الخميس 6/2/1442 هـ الموافق 24/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
رائحة المكان وأنامل الزمان/ محمد علي طه

ربط والدي، رحمه الله، منذ طفولتي، علاقتي بالمكان وأسمائه بوثاق حريري منسوج بحروف حب المكان وحب الحياة.
  كان بيتنا القروي الصغير الدافئ الجميل يقع في أقصى الحارة الجنوبية لقريتنا ميعار ولا بيت بعده من تلك الناحية. وكان يطلّ على قمم جبال الجليل الأسفل والجليل الغربي الخضراء وعلى السفوح المكسوة بأشجار السنديان والعبهر والسرّيس والخرّوب كما يطلّ على واد سحيق يمنحه النهار جمالاً خلابًا ويهبه المساء رهبة.
  عندما كان والدي يمسك راحتي ويوجهني إلى الغرب كنت أرى الكرمل، أنف الغزال الجميل ومدينة حيفا التي زرتها لأول مرة وأنا شاب في الثامنة عشرة من عمري وتعلّق قلبي بها. وكنت أشاهد رأس الناقورة والبحر الأزرق والسهل الساحلي الأخضر وكنت أحيانًا أقف مع والدي ومع الجيران في ساعات الأصيل في أيام فصل الشتاء ونصغي لتلاطم الأمواج في كهوف رأس الناقورة، نسمعها من مسافة بعيدة، وعندئذ يحدد الراصد الجويّ لبلدتنا أنّ الليلة عاصفة بإذن الله تعالى.
  كان والدي يصحبني في أيام فصل الربيع المشمسة الدافئة إلى أرضنا الواسعة المسماة "وادي الشيخ علي" على اسم جد أبي الشيخ الضرير حافظ القرآن ومرجع القرية في الفتاوى والأمور الدينية. يردفني على الحمار أحيانًا وعلى الفرس أحيانًا أخرى أو نسير راجلين في طريق ترابي بين الأعشاب الخضراء والأزهار الجميلة التي لثمها الندى. نمشي ويعلمني أبي الأسماء مثلما علمها الله تعالى آدم. يعلمني اسم كل نبتة واسم كل شجرة واسم كل زهرة. هذا البلان وهذا القندول وهذا السريس وهذا الشومر وهذا العلت وهذه الخبيزة وهذا اللوف وهذا المرّار وهذه القرصعنة وهذا الخرفيش وهذه لفة سيدي وهذا النرجس وذلك الاقحوان.
  نشاهد حقل القمح الأخضر ونقطف أغصان الميرمية والزوفا ولا ينسي في مشوار العودة أن يعرج على نبعة الزرزروق لنغسل أيدينا ونرطب وجهينا ورأسينا بمائها البارد ونشرب منه حتى الارتواء.
   كان يأخذني في فصل الصيف إلى السهل الساحلي حيث مقاثي البطيخ والشمام وحقول السمسم والذرة البيضاء، وفي ذهابنا وإيابنا كان يعرّج على بير الصفا لنشرب ونبترد ونسقي الدابة. كنت معجبًا بهذه البئر. تجتمع حولها الرعاة وقطعان الماعز والغنم والبقر والابل ويردها الفلاحون الذاهبون إلى الساحل أو العائدون منه. كنت معجبًا بالاسم. بير الصفا. نبع الصفا. وكنت أصعد عدة درجات حتى أصل إلى خرزة البئر وأجلس بجانب السقاء عوض على مقعد حجري أملس وأحدق في ظلام البئر العميقة وفي الدلاء التي تصعد ملأى بالماء الزلال وتعود إليها فارغة، كما كنت أحدق بقدمي عوض الطويلتين الحافيتين السمراوين اللتين تحركان بَكَرَة الدلاء.
  سرقت النكبة طفولتي وألعابي وبيتي وأترابي وأصحابي وحوّلتنا إلى عائلة فقيرة.
