الثلاثاء 26/9/1441 هـ الموافق 19/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
المستوطنات: شرك ذو أبعاد وجوديّة أقامته إسرائيل لنفسها....بقلم:أ.د. ألون بن مئيـــــــــــــــــــر

يمثّل نشاط إسرائيل الإستيطاني المتواصل مسمارا ً آخرا ً في نعش عملية السّلام،  أكان ذلك باعتماد رجعيّ لمواقع استيطانيّة "غير مرخّصة" أو المضي قدما ً بخطط لوحدات سكنية جديدة كما أعلن عنها حديثا ً.   فالمستوطنات لم تصبح سوى شرك أقامته إسرائيل لنفسها وأصبح يهدّد وجودها في العمق، غير أنّ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وشركاؤه في التحالف غير قلقين أو حتى مهتمين – على أية حال – بالتداعيات الوخيمة المنظورة لنشاط الإستيطان. إنهم يضعون قداسة الأرض فوق أي اعتبار ٍ آخر وينظرون إلى مشروع الإستيطان كشرط أساسي لا بدّ منه لإعادة إلإمتلاك الكامل "لأرض إسرائيل" التاريخيّة.

نتنياهو لم يرتدع بانتقادات أو إدانات المجتمع الدولي. إنه يتخذ موقف أنّ بناء وحدات سكنيّة جديدة هو إلى حدّ كبير ضمن مستوطنات ستكون في نهاية المطاف جزءا ً من صفقة الوضع النهائي في عمليات تبادل الأراضي، وكأن له الحقّ في أن يقرّر من جانب ٍ واحد أية مستوطنات ستنضمّ لإسرائيل بدون اتفاق مع الفلسطينيين.

نتنياهو ينظر للأمر على أنّ إسرائيل تبني مستوطنات في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة منذ حوالي خمسة عقود من الزّمن، ورغم ذلك لم تعاني من أية عواقب أو آثار سلبية لتحديها الإجماع الدولي ضدّ المستوطنات. فلماذا يقلق بهذا الأمر الآن ما دام المجتمع الدولي منشغل للغاية بصراعات أخرى عديدة في الشرق الأوسط ومن غير المحتمل أن يتخذ أيّ إجراء عقابي ضدّ إسرائيل عدا التعبير عن سخطه المعتاد ؟

ونتنياهو حتّى أقلّ قلقا ً أو اهتماما ً بشكوى الفلسطينيين بأن ضمّ إسرائيل الزاحف لأراضيهم يخلق حقائق على الأرض لا رجعة فيها وهذه قد تُنكر عليهم إنشاء دولتهم بموجب حلّ الدولتين. ويردّ نتنياهو على هذا الجدل بتكرار مقولته المعروفة  بأن إسرائيل مستعدة للدخول في مفاوضات بدون شروط، وأنّ المستوطنات لا تشكّل أي عائق للسّلام. وفي نفس الوقت، على أية حال، يكرّر مرارا ً وعلنأ ً قوله بأن لليهود حقّ تاريخي بكامل "أرض إسرائيل" غير قابل للتحويل أو التصرّف للغير، وبالأخصّ الضفة الغربيّة. ومن هذا المنطلق فإن إسرائيل – على حدّ زعمه – ليست قوة احتلال ولها الحقّ الأصلي في إقامة مستوطنات على أيّ جزء من أرضها التاريخيّة.

ونتنياهو أيضا ً ليس قلقا ً بردّ فعل الدول العربيّة، وبالأخصّ المملكة العربية السعوديّة ودول الخليج الأخرى حيث أنّ النشاط الإستيطاني على السطح يضع هذه الدّول في موقف دفاعي، وبالأخصّ عندما تتواصل مع إسرائيل.

نتنياهو يصرّ على أنّ هذا ليس الحال، فالدّول العربيّة قلقة أكثر من التطرّف الإسلامي، وبالأخصّ التهديد النووي الإيراني الذي يلوح في الأفق. هو يدّعي في الواقع بأن الدّول العربيّة تسعى للتعاون مع إسرائيل بالرّغم من التوسّع الإستيطاني المتواصل. فهذه الدّول تشترك مع إسرائيل في قضية مشتركة وتركّز على مشاكلها الخاصّة معتبرة الفلسطينيين لا شيء سوى عبئا ً إضافيّا ً عليها.

ورسالة نتنياهو للإسرائيليين، وبالأخصّ للمستوطنين، هي أنّ إنشاء المواقع الإستيطانية الغير شرعيّة سيشرعن بأثر رجعي، معطيا ً بذلك إشارة لهم أنّ بإمكانهم الإستمرار في هذه الممارسة بدون عقاب.

إنها لوقاحة من نتنياهو أن يطالب بتدمير قرى فلسطينيّة مثل سوسيا وغيرها من الوحدات السكنية الفلسطينيّة المشيّدة على أراضٍ فلسطينيّة في حين يشرعن بصورة رجعيّة مستوطنات يهوديّة غير قانونيّة على أراض ٍ فلسطينيّة صادرتها إسرائيل، وهذه ليست سوى مهزلة. فأية رسالة يبعثها هذا التصرّف للمجتمع الدّولي، وكيف يتفق هذا مع موقف إسرائيل الأخلاقي المزعوم بين جماعة الأمم !! ؟ يبدو أنّ هذا لا يقلقه أبدا ً.

