود أخي أي أن التراتبية تبدأ من ذاتي والمجتمع والجماعة لا قيمة لهما من بعدي وتسود في العقلية العشائرية نظرية الثار والانتقام " البدوي بعد أربعين سنة أخد بتارة وقال استعجلت " " العين بالعين والسن بالسن " " ما بغسل الدم الا الدم " ومع ان الجميع يقر نظريا ان الثار عادة جاهلية وان الإسلام نهى عنها إلا أن ذلك يتم تجاهله علنا بل ويصبح الإيمان بتعاليم الله عيبا فالله سبحانه يقول " ولا تزر وازرة وزر أخرى " في حين لا زلنا نطبق النظام العشائري في الثار والذي يضع كل العشيرة وأبنائها في دائرة الانتقام وأحيانا يتم اختيار أفضل أبناء العشيرة كبديل حتى لو لم تربطه علاقة مباشرة بالأمر وحتى لو كان ضد الثار وضد الجريمة فهو ملزم بتحمل التبعات رغما عن انفه, والعقلية العشائرية ترفض التعلم والتعليم " بعد ما شاب ودوه على الكتاب " والحط من مكانة المرأة " ترباية حرمة " وتقال للتقليل من قدرة المرأة على التربية ولا تذكر للناجح على انه أيضا متن تربية امرأة بل تذكر المرأة عند الحط من شأنها والتقليل من قيمة المرأة ظاهرة فيقال عند ذكر النساء " الحرمة أجلكم الله " " الحرمة ضلع قاصر " " البنت يا جيزتها يا جنازتها " هم البنات للممات " " شاورها وخالفها " " دلل ابنك بغنيك ودلل بنتك بتخزيك " " موت البنات من المكرمات " " ان ماتت أختك انستر عرضك " والعشيرة متحركة حسب المصلحة " جارك القريب ولا أخوك البعيد " " ابعد عن الشر وغني له " أي احمي نفسك هو الأهم حتى لو أججت الشر عند الآخرين بالغناء له فأنت الأهم والمهم " إلي بعاشر القوم أربعين يوم بصير منهم " وتسود المصلحة المادية الفجة والمباشرة بكل شيء " جوع كلبك بلحقك " " إلي بحتاج الكلب بقوله يا عمي " إلي بحتاج الكلب ببوس ايده " وهي أيضا عقلية غير طموحة " حط راسك بين هالروس وقول يا قطاع الروس " " إلي بوخد أمي هو عمي " إلي بتطلع لفوق بتنكسر رقبته " والاعتماد على الصدفة والحظ " إلي ما اله بخت لا يتعب ولا يشقى " والتقييم المادي البحت للبشر " إلي معه قرش بيسوى قرش " المساواة بين العشيرة والقطيع " الابو سايس " بمعنى ان الأب كقائد الخيول وتقليل لقيمة العقل والفكر " إلي ما بقلل عقله ما بفرح " " نيال إلي رأسه فاضي " " سلطان من لا يعرف السلطان " عند اختلاف الدول امسك راسك بين ايديك "

" إن القبيلة هي المانع الأكبر في قيام دولة القانون " هذا ما يقوله فرانسيس فوكو ياما ولان العقلية القبلية سائدة لدى الجميع فنحن لسنا أمام قبيلة واحدة تعارض دولة القانون بل أمام مجموع القبائل الذي ظلت تشكل لحمة المجتمع متوحدة رغم صراعاتها على اتفاق واحد وهو أن لا مجال للدولة التي ستلغي وجودي وبالتالي غير مسموح لها أن تلغي أعدائي من القبائل الأخرى فالدفاع عن حق القبيلة هنا ليس دفاعا منفصلا عن مفهوم القبيلة بل بالعكس هو انخراط قوي موحد من قبل كل الأعداء على معاداة الدولة والقانون وبالتالي منع وجودها أو سيطرتها وان تمكنت من فعل ذلك فالقبيلة لا تغادر ولا تختفي وإنما تتلون بلون الدولة دون ان تتنازل عن العقلية والذهنية العشائرية المتحكمة والمسيطرة, وأحيانا تصبح الدولة ممكنة حين تصبح السلطة ملك القبيلة الأكبر أو الأقوى فتسعى لفرض سيطرتها على القبائل الأخرى بالحديد والنار ومثال العراق كما أسلفنا هو الأبرز فبعد مائة عام من ميلاد الدولة الحديثة عادت دولة القبائل للظهور بكل قوتها وخلال يوم واحد من احتلال العراق من قبل أمريكا وحلفائها.

 

(2)

 

 

العشيرة والعشائرية:

فرق شاسع بين مدلولات العشيرة والعشائرية فالعشيرة مجموعة اجتماعية تشكلت وفق أصول تاريخية سواء في المجتمع الأمومي أو المجتمع الأبوي وهي تطور طبعي للأسرة كنواة جنينية للمجتمع الأكبر والى جانب ذلك فهي أيضا مقدمة أو خطوة على طريق الدولة كمجتمع اكبر وفق أسس مختلفة أو توافقات مختلفة فكما رضيت الأسرة الصغيرة بالتنازل عن دورها لصالح العشيرة لما في ذلك من مصلحة حقيقية لها في التطور والثبات والقدرة على الصمود والاستقواء بالجسم الأكبر لصالح خطوة إلى الأمام فقد استطاعت العشيرة الغربية من التنازل عن دورها مدنيا لصالح الدولة عبر توحيد العشائر كمؤسسة للعشيرة الأكبر وهي الدولة كما فعلت الأسر بتوحيد نفسها كمؤسسة للأسرة الأكبر وهي العشيرة وبالتالي فان هناك فرق شاسع بين العشيرة كمكون للجماعة أو لبنة من لبنات المجتمع من المكون من عديد الأسر النووية أو البسيطة المترابطة بالدم والذي وجد أهمية ترابطه في مقومات الحياة والحاجة للإنتاج واستخدام أدواته وخلق آلياته لمواصلة الحياة والتي وجدت في العشيرة أيضا وسيلة للانتقال إلى الشكل الأحدث والأكبر للإنتاج من خلال تطور أدواته وأساليبه ومخرجاته وبالتالي فان الانتقال من العشيرة إلى ما هو أرقى لا يمكن له أن يتم بعيدا عن الانتقال الاقتصادي نحو شكل لا تصبح فيه العشيرة هي المظلة الأفضل بل المجتمع الاقتصادي أو الكيان الاقتصادي والعلاقات الإنتاجية الجديدة فما دامت العلاقات الإنتاجية قائمة على الأسس الأسرية والعشائرية في اقتصاد عائلي صغير ومغلق ستبقى العشيرة هي الأساس ومن يرى الفرق في العلاقات بين المدن الكبيرة المختلطة والقرى او البلدات أو حتى المدن الريفية الصغيرة يدرك لماذا تتأصل العلاقات العشائرية في المجتمع الريفي وتغيب في الاقتصاد الصناعي والتجاري وحتى الخدماتي فالريفي وأسرته يزرعون ويحصدون ويسوقون إنتاجهم بأيديهم وعلاقتهم بالمستهلك علاقة موسمية بوجود المنتج ولا تربطهم به علاقات دائمة يمكن أن تؤسس لمصالح مختلفة تنتقل من البيع والشراء إلى علاقات لا بد أن تحكمها أسس وقوانين وهو ما يدعو إلى وجود نظام أرقى من العشيرة أو الأسرة وهو الدولة القانونية بشكلها العام والتي تكرس المدنية عبر تقاليد تفرضها السنوات والظروف والانصهار الجماعي في العملية الإنتاجية بكل مراحلها فالتاجر والصانع لا علاقة موسمية له مع مستهلكيه ومنتجه واضح ومحدد وله اسم وصفة وهو حريص على اللحاق به إلى أي مكان بعكس الريفي أو المزارع الذي ينتج سلعة بلا اسم ولا صفة سوى الاسم العام والصفة العامة بما يضمن انفكاكه من سلعته لحظة وصولها إلى السوق وبذا يصح ما قاله ماركس " إن تطور المجتمعات البشرية يحصل خارج وعي الإنسان وان قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج وصراعهما هي القوى المحركة للتاريخ والتحولات الاجتماعية " فالرغبة وحدها لن تنقلنا إلى الدولة المدنية ولن ترسخ مفهوم المواطنة ما لم تقم علاقات إنتاج تستدعي ذلك فالدول الفقيرة أو الطفيلية والتي تعتاش على تقديم الخدمة للآخر تظل اقرب إلى الأسرة الجنينية وهي لا تحتاج للدولة المدنية كعائق أمام قدرة الأسرة الحاكمة على التسلط على ثروات البلد والتصرف بها ويصبح دور الكمبرادوري أو وكيل الغير في البلد بحاجة لتغييب الدولة المدنية لصالح النظام العشائري ليستقوي بعشيرته ضد صحوة الشعب من الفقراء والمضطهدين أو المتنورين القادرين على إثارة الثورة ضد سلوك العشيرة المسيطرة أيا كانت.   