  بقي حبي للطبيعة صامدًا أمام النكبة. كنت في يومي الجمعة والسبت من كل اسبوع أرافق أترابي في رحلة صيد العصافير فنجوب الوديان والسفوح والحقول نركض وراء عصفور صغير لنصيده. عرفنا مواقع الأرض وأسماءها ونباتاتها وأشجارها وصخورها وعيونها. عرفت أزهار ونباتات كل موسم وطيور كل فصل من فصول السنة.
  كانت القرية: فلاحوها ورجالها ونساؤها وأطفالها ومواشيها وحقولها وزرعها وأزقتها ودواوينها وهواؤها وخبزها وقهوتها ولغتها وأمثالها وصمود الناس في معركة بقائهم في الوطن والأرض متحدّين السلطات من الحاكم العسكري إلى المختار، ممثل السلطة، هي عالم قصصي في مجموعاتي الأوائل وبخاصة في قصص "اللجنة" و"المعركة" و"المنغرسون في الأرض" و"عناقيد العنب" و"الاستثناء والقاعدة" و"وردة لعيني حفيظة" وغيرهنّ.
  تعمّدت أن أذكر في قصصي أسماء النباتات والأشجار في حقولنا وأراضينا وهضابنا وأوديتنا وجبالنا كما تعمّدت تدوين أسماء الأماكن العربية الفلسطينية. كنت أرى يوميًا عبرنة وصهينة وأسرلة المكان. كان عليّ أن أحمي عروبة المكان وفلسطينيته. هذا الجدول اسمه نهر المقطع وليس الكيشون وهذا اسمه نهر العوجة وليس اليركون وهذه جبال الروحة وليس رمات منشه وهذا الجرمق وليس ميرون وهذه الجاعونة وليست روش بينة وهذه الخالصة وليست كريات شمونة وهذه البروة وليست أحيهود وهذه ميعار وليست ياعد. هذه الأرض اسمها البص ومراح الغزلان وأم السحالي وبرّاد وراس البير والهروبّة وراس الزيتون وبير الصفا والقسطل والملّ ومرج ابن عامر ووادي الحوارث والبطوف.
  لأنني ابن قرية مهجرة لم يبق منها سوى أطلالها ومقبرتها وشجيرات صبّار وزيتونات تعلّق قلبي بالقرى المهجرة. وجدت قريتي ميعار في أطلال الطنطورة وفي أطلال الزيب حيث أحب أن أسبح. كلما زرت الزيب مستجمًا وجدت ميعار هناك وتذكرت طفولتي وأترابي. كتبت قصّتين عن قرية الزيب: القصة الأولى اسمها "العاديات" حيث روت لي العاديات الباقية في الزيب في المتحف الذي أقامه ايلي أفيفي قصصها وقصص أصحابها وأما القصة الثانية فاسمها "رسالة الزيب في الأمر الغريب".
  في احدى زياراتي للزيب رافقتني باحثة جامعية فلسطينية تقيم في لندن. تجوّلنا في المكان ووصلنا إلى مدخل بيت عطايا، مختار القرية، البيت الوحيد الباقي هناك، فوجدنا السيّد ايلي أفيفي يقف عند المدخل. عرض عليّ باللغة العبرية أن يؤجرني غرفة نوم عطايا وسريره مقابل مبلغ مالي زهيد. سألتني ضيفتي عما يقوله الرجل عن عطايا فأجبتها بأنه يشرح عن بيته ولم أقل لها الحقيقة. لقد حوّلوا بيت عطايا وديوانه وغرفة نومه إلى مبغى.
  كم تتحمل من اساءات أيها الوطن!!
  مدينة عكا هي المدينة الأولى التي زرتها في العام 1947 وشربت من سبيل الطاسات واشتريت كعكبانًا بقرش كما اشتريت قلمًا ملونًا وطابة. ما زلت أذكر تلك الزيارة وسفري لأول مرة في الباص من ميعار إلى عكا ذهابًا وإيابًا. استوحيت من عكا عدة قصص مثل قصة "ليرة ولوحتان" ومسرحيتي "فساتين" التي تحدّثت فيها عن فتاة عكاوية انضمت إلى المقاومة ثم عادت إلى عكا بعد صفقة تبادل أسرى تبحث عن فستان طرزته لها أمها ليوم عرسها فتلتقي برجل تعرفه يمشي في السوق وينادي "ع النظيف، يا عيني ع النظيف، أنا بيّاع النظيف" فتبحث معه عن الفستان.