نتنياهو يستبعد إمكانية أن تؤدي سياسته بشكل ٍ غير مقصود إلى حلّ الدولة الواحدة لشعبين حيث أنّ إسرائيل ستواجه خيارين لا ثالث لهما. أولهما أن تحافظ على شكل حكمها الديمقراطي بمنح الفلسطينيين حقّ المواطنة الكاملة، ولكنها في هذه العملية ستخسر أغلبيتها اليهوديّة وهويتها الوطنية كدولة يهوديّة، أو ثانيهما ترفض حقّ المواطنة للفلسطينيين حيث تصبح إسرائيل واقعيّا ً دولة فصل عنصري (أبارتهايد) محتقرة من المجتمع الدولي وعرضة ً لعقوباته.

ولكن هذا، على أية حال، ما لا يراه نتنياهو وزمرته. فتوطين مليون يهودي في إسرائيل، من وجهة نظرهم، سيخلق بالفعل حقائق لا رجعة فيهاّ على الأرض، وهذا بالضبط ما يريدون تحقيقه، إذ أنّ هذا لا يترجم إلى منح الفلسطينيين المواطنة الإسرائيليّة وحقوق سياسيّة متساوية.

ما يدور في رأس نتنياهو هو أن يقوم الفلسطينيّون بإنشاء "كانتوناتهم" (مناطقهم المحصورة) في رام الله، بيت لحم، جنين، أريحا وغيرها من المدن وأن يحكموا أنفسهم بالطريقة التي يرونها مناسبة ما داموا يقبلون مصيرهم بهدوء، هذا في حين تحتفظ إسرائيل بالأمن بشكل عامّ في جميع أرجاء الضفة الغربيّة.

بفعلها هذا، ستبقى إسرائيل إلى أجل غير مسمى مسيطرة على الضفة الغربيّة وتدير الصّراع على أساس يومي وتتعامل مع العنف الفلسطيني كما تشاء عندما يحدث. وبالنسبة لنتنياهو، هو يفضّل حالة من التوتّر الدائم على التخلّي عن الأرض.

نتنياهو – على أية حال – أعمى تماما ً بفعل رسالته المسيانية (عقيدته التوراتية) مستبعدا ً احتمال أن يثور الفلسطينيّون عاجلا ً قبل آجلاً لأنهم يفضّلون الموت على هذا الوضع المزري إذ لم يبقَ لهم شيء يخسرونه.  

في كتابه التنويري الجديد "إنتحار اليهود" The Suicide of the Jews (من الكتب التي يجب قراءتها) يصف عالم استطلاع المستقبل تسفي بيسك (Tsvi Bisk ) كيف تسوّغ الفروع الصهيونيّة المختلفة الإحتلال وضمّ جميع الأراضي الفلسطينيّة في نهاية المطاف لإسرائيل لأنها تعتقد فعلا ً:" .......بأن التنازل عن قضية الأرض لن يعرّض فقط للخطر الخلاص اليهودي، بل خلاص البشرية جمعاء.....لأنّ الإخلاص للأرض بالنسبة للصهاينة المتدينين كان توجيها ً إلهيّا ً، ومجرّد الكلام حول تقسيم الأرض مع شعب ٍ آخر كان دنسا ً".

نتنياهو رهينة راضية عن نفسها لشركاء تحالف هو الذي جمعهم، ومن بينهم  أنصار أقوياء للمستوطنات أمثال وزير التربية والتعليم نفتالي بينيت (رئيس حزب "البيت اليهودي") ووزير الدفاع أفيغدور ليبرمان (رئيس حزب "إسرائيل بيتنا").

لنترك الأمر لنتنياهو، فإنه يستخدم حكومته الإئتلافية لتقديم العذر المثالي له للإستمرار في سياسته، ولكن الشيء المأساوي هو أنّه يدعو لكارثة بوضعه الأرض فوق أمن إسرائيل القومي، إن لم يكن فوق صميم وجودها.

تبيّن إستطلاعات الرأي المتعددة بأن أغلبيّة عظمى من الإسرائيليين والفلسطينيين تريد وضع نهاية لصراعهم على أساس حلّ الدولتين. ولكن ما دامت الأحزاب السياسية المعارضة عاجزة عن توحيد صفوفها ضمن إطار سياسي معيّن ومتماسك يعتمد على أساس مبادرة السلام العربيّة لحلّ النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، قد يشكّل الليكود أيضا ً الحكومة القادمة في عام 2019.

وبالمثل، ما دام الفلسطينيّون منقسمين على أنفسهم والعديد من زعمائهم غارقين في الفساد، هم يعملون بذلك لصالح نتنياهو ولمضرّة أنفسهم، وهم، أكثر من أي عدوّ ٍ آخر، يدمّرون فرصتهم في تحقيق دولتهم المستقلّة.   

وللتأكيد، ما لم تتحد أحزاب المعارضة الإسرائيليّة وتكوّن حركة شعبيّة للسّلام، وما لم ينظّم الفلسطينيّون شؤونهم السياسيّة ويتفاوضوا مع إسرائيل في انسجام، سيكون من الصعب إنقاذ الطرفين من جروحهم المميتة التي أنزلوها هم بأنفسهم.

____________________________

  أ.د. ألون بن مئيـــــــــــــــــــر

أستاذ العلاقات الدولية بمركز الدراسات الدولية            

بجامعة نيويورك ومدير مشروع الشرق الأوسط

بمعهد السياسة الدوليـــــــــــــــــة

2016-09-19