الدولة الخادمة في الشرق هي دولة اقتصاد قائم على الوظيفة والتي تصبح فيها الدولة هي البقرة الحلوب للفرد بدون الأرض أو الآلة وبالتالي يغيب دور الفرد بغياب مكانته وتحتل الدولة مكان مجمل العملية الإنتاجية وكما أشرت في مقالات سابقة أن الدولة في الشرق هي مصدر الثروة وفي الغرب الثروة هي مصدر الدولة فهناك فرق كبير لان الدولة في الشرق ونحن منهم تلعب دور المغيب للفعل الإنتاجي لصالح الدور الاستهلاكي للفرد وتشجع ذلك وحين غيب نظام القذافي مثلا الدور الإنتاجي لشباب ليبيا جعل منهم مجموعة من الأفراد بلا مكانة ولا دور وترك العشائرية مرتعا يعيش في الفراغ والفوضى حتى وصل الأمر به لان يكون ضحية فعلته تلك بنفس الأدوات التي سعى لتحييدها عبر توظيفها بلا معنى عملي فجاء المردود سلبا مع السنوات وعادت العشيرة التي أبقى عليها كحافظ لحالة الفراغ والفعل الهامشي لمجتمع لديه المال بدون عمل ليصبح ذلك رصاصة بيد العشيرة التي لا بد لها من أن تأخذ مكان الدولة الراغبة بذلك حماية لمصالح عشيرتها إن جاز التعبير.

وهذا أيضا ما عاشته بلادنا بعد تأسيس السلطة فمن عمال وفعلة ومناضلين وانشغال وطني تحول جميعه ارتجاليا وبقرار ودون أن يتغير الواقع فعليا بين ليلة وضحاها إلى موظفين برواتب ورتب رمزية في معظم أحوالها مما يسمى بالبطالة المقنعة والتي تفتح شهية الفكر المتخلف على الظهور من جديد فتغيب القيم الجماعية المدنية ومعاني المواطنة لصالح الفردية الباحثة عن مكان تصب فيه حاجتها للجماعة فتجد في العشيرة بيئة خصبة لذلك وحتى ينجح فلا بد له من تغييب القانون والقيم المدنية وقيم المواطنة لصالح العشائرية وذهنيتها ليتمكن من إقامة حصنه الذي يحمي به مكانته ووظيفته التي يدرك قبل غيره أنها بلا هدف وبلا سبب وبلا مبرر كجزء من منظومة لذا يندفع بحاسة الخوف للاحتماء بما قد يجده وسيلة لمواجهة من قد يسائله فالموظف الذي حصل على وظيفته بواسطة النسب بحاجة هو للدفاع حتى الموت عن هذه الواسطة وفكرها وهذا ما جعل دور السلطة والأحزاب والفصائل يتراجع لصالح ذهنية العشيرة قبل العشيرة فنحن نجد ذلك بتجليات عجيبة فليس النسب وحده أساس الواسطة بقدر المكانة في هذا النسب والدور المرجو من الشخص مما يفكك كليا كل الروابط سوى رابطة الخوف والهيبة القائمة على القوة والارضاخ.

العشائرية السياسية:

في المناسبات الانتخابية والمفصلية في الأحداث السياسية الفلسطينية كتشكيل الحكومة مثلا أو الانتخابات التشريعية تطفوا على السطح حكاية عجيبة غريبة فتسعى الفصائل جميعها وبلا استثناء من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار للبحث عن مرشحين يملكون القدرة على الفوز وعادة ما تلجأ هذه الفصائل إلى خارج أطرها إما بين العشائر أو حتى بين الأفراد الذين تعتقد أن لهم حظا بين الجمهور وهي كثيرا ما تبتعد عن قوائم عضويتها وحين يدور الحديث عن تشكيل حكومات جديدة تظهر حكاية حكومة الكفاءات الوطنية وتصبح العضوية الفصائلية أيضا خارج السباق وهذا السلوك يعتبر اعترافا مباشرا من قبل هذه الفصائل والقوى بان من في عضويتها ليسوا الكفاءات القادرة ولا الأفراد الجماهيريين الذين من المفترض بهم أن يكونوا قادة جماهيريين مناضلين ومضحين ويعترف الجمهور بأفضليتهم بسبب من نضالهم أو كفاءتهم أو إخلاصهم وإذا كان ذلك غير موجود في الفصائل فما مبرر وجودها إذن بهذا الإصرار سوى أنها نفسها تحولت إلى عشيرة لمن لا عشيرة له أو أنها عشيرة للاستقواء على الواقع عبر استخدام اسم الفصيل غطاء لاسم العشيرة فنجد العطاءات والمنح والمناصب لا تذهب للعشيرة السياسية بل بغطائها للعشيرة الأبوية لهذا القائد أو ذاك فكل قائد ومتنفذ تجد من يحملون اسم عائلته هم بطانته الأقرب وهم قادة مؤسسته ألا يعني ذلك أن المؤسسة الفصائلية الفلسطينية ساهمت في تعميق الذهنية العشائرية بين الناس وكرست مفاهيمها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية.

العشائرية متفشية أصلا في الفصائل الفلسطينية قبل قيام السلطة الفلسطينية فغياب الديمقراطية وتداول السلطة في الفصائل نفسها وبقاء قادة هذه الفصائل على رأسها حتى القبر وفي ما عدا المرحوم الدكتور جورج حبش وحزب فدا فان أيا من قادة الفصائل الفلسطينية المنضوية تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية لم تجر أي تعديل أو تغيير في قياداتها ولم يتم حتى التفكير بتداول السلطة في المراكز القيادية لهذه الفصائل رغم غياب العمل السري لصالح العلني بعد اتفاقيات أوسلو مما حول هذه الفصائل إلى شركات مساهمة خاصة وعشائر بكل ما تحمل الكلمة من معنى وأصبح النظام الأبوي المفترض انه عشائري نمط حياة الفصائل السياسية بما فيها اليساري والعلماني وبذا فان الذهنية العشائرية تتأصل أكثر فأكثر ما دام أصحاب المصلحة في هذه الذهنية هم طلائعي وقادة هذا الشعب المفترضين.