  عملت في حيفا مدرسًا في الكلية الأرثوذكسية العربية خمسة وعشرين عامًا وعرفتها جيدًا وأحببتها كثيرًا. عرفت وادي النسناس ووادي الصليب والحليصة ووادي الجمال وشارع أللنبي وشارع الخوري وشارع قيسارية وشارع الحريري وشارع الجبل وشارع يافا وشارع الملوك وشارع الكرمة وشارع عباس وشارع المتنبي والألمانية والمحطة وأدراج المدينة وأزقتها.
  تجري أحداث قصتي "حكاية إبريق الزيت" في حيفا ويصر البطل أن ساحة باريس اسمها ساحة الحناطير مع أنّه، والله العظيم، لم بر في حياته حنطورًا فيها كما يصر على أنّ مفرق تشيكبوست هو مفرق السعادة.
  في قصة "خارطة جديدة لوادي النسناس" التي كتبتها بعد لقائي في هافانا في صيف العام 1977 مع الشاعر أحمد دحبور ابن وادي النسناس الذي غادره مع أهله طفلاً صغيرًا ويعيش في سوريا. كان أحمد دحبور يسألني يوميًا عن وادي النسناس، أنا الذي أزور الوادي في معظم أيام الأسبوع حيث تقع مكاتب جريدة "الاتحاد". قمت بدراسة ميدانية عن الوادي قبل النكبة، عن أهل الوادي وعن البيوت والمتاجر والأفران، وعن حيفا وشواطئها وسهلها، عن شاطئ أبو نصور الذي صار اسمه هحوف هشاكيط وعن مستشفى حمزة الذي صار اسمه مستشفى رامبام وعن منطقة الموارس التي صار اسمها كريات العيزير وعن وعن وهذا ما برز في قصتي التي أشار النقاد إليها معجبين بأسلوبها وبالرؤيا التي تحملها.
  في قصتي "مشوار الأصيل" التي مثلتني في أنتلوجيا القصة العربية التي صدرت باللغة الانجليزية في أمريكا يسير الرجل المتقاعد يوميًا من شارع عباس إلى شارع الجبل الذي صار اسمه شارع الأمم المتحدة فلمًا زعلت إسرائيل من الأمم المتحدة أسمته شارع هتسيونوت أي الصهيونية ثم يسير إلى الهدار ويصل إلى شارع الأنبياء. هناك قصص عديدة لي تدور أحداثها في حيفا. عندما خرجت من القرية، من كاتب القرية، كانت حيفا هي المدينة التي احتضنتني. قصصي الحيفاوية وهي كثيرة تدور أحداثها في شارع عبّاس وشارع المتنبي وشارع المطران حجّار ووادي الجمال ووادي النسناس وشارع الحريري والحليصة وفي البلدة القديمة. وجدت نفسي في هذه الأماكن التي حافظت على عروبتها وعلى فلسطينيتها. رائحة المكان في هذه الأماكن تختلف عن رائحة المكان في أحياء الكرمل، في دينيا وأحوزا وجبعات الموجي وجبعات جولدا. الهواء يختلف. النبات يختلف. هنا الياسمين البلدي والنعنع والميرمية والزعتر. اللغة تختلف. راديو المقهى يختلف. هنا رائحة الخبز في الأفران ورائحة الفلافل والحمص والفول وليس رائحة الجبنة البلغارية المعفّنة ورائحة سمك الفسيخ المسمى داغ ملوّح. هنا رائحة القهوة البلدية وليس رائحة الاسبريسو.
