الجمعة 29/9/1441 هـ الموافق 22/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
تركيا والسعودية... قانون جستا السياسات والمواقف...خالد كمال هنية

*تقدير موقف*

أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية، قرار بتفعيل قانون جستا بحق المملكة العربية السعودية، والذي يستهدف بشكل مباشر الأصول السعودية الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية، والبالغ قيمتها ما يعادل (750مليار دولار أمريكي). وهذا القانون لا يقاضي المملكة من قبل الولايات المتحدة كنظام، إنما من قبل ضحايا أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي تعتبر المملكة من الدول التي شاركت منها مجموعات في تلك الهجمات.

يأتي تفعيل هذا القانون في الوقت الحالي، لأهداف عدة ومنها محاربة المملكة العربية السعودية لتجريدها اقتصاديا بهدف إضعاف مركزها ومكانتها، وذلك وفق خطة تنتهجها الولايات المتحدة في تقسيم المنطقة، عبر وكلائها في الشرق الأوسط، وتعزيز هيمنة إيران وتقدمها بما يخدم المصالح الأمريكية بامتياز، والتي تعتبر المملكة جزءَ لا يتجزأ من مشروع التقسيم، والذي تقاطع مع الطموح الإيراني فيما يسمي (بتصدير الثورة) فالمملكة أيضاَ جزء من هذا الطموح الإيراني.

فعمدت الأخيرة للتدرج مع المملكة في تحقيق انهيارها اقتصادياَ، كونه العمود الفقري لنفوذها وقوتها، من خلال خفض أسعار النفط، بالدرجة الأولي في إطار شرائه من السوق السوداء وعبر مراكز سيطرة تنظيم (داعش)، الذي يبيع النفط بأسعار مغرية أثرت على العائدات النفطية لغير صالح المملكة، والتي كانت الأخيرة أيضا تتحمل جزء من ذلك في إطار محاربة إيران المصدرة للنفط أيضاَ، إلا أن الأمر لم يستمر طويلاَ وأصبح مركزاَ رئيساَ في إضعاف المملكة اقتصاديا.

وذلك بالتوازي مع محاولة ضخ الزيت الصخري الأمريكي والذي يعد منافساَ للنفط أيضاَ، وهو الأمر الذي شجع الولايات المتحدة بركل المملكة والضغط عليها، بعد ظهور حلفاء جدد ذات أهمية منافسة للمملكة وهي الجمهورية الإيرانية، والتي تعد على صراع عقدي وطائفي معها.

 

هنا: يأتي دور مركزية هامة في الإقليم المهترئ، وهي تركيا الدولة المنافسة لإيران، المتوافقة على الأقل أيديولوجيا مع المملكة، وتتقاطع معها في بعض المساحات من أهمها الملف السوري والذي يرفض كلهما بقاء بشار الأسد في الساحة السياسية لسوريا، وأيضا أهمية العراق بعد أن نخرها التمدد الشيعي والهيمنة الأمريكية عليها اقتصادياَ وجيبولتيكياَ، علاوة على ذلك الرغبة التركية في توطيد علاقاتها مع المملكة لأهميتها الاقتصادية والدينية، والحرص الدائم من قبل تركيا الجديدة من أجل بقاء الشرق الأوسط متماسكاَ.

وفي إطار هذا القانون جاء الموقف التركي، متضامناَ مع المملكة وواقفاَ إلى جانبها كما في كل المواقف التاريخية بين البلدين، رغم الحديث هنا وهناك عن أن المملكة كانت من الدول المتورطة في (الانقلاب التركي)، وأوعز أردوغان لمفاصل الدولة المختصة في هذا الإطار بالوقوف إلى جانب المملكة باستدعاء جهابذة القانون، المختصين بهذا الشأن لوقف الولايات المتحدة عن تطبيق هذا القانون أو استخدامه ضدها، وفق مبدأ التعامل بالمثل وفق قواعد العمل الدبلوماسي.

وكما هو معرف حق الدولة باللجوء إلي دولة أخي كوسيط، ومحامي عن هذه الدولة، أمام المحاكم الدولية أو المحلية لتلك الدولة، وهذا ما حملته تركيا على عاتقها في إطار مراهنة الكثير، على فتور العلاقات التركية السعودية، في الفترة الأخيرة. فبعد إصدار القرار بأيام زار الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز الجمهورية التركية، لبحث العلاقات الثنائية بين البلدين، فتطرق أردوغان لقانون جسيتا وأعلن موقف بلاده بدعمها.

  • وفي هذا الإطار من الموقف التركي تجاه المملكة فإنه يظهر الآتي:

أولاَ: إن هذا القانون إذ يستهدف المملكة العربية السعودية فإنه يستهدف المنطقة ككل، نظراَ لأنه يأتي في سياق واقع مهترئ للإقليم، في ظل انشغال البلدان في أزماتها الداخلية المصطنعة، والمملكة واستقرارها من أهم عوامل ثبات الإقليم نظراَ لأنها مستهدفة أيضاَ من منافسها السياسي والديني، (إيران).

ثانياَ: إن اهتمام تركيا بالوقوف إلى جانب المملكة، يدخل في عدة أمور من أهمها حرص تركيا على المحافظة على القوي المركزية في المنطقة ذات البعد الإيديولوجي المتقارب، وكذلك مدي أهمية المملكة في العقل التركي، الرغبة التركية في تحقق أكبر قدر ممكن من التوافق والتجاذب بينها وبين المملكة، حتى تبق ضمن محورها، وتقاسم الأدوار الإيجابية في المنطقة.

ثالثاَ: يدخل هذا الأمر في إطار الندية التركية للولايات المتحدة، والتي ازدادت وتيرتها عقب (الانقلاب التركي)، والتي ترغب تركيا بالقفز على قرارات وهيمنة الولايات المتحدة وإدانتها، لمحاولة إضعاف مركزها في المنطقة، بما يحقق دور أكبر لتركيا في الحضور في المنطقة.

رابعاَ: الرغبة التركية بنيل عضوية في (مجلس الأمن الدولي)، وارتباط هذا القانون كونه بديل عن حق النقض الفيتو ضد الدول، على الصعيد المحلي للولايات المتحدة، يجعل الباب مفتوحاَ للمناورة الدبلوماسية التركية، لتحقيق نقاط هامة لصالحها، في هيئة الأمم المتحدة في هذا الإطار.

خامساَ: الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة، ووقف هيمنتها ومنافستها وتعاظمها، وإحراز نقاط تقارب لصالح تركيا في إطار التهديدات من حولها لا سيما الملف السوري والعراقي، والتي تتشارك كل من تركيا والمملكة في حدودها الجغرافية.

وفي النهاية يبقي الموضوع حبيس المراهنات، والجهود المبذولة لتحقيق نتائج إيجابية، في هذا الإطار، ورغم كل هذا فإن المملكة أمام خسائر حقيقية من هذا القانون سواء تم وقفه او لا، وذلك من خلال المبالغ التي ستنفق على المحامين والمرفعين الدوليين الذين ستكلفهم المملكة، للمرافعة والدفاع وستتحمل نفقاتهم كاملة، بالإضافة إلى عوامل أخري.

خالد كمال هنية ........ باحث في العلاقات الدولية

2016-10-06