  

(3)

 

 

السلطة الدينية:

 

لقد جاءت كل الأديان في الأصل بدعوة الخير وبذورها وحتى ما قبل الأديان السماوية ولا يوجد في جميع الأديان والمعتقدات على الإطلاق من عبد الشر أو صلى له بل إن جميع الأديان والمعتقدات سعت دوما في الأصل إلى محاربة الشر وقد سؤل كونفوشيوس عن الحب فأجاب " حبك للبشر هو الحب فسُئل : كيف ؟ قال كونفوشيوس : الاعتزاز بالجهد أكثر من الاعتزاز بالثمرة يمكن أن يُسمى الحب. إنه مجرد استمتاع بعمل شئ دون نظر إلى ثمرة هذا العمل التي يمكن الحصول عليها في النهاية .. هذا هو الحب .. وعمل الخير دون نظر إلى مكافئة في هذه الحياة أو في حياة أخرى مستقبلية .. ولكن لمجرد الاستمتاع بعمل الخير.. هذا هو الحب .. فالحب ثمرة نفسه، والحب يجعل الأشياء تبدو جميلة.. والحب يخلق السلام ..وفكر كونفوشيوس برهة ثم قال: "إن القلب الذي يعمر بالحب لا يُخطئ" ومع ذلك فان جماعة " أوم شنريكيو "  أو جماعة الحقيقة المطلقة قامت ببث غاز السارين السام في مترو طوكيو مما أدى إلى مقتل 12 شخص وإصابة 6000 آخرين في العام 1995م  ومن أقوال كريشنا المقدسة عند الهندوس " الكراهية والشهوة لهما جذور في طبيعة الإنسان السفلية يجب أن لا يقع المرء تحت تأثيرهما لأنهما عدوان لدودان لسعادته " ويقول كذلك " القيام بالأعمال الخيرة هو حكمة, وما يبلغه الحكيم يحققه أيضا فاعل الخير "  ويقول كريشنا أيضا " وإذ يغمرهم الحب الكوني تتساوى نظرتهم لكل الناس والمخلوقات دون استثناء " ويصل كريشنا قمة السمو الإنساني بقوله " إن من بلغ مرتفعات الروح وامتلك السلام الباطني ينظر نظرة واحدة إلى القريب والغريب, إلى العدو والصديق, إذ ينعم بسلام الروح تصبح نظرته متساوية لمحبيه ومبغضيه, للمنصفين بحقه والمجحفين "  ومع ذلك ومع إيمانهم بالمفترض بما جاء في أقوال كريشنا فهم يمارسون أبشع أنواع الإرهاب والتطرف ضد غيرهم كما يحدث مع المسلمين في الهند ومن أقوال بوذا " لا تبالغ في ذكر محاسن ما لديك ولا تحسد الآخرين على ما لديهم ... فالحسودين يفقدون راحة البال "  " الكراهية لا تنتهي بالكراهية , بل بالمحبة وهذه قاعدة سرمدية " " من يحب خمسين إنسانا يكون له خمسين عهدا , ومن لا يحب احد فلا عهد له " وأيضا فان الخوف والرعب يطارد المسلمين من أتباع صاحب هذا الكلام والذي من المفترض أيضا أنهم يؤمنون به.

 وحتى أصنام العرب قبل الإسلام فلم يكن بينها من كان تعبيرا عن الشر والأذى فالله عند العرب قبل الإسلام كان هو الإله الحق الواحد الأحد، فهو الخالق والرازق ومنزل المطر وكانت العرب تتقرب إليه بطلب الوساطة من الآلهة الأدنى وكان اللات هو اله الخصوبة, وقد وصف العماليق آلهتهم من الأصنام لعمرو ابن لحي حين زار الشام وسألهم عنها قائلين " هؤلاء يعينوننا إذا ظلمنا ويطعموننا إذا جعنا ويسقوننا الماء وينصروننا ويقربونا إلى الله زلفى , فتعجب عمرو ابن لحي من هذا وساغ له الأمر فقال: أعطونا واحدا منهم فنحن نحتاج من يعيننا. فنحن نحتاج إلى الماء في مكة فأعطوه صنما يقال له هبل وكان أول صنم يدخل الجزيرة العربية " ولعل حكاية اساف ونائلة في التاريخ العربي وما آلت إليه مكانتهما عند العرب لدليل على سعي الناس لتقديس الحب والخير بكل حالاتهما وفي كل العصور, وقد ذكرت كلمة حب 76 مرة في القرآن الكريم " إن الله لا يحب المعتدين " البقرة (190) " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " البقرة (222) " والله لا يحب الظالمين " آل عمران (140) " إن الله يحب المحسنين " المائدة (13) " إن الله يحب المقسطين " المائدة (42)  "ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور "لقمان (18) "يا أيها الذين امنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم    "الحجرات (12) كما أن الأحاديث النبوية التي تتحدث عن الخير والحب لا تحصى ولعل أشهرها " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " " والذي نفسي بيده, لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا, ولا تؤمنوا حتى تحابوا "  " أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل وابغض الناس إلى الله وأبعدهم مجلسا إمام جائر " وينبغي أن ننتبه إلى أن الحديث الشريف تحدث عن الناس لا عن المسلمين فقط ولا عن المؤمنين بمعنى إن العادل من الناس كل الناس هو الأقرب إلى الله سبحانه, ومع ذلك فان الحركات التكفيرية لا تولي أدنى اهتمام لكل معاني الحب والخير للناس والأصيلة في الدين الإسلامي, وفي الديانتين المسيحية واليهودية أيضا فقد ورد في رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهالي كورنثوس " المحبة لا تسقط أبدا " وفي رسالة يوحنا الرسول الأولى " الله محبة "وفي رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية " كونوا كارهين للشر, ملتصقين بالخير " وهي نص حرفي من العهد القديم ومن الكتاب المقدس – العهدين القديم والجديد -  نقتبس " البغضة تهيج خصومات والمحبة تستر كل الذنوب " " المحبة لا تصنع شرا للقريب, المحبة هي تكميل الناموس " " ماذا تريدون أبعصا آتي إليكم أم بالمحبة وروح الوداعة " " مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة والسيول لا تغمرها " ومع ذلك نرى ما فعل الصليبيون بغيرهم بل وما فعلت الكنيسة بأهلها وما افعل اليهود بالشعب الفلسطيني ولا زالوا يفعلون  ومع أن الديانات جميعا لها نفس الهدف والغاية في الأصل إلا أن الإمعان في الاحتكار طال ما هو ابعد من ذلك فتأصل الصراع بين الديانات السماوية الثلاث برفض الديانة السابقة للاحقة مع اعتراف اللاحقة بما سبق  بل والإيمان به إلى أن وصلنا إلى ما هو اخطر من صراع أتباع الديانات نفسها إلى صراع أتباع المذاهب وتم تقزيم الدين ليصل إلى مستوى المذهب الذي بات هو الدين الحقيقي وبات الصراع بين المذاهب هو الأخطر وفي جميع الديانات, وبذا باتت الطائفة بديلا للدين ثم انتقل ذلك من تقديس الدين إلى تقديس الطائفة إلى تقديس رجال الدين ونحن نرى اليوم أن رجال الدين هم الأشخاص الذين لا تجوز مجادلتهم علما بأنهم بشر مثلنا ويكفي لك أن ترتدي اللباس الكهنوتي المتشابه عند رجال جميع الأديان وتطلق ذقنك ثم تتمتم ببعض الكلمات المقدسة بهذا الدين أو ذاك لتصبح لا تنطق عن الهوى لدى العامة وعادة ما يقف رجل الدين خطيبا في الناس ثم لا يجوز لأحد مقاطعته أو مجادلته أو الاعتراض على ما يقول وكأنه بات نبيا لا ينطق عن الهوى وهو ما قادنا إلى ويلات لا حصر لها.