  وأما المدينة الثالثة التي كتبت عنها فهي القدس. كتبت قصة "الخط الوهمي" قبل العام 1967 وكانت أول قصة تنشر لي في مجلة "الآداب" البيروتية وأما بعد احتلال القدس في حزيران فكتبت قصة "وصادروا الفرح في مدينتي" التي بطلها الشيخ نصر الدين المعروف بجحا الذي يزور المدينة المحتلة ويسير على قدميه من شارع صلاح الدين إلى باب العمود ثم يمشي في السوق العتيقة، ثم كتبت قصة "سورة زهرة المدائن" التي تغنيت بها بالقدس عروس الوطن وأم القضية.
  كتبت عدة قصص تدور أحداثها في الناصرة وشفاعمرو وطبريا وقد دهشت حينما اكتشفت أن معظم قصصي النصراوية يعيش أبطالها في حي الصفافرة ما عدا قصة واحدة تدور أحداثها في منطقة العين. هناك أكثر من قصة تدور أحداثها في المدن المحتلة مثل نابلس "قصة الساعة" ورام الله قصة "ندى" وقصة "ديمة والحسون" وبيت لحم والخليل وجنين وغزة.
  المخيم الفلسطيني مكان هام في قصصي فالمخيم هو عنوان ملايين الفلسطينيين في لبنان وسوريا والأردن والضفة الغربية وقطاع غزة. سكان المخيمات هو وقود الانتفاضات والمظاهرات. هم أساس مقاومة الاحتلال ومقاومة الظلم والجوع والمرض. زرت مخيمات عديدة. زرت مخيم بلاطه ومخيم عسكر ومخيم عين بيت الما في نابلس وزرت مخيم الأمعري ومخيم قلنديا ومخيم الجلزون في رام الله وزرت مخيم الدهيشة في بيت لحم وزرت مخيم جنين ومخيم جباليا في قطاع غزة وزرت مخيم الوحدات في عمان ومخيم اليرموك في دمشق. عندما تضع قدميك في الخطوة الأولى من الزقاق الأول للمخيم تكتشف عالمًا آخر. تنتقل من عالم إلى عالم. تلتقي مع الفقر ومع البؤس ومع الغضب. تلتقي مع الصمود. صمود الناس في وجه قسوة الحياة. صمود الناس في وجه سفالة العالم ولا أخلاقه.
   هزّتني حرب تل الزعتر في صيف 1976 حينما حاصرت هذا المخيم ميليشيات الكتائب اللبنانية وداهمته الدبابات السورية البعثية وجنود الرئيس حافظ الأسد، الرئيس الذي كان شعاره: أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة. وحدة حرية اشتراكية. كتبت يومئذ قصتي "عائد الميعاري يبيع المناقيش في تل الزعتر". اخترت الاسم عائد لبطل القصة لما فيه من ايحاء وموقف فكري وسياسي واخترت البطل صبيا لإيماني بالمستقبل وكنّيته ميعاريًا.
  قريتي ميعار مشهورة بزعترها وهذه النبتة منتشرة بكثرة في السفوح والهضاب والأودية، والفولكلور الفلسطيني يحفظ أكثر من طرفة عن ذلك. الفلاح الميعاري الذي وصل إلى مدينة عكا وسمع بائعًا ينادي "فطور العافية صحة للنظر" فتذكر جوعه ومعدته الخالية فتقدم من البائع وطلب وجبة فطور فناوله رغيفًا مع الزعتر فقال الفلاح مستغربًا: اذا كان هذا فطور العافية صحة للنظر فمعناه أن حمير بلدتنا ترى كنوز الأرض.
