الجمعة 1/11/1442 هـ الموافق 11/06/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
عندما طلبت أمي برتقالا...مجد مالك خضر

 كانت الحالة الصحيّة لوالدتيّ قد تراجعت كثيرًا في الفترة الأخيرة؛ وباتت زيارتنا للطبيب تتكرر بشكل مستمر؛ وفي كل مرة يطلب منا الصبر والالتزام بالدواء؛ فهو الحلّ الوحيد للتخفيف من أعباء مرض السكريّ، والذي ازداد تأثيره السيء عليها، فقد أصابها الضعف العام، وقلّ وزنها تدريجيّا... حتى عيناها قد بدء بريقهما يختفي، فبصرها ضعف كثيرًا فلمّ تعدّ قادرة إلا على رؤية صور ضبابيّة محيطة بها، وأدى ذلك إلى إصابتها بألم شديدٍ في الرأس، لازمها لوقت طويل...

تشاركتُ مع أختي العناية في والدتيّ بشكل أسبوعيّ، لكلٍّ منا أسبوعٌ يأتي فيه لزيارتها والسكن في منزلها... فبعد رحيل والدي منذ سنوات طويلة أصبحت تعيش وحدها، بين جدران منزلها ومنزل طفولتنا التي لم يبقَ منها إلا الذكريات... التي نرويّ بعضًا منها لأطفالنا في ليالي الشتاء الصامتة.

في أحد الأيام الشتويّة من شهر شباط، والذي لم تتوقف فيه الأمطار عن الهطول... كان ألم الرأس في ذلك الوقت قد اشتد على والدتيّ، وحاولتْ التخلص منه بأيّ طريقة... لم يعدّ الدواء قادرًا على التخفيف من وقعه... وكانت قد تقدمت في العمر بشكل متسارع.

أخذتُ والدتيّ ليلتها إلى المستشفى؛ حيث قرر الطبيب أنه من الضروري بقاؤها فيه لفترة من الوقت، من أجل متابعتها بشكل مكثف، والتأكد من سلامة حالتها الصحيّة... بدء الشتاء يلملمُ أوراقه مع شهر آذار، ولكن ألم والدتيّ لم يهدأ.. وظلّت في المستشفى كل هذه الفترة ... فعندما يأتي ضوء الأمل ليشع في القُرب منا، تعود حالتها الصحيّة للتدهور مجددًا؛ وخصوصًا بعد أن أصبحت تتواصل معنا بالصوت فقط، وتتذكر طفولتنا في صفحات العمر المنسيّة.

في ليلةٍ من الليالي التي كنت مُستلقٍ فيها، على سريرٍ بجوار سرير والدتيّ... استيقظت من نومها فجأة، ونادت اسميّ ... كانت ابتسامتها جميلة آنذاك حتى إنّ المرضَ كأنه قد اختفى من جسمها، سألتها إذا تريد شيئًا ما... فأخبرتنيّ أنها تتمنى أن تأكل برتقالا... كانت الساعة تقارب العاشرة مساءً، ولكني قلتُ لها سوف أذهب فورًا لشراء البرتقال ... فقالت لي: سأنتظرك...

غادرتُ المستشفى لا أعلم أين سأذهب، ومن أين سأحصل على البرتقال؟... ولكني صممت الحصول عليه، مهما استغرقني ذلك من وقت وجهد... ولكن دون جدوى لا محالات خضار في هذا الوقت المتأخر... في خضم بحثي وجدتُ أحد محلات الخضار الذي كان صاحبه يزود مخازنه في حمولة من الفواكه والخضراوات... ركضتُ في تجاهه وشرحتُ له قصتيّ... أخبرني أنه حصل على بعضٍ من البرتقال المستورد، وسيعطيني القليل من الحبات كهديةٍ لوالدتيّ شكرته كثيرًا على لطفه... وعدتُ مسرعًا إلى المستشفى.

اقتربت الساعة من منتصف الليل... عندما وصلتُ إلى غرفة والدتيّ.. كانت ممرضة تقف إلى جانبها وتبكيّ.. سألتها ماذا حدث؟.. اختلطتْ دموعها بكلماتها، وقالت ليّ توفيت والدتك... وسألتْ عنكَ منذُ دقائق... ولكن لم تكن موجودًا... عندها سقطت حبات البرتقال من بين يديّ، وحضنتُ يد أميّ وبدأت في البكاء، وقلتُ لها: يا والدتي أرجوكِ انتظريّ قليلاً فقد أحضرتُ لكِ البرتقال.


مجد مالك خضر

2016-12-10