لم تمت العشيرة بولادة الدين ولم يتمكن الإسلام حتى عصرنا من وأد المفهوم العشائري في العربي بل والشرقي عموما وظلت العقلية العشائرية مسيطرة وحتى حين يظهر التناقض بين موقف العشيرة وموقف الدين كانت العشيرة هي التي تنتصر وحتى لقب الشيخ الذي نستخدمه اليوم للتعريف برجال الدين هو في الأصل لقب عشائري وهو يطغى على تعبير الإمام الذي لا يستخدم إلا للتعبير عن قيادة الصلاة فقط.

وحتى لا نغرق في نقاشات عامة سأورد نموذجين ينكرهما الدين بالمطلق وهم الثأر وقتل النساء بحجة الشرف فالثار في الإسلام بمعنى الانتقام وتحميل تبعية القتل لكل العشيرة أو الأسرة أو العائلة هو أمر مرفوض دينيا " ولا تزروا وازرة وزر أخرى " ومع ذلك فلا احد يناقش أو يعلن أو يتحدث عن رفض الانتقام وتجريمه وعلى العكس من ذلك فالمجتمع العشائري ينبذ ويسخف مكانة من لا يأخذ بثأره ويمجد ويعظم مكانة اخذ الثار وكلما كان اخذ الثار أقسى وأصعب كلما كان تمجيد منفذه أرقى وأعظم, كما أن قتل النساء بحجة الشرف او غسل العار هو أمر لا علاقة له بالدين الذي يقرر بمنع وتحريم " قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق " والحق هنا الذي قد يجيز القتل وهو لم يفعل حدد أسس لذلك وحدد نظم ومظاهر وشواهد وشهود للزنا كما انه قرر حدود وقواعد وعقوبات تطال الزاني والزانية معا وبنفس الدرجة, قال تعالى " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله "  ومع ذلك لا احد يلتفت للأمر الإلهي الواضح والشائع هو قتل المرأة حتى بدون توفر شروط الزنا التي حددها القرآن بقوله تعالى " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ". بل أن القران الكريم قرر معاقبة من يدعي على أحد بقوله تعالى " والذين يرمون المحصنات ثم لا يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون "  والحقيقة ان واقع الحال مخالف كليا للأمر الإلهي الواضح فالزاني لا يقتل هذا إذا كنا قبلنا بالقتل على الشبهة وبدون الشروط التي وردت نصا في القرآن الكريم فلماذا إذن نجيز للعشيرة الخروج عن الدين علنا ونقبل بشهادة ووجود قاذفي المحصنات ولا يجلدون علنا ولماذا إذا كنا نصر على تنفيذ العقاب على أساس الشبهة لا ننفذ ذلك بالزاني الرجل والأسئلة كثيرة لكن جوابها واضح أن القبيلة والعشيرة لم تخرج من حياتنا منذ الجاهلية ونحن انتقائيين في قبولنا بأحكام الدين وشرائعه والأخطر أن المجتمع العشائري الذي يشجع فكرة غسل العار بالقتل للنساء لا يغفر أبدا حتى بعد هذا الغسل بل يبقى حافظا ورافضا للحدث وأهله فلا الفتاة أو المرأة تسلم ولا أهلها حتى بعد قتلها فالعار هذا لا يغسل أبدا ومع ذلك تجري ممارسته علنا فتخسر العائلة الصغيرة كل شيء حتى بعد أن تنفذ حكم العشيرة بقتل المرأة فتصبح الأسرة بكاملها منبوذة ومرفوضة ولا يتم الاقتراب منها أو مصاهرتها أو مشاركتها أو التضامن معها في مصابها وهنا أيضا يظهر مدى الاستفحال في قبول رأي العشيرة دون تمحيص أو تفكير مع كل التناقض الكامن فيه فإذا كنتم تطلبون القتل كعقاب فلم إذن لا تقبلون به كحل ولماذا يستمر التجريم لكل من اقترب من صاحب الفعل بصلة النسب رغم رفضهم للفعل بل وتنفيذ عقاب العشيرة بصاحبه ولماذا يواصل الزاني حياته كأن شيئا لم يكن ولا يخضع لأي عقوبة مع أن القرآن الكريم يساوي بينهما في العقوبة والإجابة قطعا أن العشيرة وأحكامها وقانونها هنا لا تقبل علنا بالأحكام الدينية حتى الواضح منها بلا لبس حين يساوي بين الزاني والزانية مثلا.

حالة تناقض عجيبة ومستفحلة تعيشها الذهنية العشائرية في الوطن العربي بأكمله فالشعر الجاهلي الذي تنتمي إليه هذه الذهنية مثلا يمجد الحب ويتغنى به وماثلا في أذهاننا بكل الاحترام والتبجيل قيس وليلى وعنترة وعبلة وحتى كل أشعار المجون ومع ذلك فحين يتحول هذا الحب الممجد بالشعر والأغنية إلى حقيقة ملموسة وحية يتحول إلى جريمة تستحق العقاب والمعروف مسبقا وهو الموت بدون تردد أو رحمة وحتى بدون التأكد من صحة الحدث حتى لو سلمنا بأنه جريمة تستحق العقاب والجرم هنا موحد فالكلمة والاتصال اللفظي هو نفسه التلامس والفعل الجنسي الكامل فلا فرق بينها فهي جريمة واحدة وعقابها واحد في حين تصمت هذه الذهنية عن جريمة القتل من اجل المال او لخلاف سخيف وتصمت عن جريمة أكل مال اليتيم والسرقة والنهب والفساد بل وتعتبره أحيانا عملا فهوليا تمجده وتسرد حوله الحكايات الجاذبة والممجدة دون إدانة او تجريم حتى لو ظهرت هذه الإدانة فهي تتحدث عن شخص ذكي وفهلوي وناجح في انجاز جريمته والفوز بها والقاتل والفاسد واللص غير منبوذ في مجتمع مجد ما بين فخذي المرأة أكثر من الوطن " الأرض ولا العرض " فهو إذن بكل اختصار مجتمع حيواني شهواني لا يمت للحضارة بصلة لا من قريب ولا من بعيد فهو يختصر كل الشرف بفتحة بول المرأة.