  ولا أنسى عندما كنّا في السنة الأولى التي أعقبت النكبة نسكن في بلدة سخنين في غرفة استأجرها والدي وكان فطورنا الخبز وزيت الزيتون والزعتر والشاي. وحدث أن كان جارنا السخنيني موجودًا عندنا وقت الفطور فألحّ عليه والدي أن يمالحنا وما أن أكل اللقمة الأولى حتى أبدى اعجابه بزعترنا وسأل من أين لكم هذا الزعتر؟ فأجابه أبي: قطفناه من أرض ميعار وجففناه ثم أعدته أم العيال. فقال: وزعترنا قطفناه من ميعار ولكن هذا الزعتر فيه حموضة زاكية وشهية ولا توجد في زعترنا. ومن المعروف أن هذه الحموضة هي ثمرة السمّاق الذي أضافته أمي إلى الزعتر. قال أبي: هناك مواقع مختلفة. مواقع زعترها حامض ومواقع زعترها لفّاني ومواقع زعترها حلو. فقال جارنا: حينما تقطفون الزعتر في الربيع القادم أرجو أن تدلّوا زوجتي على الموقع الملائم.
  لا توجد عائلات في المخيم ولا تستطيع أن تشير وتقول هذه حارة المحاميد أو حارة زبيدات أو حارة دار طه أو حارة دار غنايم أو حارة دار ذياب. تحمل الحارات في المخيم أسماء بلدات فلسطينية، هذه حارة المياعرة وهذه حارة الصفافرة والبراونة والدوامنة.
  كان عائد الميعاري في أثناء بيعه المناقيش يرسم خارطة فلسطين. يمر قرب الرجل اليافاوي فالكناوي فالصفوري فالنصراوي وينادي على بضاعته مذكرًا بشهرة كل مدينة وبلدة. برتقال يافا. ملوخية صفورية. رمان كفر كنا وهكذا، وكان يفهم السياسة بالفترة فالولد خريج مدرسة النكبة وكلية المخيم وكان معجبًا بثوار فيتنام ويكره أمريكيا وكان عائد يقود أترابه، مجموعة الأولاد وهو يغني:" فيتنامي يا فيتنامي، يا ابن العز والكرامة، انت وراك هانوي وأنا وراي...." فيصرخ الأولاد: دمشق، فيصرخ عائد: طز. وهكذا يطزطز لجميع العواصم العربية: بغداد وعمان والقاهرة وصنعاء وبيروت والرياض وطرابلس وتونس وغيرها وفي النهاية يقول:" فيتنامي يا فيتنامي، يا ابن العز والكرامة، انت وراك هانوي، وأنا وراي حرامي".
  دخل عائد البيوت الفلسطينية وأحبوه وسألوني عنه كثيرًا. رجال وسيدات وآنسات سألوني عنه وما زالوا يسألونني عنه حتى اليوم. لا أعرف ماذا جرى له. هل خرج مع رجال المقاومة من بيروت إلى تونس أو الجزائر أو اليمن؟ هل عاد بعد اتفاق اوسلو إلى مناطق السلطة؟ هل هو أسير من آلاف الأسرى في السجون الإسرائيلية؟ أنا متأكد أن عائد الميعاري لم يرتش ولم يفسد ولم يحن رأسه وما زال يسير في الطليعة.
  هناك قصة عن المخيم ومنه اسمها "صبي وبنت من الدهيشة". أبطالي في المخيمات الفلسطينية هم أطفال. صبيان وبنات. الجيل الذي سيطلع الفجر حتمًا. كتبت قصصًا تدور أحداثها في سيارة وفي قطار وفي طائرة. قصة "ليلة في قطار ريغا" تدور أحداثها في قطار ليلي ومع حركة سير القطار. قصتي وصار اسمه فارس أبو عرب"وهي قصة يوم الأرض تدور أحداثها في المدينة وفي الباص وفي القرية وفي مواقع الأرض المهددة بالمصادرة. هذه القصة ترجمت ونشرت في عدة دول وقد اختارها د.بدوي لتمثل القصة الفلسطينية في كتاب "القصة ديوان العرب".
