الثلاثاء 5/6/1442 هـ الموافق 19/01/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
جدتي القاسية...مجد مالك خضر

جدتي القاسية

(1)
منذُ سنواتٍ طويلةٍ جدًا سافر أبي للعمل في الخارج، وذهبتُ مع أمي إلى الريف للعيش في منزل جدتيّ طيلتْ أيام العطلة الصيفيّة... الحياةُ في الريف تختلفُ كثيرًا عن الحياة في المدينة؛ إذ فقدتُ الكثير من الأشياء، وأهمها أصدقائي، وألعابيّ ... أصبحتُ مُرغمًا على التأقلمِ مع الحياة الريفيّة، دون القُدرةِ على الخروج خارج حدود منزل جدتيّ الريفي، وكان يجبُ أن أكونَ كبيرًا مثل الكبار في المنزل، وأساعدهم في المهام اليوميّة في الحقل.

جدتيّ قاسية جدًا لا أذكرُ الكثير من الأيام التي كانت حانيّةً بها، لم تكن إلا مُتسلطة، ومُتعجرفة، وتفرضُ رأيها على غيرها، والموافقة على كلامها فرضٌ دائم، وفرضتْ سيطرتها عليّ منذُ اليوم الأول لوصوليّ إلى منزلها ... كنتُ أحصلُ في كل صباح على بيضةٍ مسلوقةٍ كوجبة فطورٍ لي، مُقابل عمليّ مع جدتيّ وجدي في الحقل، وفي بعض الأحيان أخرج مع أمي وجدتيّ إلى السوق، وأحصلُ من هذه الرحلة القصيرة على بعضِ الهدايا البسيطة، والحلويات، والسكاكر وكل ذلك مقابل عمليّ مع جدتي وخضوعي لأوامرها الصارمة جدًا.

تمتلكُ جدتيّ في منزلها خزانة مليئة بالتُحف القديمة، وأكثر ما كان يعجبني بين هذه التحف عصفورٌ خشبيٌ، عند النظر المطول له تشعرُ كأنك تنظرُ إلى عصفورٍ حقيقيّ، وفي يومٍ من الأيام قررتُ عقد صفقةٍ مع جدتيّ، تشملُ على عدمِ حصولي على أي مكافآت حتى البيضة المسلوقة فطوري في الصباح، مقابل أن أحصلَ على العصفور ... وافقتْ جدتيّ على مضض ولكنها لم تكن مُقتنعة، لذلك أخبرتني بأنني سأحصلُ عليه عند عودتيّ لمنزلي في المدينة.

ظلّتْ صورةُ العصفور تسكنُ مخيلتيّ في كل يوم، ولكن كنتُ متأكدًا أن جدتيّ في النهاية لن تمنحه لي، فقد توقفتْ كلُ مكافآتها، ولم تبقَ إلا البيضة المسلوقة التي تقدمها لي حتى أستمر في العمل معها، ومع جدي الذي كان يخافها أيضًا ولا يرفضُ لها أي طلب...


(2)
بعد تفكيرٍ طويل لم أجد إلا فكرة واحدة وهي سرقة العصفور ... أعلمُ أن السرقةَ حرام ولا تجوز ... لكن مضيتُ في خطتيّ للاستحواذ على العصفور لي وحديّ، وجاء يوم التنفيذ في الصباح عند انشغال الجميع في الحقل، عُدتُ للمنزل بحُجةِ الذهاب للمرحاض، وذهبتُ مسرعًا لغرفة جدتيّ ... وقفتُ على كرسيّ موجودٍ بجانب خزانة التحف، وفتحتُ النافذة المطلة على الغُرفة، ومن ثم أخذتُ العصفور الخشبي، وكانت هذه المرة الأولى التي ألمسه فيها بيدي، والتي أسرقُ فيها بحياتي ... كان العصفور جميلًا جدًا، ولكن ضميريّ أنبنيّ، وخوفي انتشر في أنحاءِ جسميّ.

أكملتُ ما تبقى من خطتيّ وأخفيتُ العصفور في حقيبةِ ثيابي التي أصبحت كبيرةً جدًا؛ بسبب الهدايا الموجودة داخلها، ولكن كنتُ لا أتردد بتبديلها جميعًا مقابل الحصول على العصفور، الذي أصبح مُستقرًا بينها، ومن ثم هرولتُ خارج المنزل وصرتُ أصرخُ بصوتٍ مرتفع، وأقول بخوفٍ مصطنع القط دخل من النافذة، وهاجمني، وأخذ العصفور الخشبي... ركض الجميعُ نحوي نظرتْ جدتي لي نظرة ازدراء، وقالت كلمة واحدة فقط (غبي).

بعد معاينة جدتيّ للمكان وشبه التأكد من صحة روايتيّ، لم تترك شتيمةً إلا وقذفتها بوجهي؛ فكنتُ بنظرها صاحب المسؤوليّة الكبرى؛ لأني لم أمنع القط من سرقة العصفور الخشبي، ويومها حُرمَ الجميع من طعام العشاء، وأجبرتنا جدتيّ على النوم باكرًا.

في يومٍ من الأيام اجتمعنا معًا في غرفة الضيوف، وقررتْ أمي أن تُرتبَ الحقائب الخاصة بنا، وقالت جدتي: إن حقيبتيّ آتت صغيرة، وستغادرُ كبيرة وكل هذا بفضلها وحدها ... حاولتُ منع أمي من ترتيب حقيبتي، وقلتُ لها بأني سوف أرتبها لاحقًا، مع إصراري الشديد وافقتْ أمي، ولكن جدتيّ قالتْ ولِمَّ لاحقًا؟ الآن سأرتبها، وأخذتْ الحقيبة وبدأتْ برمي محتوياتها وبعثرتها، وكأنها كانت تعلمُ مسبقًا بوجود العصفور الخشبي بينها.