المجتمع العشائري يتعامل مع الدين بشكل انتقائي وبكل صلافة فيقبل ما يناسبه ويرفض ما لا يناسبه كقضية الثأر وقتل النساء كما أسلفت وفي السياسة بشكل أسوأ وأكثر إيغالا في الابتعاد عن أحكام الدين وفلسفته فحين يدور الحديث عن الظلم والجبروت بذكر فرعون مثلا الظالم لموسى والذي يحاول تشويه صورته تمهيدا لقتله بقوله تعالى واصفا موقف فرعون " إني أخاف أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد " ورفض القرآن الكريم أسلوب فرعون في التسلط والإلغاء الفكري للآخر أيا كان عداه حين يقول تعالى " قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " وهنا يسعى فرعون للإلوهية ويصف القران الكريم ذلك بقوله تعالى " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " فالإسلام ناكر مطلق للتسلط والهيمنة والديكتاتورية كيف لا والله يخاطب رسوله نفسه قبل غيره قائلا " فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر " ومع ذلك يتجاهل كل موظفي السلطان اليوم كل ذلك ولا يعتبرون ذلك قاصدا سلاطينهم وهم يذهبون للبحث عن اسم فرعون المقصود في القرآن وينفون عنه وعن أحكامه الإطلاق ولا يقدسون النص بل يجعلون له تفسيرات من بناة أفكارهم مدافعين عن تسلط وجبروت سلاطينهم الذين يدفعون لهم الأجر او شيوخ عشائرهم القادرين على قبولهم او نبذهم إن خالفوا إرادة العشيرة وشيخها.

الدين إذن مغيب وقد استقدم العرب معهم عقليتهم العشائرية ولم يتنازلوا عنها إلا باللغة لا أكثر بينما ظل سلوكهم وأفعالهم القائم على العقلية العشائرية ناظما لكل حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والدينية والسياسية بكل التلاوين والأنماط والأشكال وعبر التاريخ نقل العرب عشيرتهم إلى الدين للسيطرة عليه ومنذ انتهاء الخلافة الراشدية أو بالأحرى منذ انتهاء خلافة عمر بن الخطاب دبت الخلافات القبلية والعشائرية في النظام الإسلامي برمته حتى تمكن بنو أمية من امتلاك السلطة كقبيلة باتت خلافة المسلمين حقا وراثيا لهم دون أن يعترض احد, ولا زلنا ليومنا هذا نمجد ذلك رغم تعارضه المطلق مع الدين ورغم ما ورد من أفعال معادية للدين حتى من خلفاء بنو أمية أنفسهم وبعد أن انتقلت الخلافة إلى بنو عباس انتقل الولاء إليهم بلا خجل ومنذ أن انهارت الدولة العباسية انهار الولاء للدين وأصبح الولاء القبلي علني وتم توحيد الدين بالقبيلة وللأسف لصالح القبيلة.

أصبح حكم القبيلة هو العنوان العام والمصلحة الفردية هي الأساس والسيطرة على الحكم هدفها وصار الديني خادم للسياسي او للعشائري فقد قتل من خلفاء الأمويين كل من الوليد الثاني بن يزيد الثاني وإبراهيم بن الوليد الأول ومروان الثاني بن محمد الذي لقب ب " مروان الحمار " وفي عهد الخلافة العباسية قتل المأمون أخيه الأمين وقتل المتوكل بالله على يد ابنه وفي الخلافة العباسية الثانية 847-1248م قتل تسعة خلفاء من أصل 29 خليفة وخلع 5خلفاء ثم جاءت خلافة الادارسة في المغرب والطولونيون في مصر وسوريا والحمدانيون في الجزيرة وسوريا والفاطميون في شمال إفريقيا والإخشيديون والمزيديون والعقيليون والمرادسيون والمرابطون وهم قبيلة " صنهاجية " لان اسمهم يظهر كان لا علاقة لهم بالقبائلية والموحدون والأيوبيون والمرينيون والوطاسيون والحفصيون والمماليك البحيرية ذات النظام الوراثي في الحكم والبرجية التي وضعت نظاما غير وراثي لاختيار السلطان, إلى أن وصلنا إلى خلافة آل عثمان ومع ذلك ظلت فكرة الخلافة هي الناظم لكل العشائر المسيطرة أو الحلم الذي يتمنونه كون هذا الحكم سيستند إلى المبرر الديني – حسب التفسير العشائري للدين -  الذي لا تجوز مقاومته وهي موجودة وان بشكل خفي في أذهان البعض حتى اليوم بما في ذلك حركات دينية لا زالت حتى يومنا تدافع حتى عن عودة الخلافة العثمانية ولو باسمها التركي وكل ما تقدم كان الهدف منه تأكيد أن الدين خضع للقبيلة التي استخدمت الحق الإلهي أو الديني مبررا لسلطتها وهي لم تأخذ من الدين إلا لقب الخلافة الذي لم يرد له ذكر في نص قرآني إلا مرتين لا علاقة لهما بالتوريث أو بالآليات التي اعتمدت بعد الخلفاء الراشدين مطلقا.

حتى عام 2013 كان عدد المدارس في فلسطين 2753 مدرسة وروضة أطفال وحضانة مابين عام وخاص ووكالة بينما كان هناك 2815 مسجد تابعة لوزارة الأوقاف وفي كلا الحالتين أي في المدرسة والمسجد لا توجد رؤيا موحدة لما نرغب بان نكون عليه فالإمام الذي يعطيه الدين الحق بالتكلم دون مقاطعة يقول ما يريد وكيفما يريد وأحيانا دون مراجعة أو مناقشة أو مساءلة اللهم إلا إذا حاد عن رغبة صاحب السلطان السياسية وفيما عدا ذلك فالأمر مقبول وبالتالي يخضع المتلقي لإرادة وعقلية الملقن أي الشيخ وقد تمتد خطبة الجمعة لساعة مثلا عليك خلالها أن تنصت وان لا تناقش ولذلك تأثير كبير على العامة ولا يجوز النقاش ولا المقاطعة ولا الاستفسار حتى إلا بعد الانتهاء إن كان ذلك ممكنا ومقبولا من الإمام نفسه فيكفي أن يسخف إمام مسجد ما من رأي أو سؤال البعض حتى يصبح مرفوضا وعادة ما يقبل الناس رأي الإمام ولو كان ضعيفا وفي موضوع لا علم له به بينما ترفض العامة رأي العالم بشيء ما دام ليس رجل دين فلرجال الدين إذن سطوة عجيبة لرأيهم قوة ما بعدها قوة ولا يستطيع احد قهرها خصوصا وان العشيرة عادة ما تقبل بها إذا أدركنا أن في العادة يكون إمام المسجد هو شيخ البلد أو الحارة أو العائلة التي يسكن أبنائها حول المسجد بالتالي فهو إمام عشيرته أو جهته وهنا يتوحد رجل الدين مع رجل العشيرة إما كواحد بمعنى الكلمة أو كوحدة موقف ومصلحة فيحمي الواحد منهم الآخر وإلا ما معنى أن يقوم إمام المسجد في معظم البلدان الإسلامية بالدعاء للزعيم السياسي من على منبر الجمعة دون مبرر ويعطي له صكوك غفران عن الإيمان والاستقامة دون مبرر إلا مبرر المصلحة والوظيفة منذ أصبحت الإمامة وظيفة رغم أن الجميع يعرف أن لا وظيفة للإمامة في الإسلام.