  كما كان لأسماء الأماكن دور بارز في قصصي كذلك كان لأسماء الأبطال وأسماء القصص وأسماء المجموعات. أبذل جهدًا في اختيار اسم بطل القصة فلاسم البطل دور هام ومميز في القصة. عائد الميعاري. مروان بطل قصة ليلة في قطار ريغا. مروان الشيوعي القروي. مروان معناه صخر الصوّان. حفيظة جارتي الجميلة بطلة قصة "وردة لعيني حفيظة". جابر وصابر ومصطفى أبطال رواية "سيرة بني بلوط". حشمة. ستي بيكه. رقيّة. ندى الطفلة الأمورة. أختار اسم القصة بعد كتابتها. ويحدث أحيانًا أن أغيّره قبل النشر. غيّرت مرة واحدة اسم قصة بعد نشرها، كان اسمها "صبي وبنت من الدهيشة" حينما نشرتها في "الاتحاد" فصارت "الولد الذي قطف الشمس" حينما نشرتها في مجلة "الكرمل". وأبذل جهدًا مضاعفًا في اختيار اسم المجموعة. أختار عادة اسم قصص من قصصها. في مجموعتي الأولى لم أفعل ذلك. أسميتها "لكي تشرق الشمس". كنت شابًا صغيرًا في الثانية والعشرين من عمري متحمّسًا وأعتقد أنني أستطيع أن أغيّر العالم بقصصي. أن أغيّر الواقع وأن أقهر الجوع والفقر والجهل والمرض والظلم. أحتار كثيرًا في اختيار عنوان المجموعة ولا يعني دائمًا أن القصة التي تحمل المجموعة اسمها هي القصة المفضلة عندي أو القصة التي أحبها أكثر من غيرها. احدى المجموعات كنت أرغب بأن أسميها "مشوار الأصيل" الا أن صديقًا لي تشاءم من الاسم وعارضني بشدة فأسميتها "النخلة المائلة". مجموعتي "جسر على النهر الحزين" كان اسمها المقترح "جسر مقدس على نهر حزين" إلا أنّ صديقًا من أصدقائي اقترح عليّ أن أسميها "جسر على النهر الحزين" كي يكون الاسم موسيقيًّا فاقتنعت وفعلت ذلك وأما مجموعتي الأخيرة فتنقلت في عدة أسماء حتى استقر الرأي على أن أسميها "في مديح الربيع".
  في كتابه القيّم "محمد علي طه مبدع راودته الكلمات وراودها" يتطرق الناقد البارز د.نبيه القاسم إلى المكان في قصصي فيجد أن المكان هو البطل في بعض القصص كما يشير إلى أن المكان ينفتح على الخارج فيرى أن مخيم تل الزعتر في قصة "عائد الميعاري يبيع المناقيش في تل الزعتر" ينفتح على القرى والمدن الفلسطينية ويشير إلى أن القطار في قصة "ليلة في قطار ريغا" ينفتح على الوطن وعلى الغرب وعلى الشرق مع أن الأحداث تدور في قمرة من قمرات القطار الليلي وكذلك الأمر في قصة "مشوار الأصيل" فالشارع من حي عباس إلى حي الهدار في حيفا ينفتح على شوارع المدينة وعلى الوطن.
  كان للبيت دور هام في قصصي وقد خصصت له أكثر من قصة وقد أشار د.نبيه القاسم إلى عدة بيوت في قصصي مثل البيت العادي والبيت الأليف والبيت الحلم والبيت الوطن والبيت المعادي أيضًا.
  دعاني أديب فلسطيني صديق لحفلة تدشين بيته في رام الله في أواخر التسعينات. دخلت إلى البيت الجميل مع زوجتي وتجولنا في غرفه وفي المطبخ وفي المنافع وبقيت غرفة مغلقة. فتحتها بدون استئذان واذا هي مليئة بحقائب السفر الكبيرة والكثيرة. تعجبت وسألت صديقي عمّا أرى فقال: حقائب السفر. كنا نسكن بعد النكبة في مخيم في الضفة الغربية. بعد حزيران 67 حملنا ما تيسر من حاجاتنا ورحلنا إلى اربد وفي أيلول 70 حملنا بعضها إلى دمشق وبعدئذ حملت حاجاتي ورحلت إلى بيروت وفي العام 1982 عدت إلى دمشق ولمّا ضاقت بي دمشق رحلت إلى الجزائر ومن الجزائر إلى تونس ومن تونس إلى غزة فرام الله. هذا البيت هو محطتي الأخيرة.
