السبت 1/2/1442 هـ الموافق 19/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
لماذا إعادة بناء الأداة الوطنية الموحدة في القدس ....؟؟بقلم راسم عبيدات

لا نريد اجترار الحديث حول غياب العناوين والمرجعيات الجامعة في القدس،وما تتركه من أثار سلبية على أوضاع وحياة المقدسيين في مختلف مناحي وشؤون حياتهم،ولكن ما تشهده المدينة من حالة انفلات في الكثير من الأمور،انفلات بات يهدد وحدة النسيج المجتمعي المقدسي بشكل كبير وعلى درجة عالية من الجدية والخطورة،ولم تعد الدعوات ولا المناشدات ولا بيانات الشجب والاستنكار كافية،حيث مظاهر الفتن والتجييش واستغلال الدين وتوظيفه لأغراض سياسية ومذهبية واستخدامه كمعيار للإيمان والتدين والتكفير والتخوين أخذة في التوسع والتعمق،على ضوء ما تشهده المنطقة وظهور حركات إسلامية مغرقة في التطرف والاقصائية والتشدد ورفض وجود الأخر،وكذلك في ظل ضعف وتراجع الأداة الوطنية الموحدة،وغياب السلطة وعدم قيام أذرعها وشخوصها بالمهام المنوطة بهم في المدينة فيما يتعلق بهموم وقضايا الناس ومشاكلهم،كلها تدفع نحو المزيد من الشرذمة والتفتت والانسحاب نحو العشائرية والقبلية والجهوية والطائفية،وكذلك الخروج على المواقف والثوابت الوطنية بشكل سافر،وهنا يجب التنبه إلى ان هناك العديد من المظاهر برزت في شهر رمضان الفضيل،تؤشر إلى فقدان الحركة الوطنية والسلطة لهيبتها،حيث جرى دعوة رئيس بلدية الاحتلال لحضور إفطار جماعي في القدس العربية،تحت حجة وذريعة مناقشة أوضاع المقدسيين الاجتماعية  والاقتصادية،وكسر الفجوة بين القدس الغربية والقدس الشرقية على صعيد الخدمات،ونحن هنا ليس فقط ندين ونشجب إقامة هذا الإفطار بحضور رئيس بلدية الاحتلال،من زاوية أن الاحتلال ورئيس بلديته،هم من يقومون بتنفيذ سياسة تطهير عرقي بحق السكان المقدسيين،ويهملون ولا يقدمون أية خدمات تذكر للمقدسيين العرب لقاء ما يجبرون على دفعه من ضرائب متعددة الأشكال والأنواع،ناهيك على انه لا يجوز شرعنة احتلال هذا الكيان لمدينة القدس،وتطبيع العلاقة مع عدو يرى في القدس المحتلة "عاصمة أبدية" لدولته ويعمل على زرعها بالمستوطنين والمستوطنات،وليس هذا فقط بل تشهد المدينة تصاعد في الاعتداءات والجرائم العنصرية بحق المقدسيين،تصل حد التفاخر بالاعتداءات عليهم ومحاولة قتلهم فقط لأنهم عرب،كما حصل مع الشاب جمال الجولاني ورفاقه،وغيرها من الاعتداءات العنصرية الأخرى،ومع تنامي وتصاعد مثل هذه الاعتداءات بحق المقدسيين،نجد هناك من يتغولون في التطبيع مع الاحتلال،وبما يشير إلى فقدان الاتجاه والبوصلة،ومدى حالة الانهيار والتراجع،فما معنى أن يقدم نفر من الشخصيات المقدسية الدينية والمجتمعية وبعض الصحفيين على حضور مأدبة إفطار أقامها رئيس دولة الاحتلال شمعون بيرس في القدس الغربية؟،وهو ليس بالقديس ولا بالمناصر للحقوق الفلسطينية ولا من المطالبين بإنهاء الاحتلال،بل  لم يجف الدم عن يديه الملطختان بالدم الفلسطيني والعربي،ولعل مجزرة قانا وتأييده لقتل الأطفال الفلسطينيين أثناء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أواخر عام/2008 من الشواهد على ما أرتكبه من جرائم بحق الشعب الفلسطيني.