باختصار شديد فان قيم مثل الشرف والعدل والحق في الإسلام مغيبة بالمطلق لصالح ما تراه العشيرة وبدون أدنى إحساس بالتناقض او الخروج عن الدين فقد تقف بلد بأسرها ضد رجل شرب الخمر مرة او امرأة شوهدت في مكان ما صدفة مع رجل ولا ينبس احد ببنت شفة عن من يقذف المحصنات الغافلات او عن الكاذب او عن الحاكم الظالم او عن الزاني فأي انتهاك  إجرامي للدين لصالح العشيرة علنا وبلا وجل او خجل او خوف من مخالفة تعاليم السماء فتعاليم العشيرة إذن هي الأكثر قدرة على القبول والثبات والناس إذن يخافون حقا من عقاب العشيرة العاجل لا من عقاب الله سبحانه الآجل, وحين يصبح من مصلحتهم استخدام القران للدفاع عن انتهاكاتهم له يستخدمون ما يون منه مجزوءا كان يستخدموا الآية الكريمة " ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب " للدفاع عن فكرة الثأر وسلوكه علما بان الآية بعيدة كل البعد عن فكرة الثار الفردي أو الشخصي وحين يطالبونك بإطاعة الحاكم يستقدمون وبلا خجل النص القرآني " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " والبعض يستخدمها للدعوة لطاعة الحاكم والبعض يستخدمها للدعوة لطاعة العالم الديني وقطعا لنصل بالنتيجة إلى طاعة الحاكم الذي يستخدم العالم الديني كموظف لديه "

 

(4)

 

 

السلطة السياسية:

لا يتفق الباحثين أبدا على تحديد أول دولة في التاريخ فبعيدا عن أول نظام حكم او وجود حاكم والذي يعود أصله للفراعنة هناك خلاف بين دول مثل الصين واليابان وسان مارينو على لقب أول دولة في التاريخ فكل منهم يدعي انه الأولى بهذا اللقب وبعيدا عن الدراسات العلمية والبحث في المعنى العصري للدولة فان نظام الأسرة والقبيلة والعشيرة هي أول أنظمة التاريخ ومنها انبثقت الأنظمة السياسية والاجتماعية الأخرى بما فيها الأشكال المختلفة للدولة وصولا إلى الدولة الحديثة ولا زالت دول عصرية كبريطانيا والسويد والدنمارك وغيرها تحافظ على دور الأسرة الحاكمة التاريخي ويتحمل دافعي الضرائب هذا العبء دون مبرر أخلاقي أو حتى عقلاني مقبول وتكلف الأسرة الحاكمة في بريطانيا صندوق الدولة أكثر من 50 مليون يورو سنويا بينما تقول المجلة الفرنسية " وجهة نظر " أن القصر الملكي في المغرب يكلف خزينة الدولة أكثر من ربع مليار دولار سنويا وحسب رويترز بناء على تقارير ويكليكس فان العائلة المالكة في السعودية تكلف ميزانية الدولة رسميا فقط 2 مليار دولار سنويا وان الأمراء تخصص لهم رواتب من ميزانية الدولة منذ ولادتهم لكونهم فقط من نسل هذه العشيرة وبالتالي فان انضباط العشيرة في الغرب واختبائها خلف جدران قصورها العالية أراح المواطن الغربي من فسادهم وإفسادهم اضعف الإيمان وهذا لا يوجد على الإطلاق في الشرق ودوله فأنت لا يمكنك أن تعرف حجم الدمار الذي تلحقه هذه العشائر الكبيرة العدد كما هو الحال في السعودية بالدولة واقتصادها خارج الميزانية الرسمية مما دفع ببعض الجمهوريات إلى التحول إلى ملكيات رسميا وحتى بعض الدول التي تتغنى بالثورية ككوريا الشمالية صار الحكم بها للأسرة أبشع من الحكم الوراثي الملكي وأكثر إيغالا في الوحشية وبالتالي فان العشيرة لا زالت مختبئة بين ثنايا البدلات الحديثة وربطات عنق الحكام العصريين وهم لا يتورعون حتى اليوم عن اللجوء إلى العشائر وتقويتها كلما ألمت بهم مصيبة أو أزمة أو احتاجوا للدعم والإسناد الشعبي فلا يتوجهون مثلا للنقابات ولا للاتحادات التي يحاربونها بل يعودون إلى العشائر التي ينتمون لها فعلا وفكرا لإدراكهم الأكيد بوجود المصلحة المشتركة بينهم وبين العشيرة في واقع الحال.

نحن إذن أسرى العشيرة أكان ذلك في الدين أو السياسة واسري هنا بالمعنى الذهني لا العملي فحتى لو انزوت العشيرة رسميا بعيدا عن المسجد وقصر الحكم إلا أن ذهنيتها تظل حاضرة في كل سلوك ويظل قانونها الغائب شكلا حاضر ليطل برأسه كلما تعارض معه رأي أو سلوك حتى لو كان ذلك دينيا أو سياسيا فلا يستطيع الحاكم المستند إلى أسرته وعشيرته أن يهدم حائطه بيديه وهذا يندرج على من هم تحت إمرة الحاكم ففي الشرق يلجأ الحاكم أيا كان موقعه إلى أسرته ليجلب إليه منها موظفيه الأقرب والأكثر إخلاصا له لا للبلد ويطلق أيديهم طبعا ليفعلوا ما يفعلوا بسطوة اسمه وسلطته وقربهم منه دون أن يتمكن احد من لجمهم أو وقفهم عند حدهم ويغيب الدين والقانون أو يطوعون بالقوة لإرضاء العشيرة وذهنيتها وفي سبيل ذلك يصبح الحرام دينيا حلالا إن أرادت الذهنية العشائرية ذلك والحلال حرام ويصبح الخروج عن القانون بطولة والرضوخ له أو القبول به جبن وضعف.

في الشرق تتدخل العشيرة قبل القانون بل ويقبل القانون بقرار العشيرة ولعل ظاهرة جاهات الإصلاح هي الأخطر في بلادنا فبدل التقاضي أمام القانون تطلق الدولة العنان لرجال العشائر والوجهاء للقيام بدور الحامي للمجرم والذين يكرسون كل وقتهم لحمايته من العقاب القانوني تحت حجج واهية تتحدث عن السلم الأهلي والاجتماعي وحماية المجتمع وصون الدم وما إلى ذلك والحقيقة أنهم ينتصرون للظالم ضد المظلوم الذي لا يجد مفرا من القبول إما لضعف أو حاجة أو عدم القدرة على مقاومة الضغوط وغني عن القول طبعا أن الظالم أو من يملك القدرة على الظلم هو ابن العشيرة الأكبر أو الأغنى وهو بالتالي يدرك مصدر قوته قبل قيامه بجريمته والمعتدى عليه بالضرورة هو الأضعف أصلا حتى تم الاعتداء عليه أو على أي من حقوقه وبذلك يسهل إجباره على السكوت وقبول الحل العشائري الذي يجعل المجرم يفلت من العقاب فما الذي يحدث هنا.