  في لقاء لي في جنيف في الثمانينات مع مثقف مناضل فلسطيني وفي سهرة على ضفة البحيرة قال لي بأنه يحلم أن تكون له مكتبة. رفوف على الحائط وعليها الروايات والمعاجم والموسوعات والسير الذاتية ودواوين الشعر. وفي الغرفة طاولة وكرسي وعلى الطاولة حاسوب. قال لي انه يناضل منذ العام 67 حتى اليوم كي تكون له مكتبة. ذكر لي أنه تنقل في دول عديدة وفي عواصم عديدة ولم يستطع أن ينقل معه كتبه التي يحبها وأما عندما سيحصل على البيت فستكون له مكتبة. هذا هو الفلسطيني. إنسان يحلم بالبيت.
   منذ مجموعتي الأولى في العام 1964 وحتى اليوم وأنا أهندس بكلماتي وحروفي البيت الفلسطيني. رسمت العلم وكتبت النشيد الوطني ورافقت السجناء إلى الزنازين كما رافقت المقاتلين إلى الميادين، والمتظاهرين إلى الشوارع وحرصت على أن يكون البيت جميلا ودافئًا. أهتم بالتفاصيل الصغيرة للأماكن وعندما أكتب عن مكان أدرسه جيدًا. أدرس الجغرافيا والتراب والهواء والنبات والناس. لا يكفي أن أعرف كفر قاسم وشهداءها وأحداث مجزرتها بل يجب أن أعرف المواقع التي حدثت بها المجزرة من المزلقان حتى المقبرة.
  هذا الارتباط بالمكان وبالزمان وبالأسماء المعبرة الموحية ربطت قصصي بالقراء فكم قارئ اتصل بي وأقسم لي أن هذه القصة حدثت في بلدته، قراء من باقة الغربية ومن أم الفحم ومن طمرة ومن سخنين ومن عرابة ومن الناصرة ومن شفاعمرو.
  سألتني مرة، في احدى محاضراتي، مدرسة صبية عن الوطن ومفهومه في قصصي. قلت فيما قلت: عندما أسافر إلى أوروبا أو إلى الخارج وأقضي أيامًا هناك أو أسابيع لا أشعر بالغربة إلا في فترات قصيرة ولكن حينما أهبط في مطار اللد الذي صار يسمى مطار بن غوريون أشعر بغربة ووحشة. أقود سيارتي وأخرج من المطار وشعور الغربة يرافقني. أمر بالقرب من نتانيا ومن الخضيرة وشعور الغربة يلازمني وحينما أصل إلى مفرق اللجون الذي صار يسمى مفرق مجدو أشعر أن الهواء تغيّر وصار عليلاً، والشمس تبدّلت وصارت أكثر دفئًا، والنباتات زادت اخضرارًا، والأرض تبسّمت أزهارًا، والطيور تغرّد بفرح، والفراشات الملونة تطير وتحلق، والنحلات النشطة تطنّ وتزنّ فأقول: ما أجملك أيها الوطن.
  أحب يافا وأحزن وأنا أسير في شوارعها. كلما زرت تل أبيب قادتني قدماي أو سيارتي إلى الشاطئ ومن هناك إلى مسجد حسن بيك. هذا المسجد الصغير الجميل الذي تحيطه إلى درجة الاختناق بنايات الفنادق الضخمة فأتذكر عندئذ المسجد الصغير في حيفا في قرية رابين المتمسك بالبقاء بين الأبراج العالية، بين عمارة تسيم وعمارة المحاكم التي تسمى قصر العدل. هذه هي حالتنا. أحب النقب والمثلث ومرج ابن عامر والكرمل ولكنني ولدت في الجليل وعشت فيه وأحببته وأعتقد أن سيدنا آدم حينما طرده الله من الجنة ملأ راحته من تراب الجنة ونثر التراب على الكرة الأرضية فكان الجليل. هكذا كتبت في سيرة بني بلوط.