والمأساة هنا أن تغول التطبيع مع الاحتلال في المدينة ومحاولة شرعنته ونقله الى المستوى الشعبي، في ظل هجمة شرسة وشاملة للاحتلال وقطعان مستوطنيه على المدينة،حيث يشتد الخطر على المسجد الأقصى،الذي بات خرائط تقسيمه المكاني والزماني واضحة،وما قرار بلدية الاحتلال باعتبار ساحات المسجد الأقصى أمكنة عامة وخاضعة لسلطة وسيطرة بلدية الاحتلال،إلا جزء من هذا المخطط،فنزع القدسية عن تلك الساحات يندرج في هذا الاطار والسياق،والخطورة ان المخطط يجد من يتعاطى معه فلسطينيا،حيث سمح باستخدام ساحاته في أيام الجمع من رمضان من أجل القيام بأنشطة تجارية،وهذه قضية على درجة عالية من الخطورة.

وبالخط الموازي هناك من يهتك ويدمر النسيج المجتمعي من المقدسيين أنفسهم،وهم بقصد أو بدون قصد يخدمون سياسة الاحتلال في هذا المجال،حيث ترى أن الدين والعشائرية يجري توظيفها بشكل سيء ومقيت في هذا الجانب،ففي مشكلة افتعلها نفر ممن يتعاطون المخدرات،والتي يجب ان يتم معالجتها والتصدي لها في هذا الإطار والسياق،جرى استغلالها والنفخ فيها وتحويلها الى مشكلة طائفية،وفي مثل هذه المشاكل يتم تغيب صوت العقل والفكر لصالح العواطف والمشاعر،ويكفي أن يشيع شخص من الطرفين إشاعة مغرضة لها العلاقة بالإساءة الى الرموز والمعتقدات الدينية لكي تنتشر انتشار النار في الهشيم،ونقف أمام حروب طائفية مصغرة،تشعرك بأنك لا تنتمي لا لشعب ولا أمة واحدة،وهذا ليس نتاج ثقافة وتربية خاطئة تمارس فقط، بل ما عزز وقوى هذا النهج وهذه الظواهر والمظاهر،ما يحدث على المستوى العربي،حيث التقت مصالح دعاة الفوضى الخلاقة مع  فقه البداوة  وأموال البترودولار والمتأسلمين الجدد،حيث ساهموا على تغذية مثل هذه المظاهر والظواهر من أجل استمرار السيطرة على الأمة العربية ونهب خيراتها وثرواته واحتجاز تطورها،واستعداء العرب ضد إيران وحرف الصراع عن جوهره.

أن ما يحدث على صعيد مدينة القدس،من محاولة احتلالية جادة للإجهاز عليها،وما يرافق ذلك من ظواهر ومظاهر مسيئة بدءاً من قضايا الاحتراب  العشائري والقبلي والطائفي،والتوظيف الخاطئ والمسيء للدين في القضايا والمشاكل الخلافية،وتغول مظاهر التطبيع وانهيار منظومة القيم والأخلاق،وانتهاءا بخلق مرجعيات وتراتبية اجتماعية مقدسية جديدة متحللة من كل الضوابط والثوابت الوطنية ... الخوهذا يستدعي من الحركة الوطنية المقدسية،أن تعمل بشكل جدي على إعادة بناء الأداة الوطنية الموحدة في المدينة،وبما يضمن مشاركة شعبية ومؤسساتية مقدسية واسعة في القرارات المتعلقة بالشأن المقدسي،وعلى أن تنظم وتبني أطرها ولجانها في كل حارة وبلدة لكي تقف وتطل على هموم الناس وقضاياهم ومشاكلهم،وتعمل على إيجاد حلول لها من خلال شبكة علاقاتها وكذلك الضغط على صناع القرار الفلسطيني سواء في منظمة التحرير أو السلطة الفلسطينية دون الدخول في مناكفات أو مزايدات أو صراعات مع المرجعيات القائمة فالمرجعية التي تثبت هي التي تمارس فعلها وجهدها على الأرض وفي الميدان،والعمل في القدس بحاجة الى كل الجهود والطاقات،والتي يجب أن تكون في الإطار التكاملي.

ومن هنا أرى في ظل ما تتعرض له القدس من حرب شاملة تشن عليها في كل المجالات والميادين وعلى كافة الصعد،وفي ظل ما نراه من أعمال ومحاولات يقوم بها البعض للعبث بوحدة المقدسيين ونسيجهم المجتمعي،ضرورة أن يتم العمل على إعادة بناء هذه الأداة الوطنية الموحدة كرافعة للعمل والمقاومة والصمود في المدينة.

 

القدس – فلسطين

2012-08-31