مجرم لا يدفع ثمن جريمته بل على العكس تساهم كل العشيرة بالدفاع عنه ومعها المجتمع العشائري بأسره ممن ينكرون على الضحية تعنتها أو رفضها للتنازل وبالتالي فنحن نشجع هذا المجرم ومن هم على شاكلته على مواصلة جرائمهم وبشكل أبشع حين يسود شعار " إلي بتعرف ديته اقتله " وبالمقابل فان المظلوم قد وقع عليه الظلم ثلاث مرات, الأولى من المجرم نفسه حين قام بجريمته, والثانية من المجتمع حين اجبره على التنازل, والثالثة من القانون ومؤسساته الذي تنازل عن دوره لصالح العشيرة, فنحن إذن أمام صورة سريالية عجيبة لمكونات مجتمع تقبل به وتتعايش معه وتستخدمه ولكنها لا تؤمن به فالمجرم يقبل بقانون ضعيف بل ويصر عليه حتى يبقي يديه طليقتان ليفعل ما يشاء والمظلوم يقبل ضعفا ولكن لا يؤمن أبدا بما يقبل به لأنه لم ينصفه وأدوات مجرمة على كل الجهات فأين هي إذن المادة الخام التي سنبني بها مجتمعا مدنيا بقيم المواطنة المدنية وإنسانية الإنسان بعيدا عن اسمه أو صفته أو جنسه أو لونه أو دينه أو طائفته أو عشيرته, فالوزراء يصبحون معا عشيرة يدافعون عن الظالم قبل المظلوم منهم حماية لأدوارهم ومصالحهم ضد الجمهور, وأصحاب المهنة عشيرة ضد من يطلبون مهنتهم فيتوحدون على السعر العالي وعلى شروط وحقوق مهنتهم ولا يلتفتون إلى شروط وحقوق المستهلك أو مشتري الخدمة, والنساء عشيرة في مواجهة ظلم الرجال, والرجال عشيرة في الحفاظ على مكانتهم المسيطرة, والطائفة عشيرة في مواجهة الطوائف الأخرى, وكذا الأديان إذا تعددت في بلد ما, وطبعا تظل العشيرة نفسها هي الأساس فالطبيب الذي ينتمي لعشيرة الأطباء لا يمكنه أن يتنكر لعشيرة عائلته, وحتى رجل القانون الذي ينتمي لعشيرة النظام أو الدولة لا يمكنه أن يهرب من سطوة عشيرته, فهو سيكون ضعيفا أو متواطئا حين يكون ملزما مثلا بتنفيذ القانون ضد احد أفراد تلك العشيرة التي ينتمي إليها.

ذهنية العشيرة في الشرق لا زالت مسيطرة وأحيانا بغباء مطلق فحين انتخب البريطانيون عمدة لندن من أصول باكستانية مسلمة ضج المسلمون كعشيرة واحدة وغنى الفلسطينيون له بكل جنون وكان الرجل انتخب لكل منهم في بلده علما بأنه واحد ممن هربوا من كارثية العشيرة في الشرق وهو قطعا سيعمل على خدمة ناخبه اللندني ولن تعنيه باكستان او غيرها بشيء إلا بحجم فائدتها لبلده التي ينتمي إليها " لندن " وحين اختير " ميشال تامر " نائبا لرئيسة البرازيل ثم رئيسا ضجت قرية أصوله في لبنان بكل الأفراح دون أن يكونوا يدركون مثلا أن الحياة السياسية والرئاسية والنيابية في بلادهم أنفسهم معطلة وحين حصل العالم احمد زويل على جائزة نوبل أقيمت الأفراح لدى عشائر العرب رغم أن علمه وجائزته لم يكونا للعرب ولا على ارض العرب, عضو البرلمان الاسباني من أصول مصرية " نجوى جويلي " كتب عنها والدها على مواقع التواصل الاجتماعي " أنها ابنة ثورة 25 يناير " هكذا وببساطة أعاد ابنة مدريد إلى الثورة المصرية رغم أن لا علاقة لها لا بمصر ولا بثورتها بل إن والدها ظل أسيرا لعشيرته مصر حين أصبح بلا عشيرة هناك بينما تمكنت ابنته من كسر لجام العشيرة لتنتمي لبلد هي اسبانيا التي قبلتها أيضا ببساطة حضورها الوطني بعيدا عن اسمها وشجرة العشيرة فلا عشائر هناك سوى العشيرة الاسبانية, " خديجة عريب " التي انتخبت رئيسة لمجلس الشيوخ الهولندي وتفخر بها العشائر العربية وخصوصا المغربية قالت عن نفسها أنها "  تشعر أنها هولندية الانتماء وأن السبب الوحيد وراء احتفاظها بالجنسية المغربية هو أن المملكة لا تسمح لرعاياها بالتخلي عن هويتهم " أفلا يكفي رأيها لنعرف الحقيقة, عمر كريم شحاده نائب رئيس جمهورية البيرو لا احد كان سيعرف اسمه لو كان في رام الله.

يقول هشام شرابي في ( العهد الأبوي ) ص 47 " تكمن الدينامية البارزة للبينة القبلية في العصبية, وهذا منحى سلبي إذ تقوم بادئ ذي بدء بالفصل بين الأنا والآخرين, ثم وعلى مستوى أعلى, تقسم العالم إلى نصفين متعارضين, القرابة واللا قرابة, العشيرة والعشيرة المعادية لها, والإسلام واللا إسلام, وهكذا منطلقين من المبدأ الأخطر والشائع بين الناس " أنا وأخوي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب " لاحظوا أن القول لم يشمل الآخر في الخطوة الثانية ولم يقترب من الأنا في الأصل لان الحقيقة المرة أنني على أخي أولا إذا تعارضت مصالحنا فالعشيرة في القرابة هنا قائمة أصلا على العلاقة مع الأنا التي هي الأصل, فالأصل في القرابة مع الأنا, لا في قرابة المجموع مع المجموع, فأنا مع العشيرة لأنها توفر للأنا مظلة عند الحاجة وإذا تعارضت القبيلة مع الأنا لسبب ما فالأنا هي الأساس وكل العلاقات منطلقة من نقطة الصفر ولا مكان إذن للجماعية ما دام الفرد هو المقرر حسب المصلحة او تعارض المصلحة بقانون التناقض والتطابق في المصالح من منظور فردي مهما علت تلك المصالح او سخفت تناقضاتها. وبالتالي فلا حياة مع المواطنة بظل الأنانية المتأصلة والمفرطة في الإغراق بالذاتية المقيتة والفردية.

على هذه القاعدة نجد اللجوء للهجرة منتشر في أوساط الشباب وغير الشباب في العالم العربي فهو حين لا يصبح قادرا على احتمال سطوة العشيرة كمكون للأفراد أصلا يلجأ للهروب كليا وتراه هناك يقبل بكينونة جديدة ما أن يغادرها حتى يعود ليقبل بحضن العشيرة كملاذ لا بديل عنه فحين تحضر الدولة في الغرب يقبل العشائري بالتنازل عن عشيرته الغائبة وحين تغيب الدولة في الشرق يعود لعشيرته حتى لو غاب عنها نصف قرن إلا في حالات نادرة, ولا تأخذ العشيرة قراراتها ولا تصنع قيمها بالتشارك بل بإرادة النخب المسيطرة القادرة على فرض نظام حديدي لا يتيح للفرد أن يمارس ذاته بل أن يخفيها بأقنعة كاذبة تطل برأسها أحيانا هنا وهناك بأدبيات وشعارات مغلفة بغطاء عشائري كمفهوم " أنا واخوي على ابن عمي .... " فهذا غطاء للفردية يكذب باسم الجماعة ليرضيها بان يتنازل عن الأنا وحدها لصالح الدرجة الأقرب وحتى مع تطور العصر وظهور عالم الانترنت والعالم الافتراضي كما يسميه البعض نجد ظاهرة الجماعات والتحكم بالرأي فيها فأكثر من مجموعة على صفحات التواصل الاجتماعي لا تقبل الآخر وعليك أن تلتزم بقواعد يضعها أصحاب الصفحة او أن تنشيء صفحتك لجماعتك بما يبشر بتعصب اخطر من كل أنواع التعصب الحي والمباشر على الأرض ليغزو التعصب كذهنية متأصلة حتى للفكر عن بعد فلا تعد تقبل الفكرة من غيرك إن خالفت جماعتك مهما كانت بعيدة عنك علما أن من الممكن لمثل هذه المواقع أن تسهل تلاقح الأفكار والقدرة على التمرن على قبول الآخر بدءا من الآخر البعيد وانتهاء بالآخر القريب على قواعد المتفق عليه في الحياة قبل المختلف عليه وبذا يصبح قبول الاختلاف على قاعدة أهمية المختلف من اجله وهو الموضوع لا الذات, فحين تدرك أهمية الموضوع المشترك والذي من اجله جاء الاختلاف وان كلا الطرفين او الأطراف يسعون للخير لنفس الموضوع كل من طرفه وحسب رؤيته تغيب الذات الأنا كفرد أو الأنا كفئة, كجماعة, كطائفة, كلون, كجنس, أيا كانت هذه الأنا لصالح الذات الموضوع والتي لا يمكن لها أن تصلح إلا بتكاتف كل الأطراف المكونة للمجموع المعني بالموضوع نفسه.