  أدركت منذ طفولتي أن المكان مرتبط ارتباطًا عضويًا بالزمان. الزمان غيّر بلدتي ميعار وغيّر ملاعب طفولتي وغيّر البئر والتينة وغيّر حيفا وغيّر يافا. أدركت ذلك بالفطرة، عفويًا، قبل أن أقرأ ما تيسّر لي من مقالات المنظّر باختين. كما أدركت أن المكان مرتبط بالانتماء وبالعلاقة وبالالفة قبل أن أقرأ ما كتبه باشلار.
  ذات مرة دعيت إلى لقاء مع طلاب مستوطنات مسجاف في قاعة في مستوطنة ياعد المقامة على ميعار فحدّثت الطلاب عن علاقتي بالمكان وزياراتي المتكررة له. حدثتهم عن البيت والجيران والأتراب والتينة والرمانة وبئر الماء وملاعب الطفولة. وقف رئيس المجلس الاقليمي وسألني: أأنت ميعاري؟ أجبته: نعم. فقال: وأنا ميعاري أيضًا. قلت: أنا ميعاري وهذا مؤكد وواضح وأما أنت فلا. فقال: أنا أصر أنني ميعاري. قلت له: أسألك ثلاثة أسئلة فان أجبت اجابة صحيحة واحدة فأنت ميعاري. قال: هات. قلت: السؤال الأول ما الفرق بين طعم الماء في بير الصفا وطعمه في البير الشرقي والسؤال الثاني ما الفرق بين طعم الزعتر في دب الربيع وطعمه في برّاد والسؤال الثالث ما الفرق بين الهواء في موقع التركيب وبين الهواء في خلة بلان؟
  أعتقد أن الناقد الباحث باشلار لا يعرف ذلك وباختين لا يعرف ذلك أيضًا، وأما أنا الذي كنت أغافل أمي وأخرج من البيت حافيًا لأعدو على الهضاب والتلال وأركض وراء طيور السمان واللامي والحلاج ووراء الفراشات وأجمع النرجس والاقحوان وشقائق النعمان وآكل الخس البري والقرصعنة والشومر والعلت والسنارية والخردلة والمقرة وأشرب من رأس النبع وأغسل قدمي بماء الغدير وأقطف اللوز الأخضر وأسرق الحصرم من الكروم فأنا أعرف ذلك. أنا أعيش ذلك. أعرف المكان وعلاقته مع الفجر ومع الضحى ومع الظهيرة ومع الأصيل ومع المساء ومع الليل ومع الصيف ومع الشتاء. أعرف صوت بنات آوى وصوت الثعالب. أعرف آثار الضبع وآثار الذئب على التراب. أعرف آثار الطيور في المقاثي والكروم. أعرف صوت القطا وصوت العندليب وصوت الشحرور. أعرف رائحة البيدر ورائحة الطاحونة ورائحة المعصرة. أعرف رائحة حظيرة الأغنام ورائحة زريبة البقر. أعرف التراب البني والتراب الأغبر والتراب الأبيض. أعرف الحجارة من الصوان إلى البازلت إلى الركّاخ. أعرف الأشجار شجرة شجرة أعرف الشوك وأعرف الأزهار. وكل هؤلاء يعرفون قدميّ وراحتيّ وعينيّ وجلدي وأنفي وفمي.
  هذه الأرض لي. هذه البئر لي. هذه الأشجار لي. هذه النباتات لي. هذه الأزهار وهذه الأشواك لي. هذا وطني وأنا باقٍ فيه. هذا ترابي، اما عليه واما فيه.
  هذه قصصي، هذه قصصي.
**ألقى الكاتب هذه الكلمة في مؤتمر مجمع اللغة العربية المنعقد في مدينة الناصرة في فندق جولدن كراون يوم السبت 25 آب 2012.

2012-09-03