كانت المفاجأة عندما رأت العصفور مستقرًا بين ملابسي، والهدايا البسيطة التي حصلتُ عليها سابقًا ... تغير لون وجه جدتي وأصبح أحمرًا جافًا، وصفعتني على وجهي صفعة دوى صوتها القوي في المكان، وبدء سيلُ الشتائم والضرب يستقرُ على كل مكانٍ من جسمي ... توسلتُ منها التوقف وأن تأخذَ كل شيء وتسامحني، وكانت تقول لي: يا لص، يا حرامي، يا سارق، وقالت لأمي أنتِ لم تربيه هذه تربيةُ زوجك السارق مثله، وانتقل غضبها لأمي التي صارت تضربني وتكيلُ عليّ الشتائم، حتى جدي أصبح يقول لي: نظراتك نظرات لص ... وما زالت هذه الجُملة تنخرُ رأسي إلى اليوم.

 

(3)
حبستني جدتيّ في مخزنِ المنزل، وألقت حقيبتيّ فوقي وثيابي معها، وأخذت كل شيءٍ مني وقالت لي: عقابًا لكَ ستنامُ في المخزنِ لمدةِ أسبوع كامل ... كان المخزنُ باردًا، ومليئًا بالحشرات، والأغراض القديمة، وحصيرةٍ من القش ووسادةٍ بالية، ولا يحتوي إلا على فتحة تهوية في أسفل بابه ... كانت جدتي في كل يوم تقفُ على باب المخزن بعد أن تحولَ لسجني، وأصبحتْ هي سجانيّ ... تقدمُ لي في الصباح فطورًا من الخبز والجبنة البيضاء، وأحيانًا تضيفُ له القليل من الزيتون، أما في وقت العصر كنتُ أحصلُ على طبقٍ من الحساء الفاتر القريب للبرودة مع غيابٍ تام لوجبة العشاء.

في كُلِ مرةٍ تأتيّ جدتيّ إلى سجني (المخزن) تكيل عليّ شتى أنواع الشتائم، وتشتمُ أبيّ بأغربِ الأوصاف ... أمي لم تقم بزيارتي طيلة فترة وجودي في ذلك السجن، وكنتُ متأكدًا أن جدتي منعتها من رؤيتيّ، وكان جدي كلّما اقترب من باب المخزن، أو دخل إليه للحصول على شيءٍ ما يقولُ لي جُملته المعتادة: نظراتك نظرات لص.

انتهتْ فترة حبسي من أجل الاستعداد للعودةِ إلى منزلي في المدينة، مع أمي التي شحنتها جدتيّ عليّ لتأخذ دورها لاحقًا ... في يوم مغادرتنا لمنزل جدتيّ لم أودعها؛ فبعد خروجي من سجنها قاطعتني ولم تتحدث معي مطلقًا، وودعني جدي بجُملته المعتادة تلك مع ابتسامةٍ فاترة، وطلب مني عدم العودة عندهم مرة أخرى.

مضتْ السنوات وتلك الذكرى وما تبعها من ذكريات قاسية مع جدتي لم تغادر ذاكرتي إلى الآن، حتى جاء ذلك اليوم الذي اتصل فيه جدي بنا ليقول: أن جدتي قد وقعتْ على الأرض مما أدى إلى إصابتها برأسها وشللها جُزئيًا، ولم تعد قادرةً على الكلام ... ذهبنا بسرعةٍ إلى منزل جدتيّ ... كنتُ لأول مرةٍ أرى الضعف يحوم حولها، وأرى الاستسلام يسكنُ جسمها.

بعد خروج الجميع من غرفتها عُدتُ لها دون أن يراني أحد منهم، وعندما اقتربتُ من جدتيّ رأيتُ ذلك الضعف يسكنها بوضوح، ابتسمتُ داخليًا فكان خوفيّ منها ما زال مسيطرًا عليّ، ولكن بعد تأكدي من عدمِ قدرتها على الكلام، ظهرتْ ابتسامتيّ على شفتيّ ... كانت تنظرُ لي بنظراتٍ متوسلة وتحاولُ قول شيءٍ ما، ولكنها لم تستطع فالصمتُ كان مطبقًا على قوتها وصوتها.

التفتُ نحو خزانة التحف ورأيتُ العصفور الخشبي في مكانه، أخذتُهُ وعُدتُ لها وقربتُهُ من وجهها وأنا أشدُّ عليه بقوةٍ ... كاد أن يتكسرَ بين يدي لو شددتُ عليه أكثر ... كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها الخوف في عيونها، حتى أنيّ تخيلتُ إنها ترتجفُ خوفًا في تلك اللحظة ... وضعتُ العصفور بجانبها وقلت لها: قد أغفرُ لكِ كل ذكرياتكِ القاسيّة معي، ولكن الطفل الذي بداخلي ما زال يشعرُ بالألم ... وكانت تلك المرة الأخيرة التي أرى فيها جدتي ... بعد شهور من مرضها توفيت...ولم أُشارك في عزائها ... وعندما سُألتُ عن سبب عدم مُشاركتي، وعدم بكائي عليها قلتُ ببساطة أنا قاسٍ جدًا .. كما جدتيّ القاسية. 

2016-10-17