الاختلاف في الذهنية العشائرية لا يقف عند حده بل يتجاوز إلى النهاية مطالبا بإلغاء الآخر او تكفيره او تخوينه وما حدث مثلا بين مصر والجزائر في مباراة رياضية جر البلدين بل ومعهم الشعوب العربية إلى مناكفات واتهامات طالت كل شيء رغم أن الأمر لم يكن أكثر من خلاف على كرة قدم لا أكثر ولا اقل من المفترض أن يكون الموقف هو من نوع اللعب لا من اللاعبين أنفسهم والجميع يعرف أن حجم الاهتمام والنجاح في كرة القدم في الغرب اكبر بما لا يقاس من حجمها عند الشرقيين والعرب تحديدا ومع ذلك ترى الاقتتال حتى على الفرق الغربية نفسها والجميع يعرف حجم الصراعات والمناكفات التي تدور في فلسطين بين مؤيدي برشلونة ومدريد دون أن يدري كلا الفريقين بما يعني ذلك أبدا ولو قدر لهم أن يروا جلسة مناكفات فلسطينية عنهم لاعتزلوا اللعب من أساسه او لقرروا أن يحرمونا من مشاهدتهم.

في إحدى جلسات مجلس الشعب السوري في بداية الأزمة وحين ظهر الرئيس السوري ليلقي خطابه أمام المجلس ارتفعت الهتافات من أعضاء البرلمان - والذين من المفترض بهم أنهم هم من يساءلون الرئيس – ليهتفوا بصوت واحد كالطلبة " بالروح بالدم نفديك يا بشار " فما كان من الرئيس نفسه إلا أن صحح لهم هتافهم قائلا " بالروح بالدم نفديكي يا سوريا " فأمنوا وراحوا يرددون من بعده ألا يعني هذا تسخيف للوطن لم يقبله حتى الشخص نفسه واعتبره مخجلا له وللهاتفين معا ليجد نفسه مضطرا لتصويبهم.

على اثر ما سمي بالربيع العربي وبعد احتلال العراق وجد الشاب العربي نفسه أمام حقائق كادت أن تغيب عن باله بدءا من الطائفية والعرقية في العراق والجهورية والقبائلية في ليبيا والانقسام العشائري والطائفي التاريخي في اليمن وحتى الجهوية والطائفية في مصر مما اثبت أن كل هذه الانقسامات كانت حية وان حاولت الاختباء ولا زالت سوريا تعاني كل مآسي الذهنية العشائرية على أكثر من صعيد رغم أنها ولقرن تقريبا ظلت تعتبر دولة علمانية دون أن تتمكن من أن تصنع مجتمعا مدنيا يصعب كسره وتفتيت وحدته لو انه كان حقيقيا, ولا زال العمق العشائري للرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح يشكل قاعدة قوية له لا يمكن تجاهلها وقد وجد مصالحه مع الحوثيين الذين كانوا ألد أعداءه في الماضي القريب لنرى أن التحالفات تبنى على مصالح الأنا العشائرية قبل الأنا الوطنية او القومية او الدينية وان الدولة والدين والطائفة جميعها تغيب قسرا إذا تعارضت مع أنا العشيرة والمتنفذين فيها.

إبان الاعتقال في معتقلات الاحتلال الصهيوني وكنت في العشرينات من عمري وخلال نقاش سياسي لي مع احد الزملاء وكان في نهاية الخمسينات من عمره ومر ذكر احد القادة محاول وميلي انتقاد تصريح له فجن جنوني إذ كيف يجرؤ هذا الرجل على نقد زعيم بهذا الحجم ومن هو حتى ينقد أقوال الزعيم وقلت له بالحرف على ما اذكر " لو قال هذا الزعيم أن الشمس تشرق من الغرب فهو على حق ونحن فقط لم ندرك بعد كيف يكون ذلك " بكل بساطة وبشدة أطلقت تصريحي الذي لا زلت وسأبقى اخجل منه ما حييت وليس لذلك إلا معنى واحد أن هذا الزعيم كان برأيي زعيم عشيرتي والانتقاص من مكانته انتقاص من مكانة العشيرة والسؤال اليوم وشبابنا يعيشون نفس الحالة هو أين دور هذه القيادة المدركة لخطورة مثل هذه الذهنية على مستقبل الوطن والشعب والقضية لدرجة وصل الأمر بنا إلى أن يصبح التناقض مع الفصائل أهم من التناقض مع الاحتلال وصار انقسام الوطن عملا ثوريا ووجود الاحتلال ليس ذي أهمية مقابل انتصار الفصيل وقيادته ومشروعه العشائري.

لا يمكن للدولة المدنية أن تعيش ولا لسلطتها ونظامها أن يكونا لا في الأحزاب ولا في الدول إن لم تغيب الأنا العشائرية وتغيب عبادة الصنم الشخص ومن خلفه الحزب تماما كما هي العشيرة فمن يعيش في نظام يكرس تأليه القائد وعبادته ويجعل من الوطن أو الحزب دكانا له سيجعل من كل الوطن كذلك فأنت أمام القائد عبده وأمام مرؤوسيك اله كما إلهك فمن إذن ذاك الذي سيصوغ واقعا مدنيا بقيم تحمي هذا الواقع وتؤسس لدولة المواطنة وقيمها المدنية والديمقراطية الحامية لمصالح الجميع كأفراد وجماعات حين يصير الوطن لهم وهم أصحابه لا لصاحب فرد وجماعته وهم عبيد له ولهم.

ذات مرة استمعت لحوار ساخن بين عضوين من فصيلين متناحرين فقال احدهم للثاني أن جماعتك فاسدين ففاجأتني الإجابة وحجم الصراخ بها عن حجم فساد الجماعة الأخرى بالأسماء والأرقام والغريب أن كلاهما لم يخجل من قول الآخر بفساد جماعته ولم يحاول نفي التهمة بل وظف كل ما كان لديه من قوة ومعرفة ومعلومات لإثبات أن الآخرين فاسدين وكان الفساد أمر طبيعي والمهم من هو الفاسد أكثر, فأي كارثية هذه في قبول الأسوأ والدفاع عنه ما دام اسم العشيرة هو العنوان دون خجل, وكيف يمكن بناء مجتمع مدني ودولة للمواطنة بمثل هذه الذهنية المسلوبة الإرادة كليا لصالح عشيرتها التي تكاد تصبح وطنا بدل الوطن الحقيقي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

2016-09-18