الجمعة 29/9/1441 هـ الموافق 22/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الراقص فى المقبرة : الجزء الثانى....ابراهيم امين مؤمن

الراقص فى المقبرة و الثعبان : ذهب رجل يكتم الوجع بين احشائه . كان يضج بين جوانحه ويسري بعروقه وعظامه . ذهب مدمع العين مصفر الوجه واضعا يديه على جنبيه فى رعشة ممسكا وجعه بين وعلى وفى احشائه. ذهب بعيدا بعيدا حتى ادرك ان الارض التى وصل اليها لا تحمل الا هو , فلا انس ولا جان .. هرب من حبيب حفر فى اعماقه طعنة الغدر . هرب من قريب سلب منه ماله وجرده من اللبس. هرب من صديق استامنه فسلمه الى كل سبع وذئب . هرب من سفك الدم وعاش حياة الغاب . هرب من الانسان . لما وصل احضر معولا ومعه الناى . جلس وتناول الناى واخذ يلحن رحلته عبر الصحراء . كيف وصل بعد ان ترك حياة الغاب. سكن الالم بعد الفرار . اخذ بالمعول يحفر ويعمق ثم يعمق ثم يعمق والدموع تنهمر من العين . وتمتلئ روحه بالامان كلما اعمق . دبت عزيمة الهروب فى نفسه فتركزت فى قبضته التى كانت تضرب بالمعول الذى اخترق من الارض الاعماق. رقد فى المقبرة التى حفرها ينظر فيها وفى اركانها. وجدها لوحة مجسدة رسمت فيها كيف هوت الانسانية كلها فى بئر سحيق. كيف كانت فى العلياء لحظة ادم وهو فى جنة الارض ثم انزلقت واستذلت وهوت فى البئر السحيق. استرح يا صاحب الحفر . لم تحملك الارض على ظهرها وحملتك فى باطنها . الا تسمع مهيل التراب وصخيخ الصخور وبكاء الارض ؟؟؟ نعم سمعت يا حافر القبر فعزفت ترنيمة حياة القبر . الان تتناول الناى وترقص. ترقص مذبوحا على الحان الناى ومشيئة القدر . لحنك يقص حكايتك كلها فيسري فى اعماق النفس . يحرك الصخر فيدمع. يرسل السحاب فتدمى. وما زال لحنك وترنيماتك ولوحاتك تبعث فى النفس الدمعة الحارة. وتخرج الدم من العروق فتنفجر لتروى جشع الطغاة . كاسك من شراب العلقم . ولحنك من تاوهات المستصرخين . ورقصتك استوحيتها من ذبح الطير بالسكين . الان : يرقد صاحب المقبرة . الان يرقد الراقص فى المقبرة . الان يستريح الجسد وتغمض العين وتستريح الجوارح . الان دخل عليه ثعبان كان ينتظر . هبط حتى وصل اليه فاعتدل الراقص بمقبرته من استلقائه وحملق به وحملق ثم قال الراقص : لماذا تبعتنى ؟ هل ارسلك الانسان ؟ الثعبان: لم يرسلنى غير جوعى منذ سنة, وضعفى بين الثعابين, وهرمى وشيبتى وهروبى من وحش السماء والارض وها انت ترى لهثتى وضعفى . الراقص: اتريد قتلى ؟ الثعبان: اريدك ان تحل بين ضلوعى فاطعم , وان اشرب دمائك فارتوى. الراقص: ولما انا؟ الثعبان:انت ضعيف مستسلم للموت , وبعيد عن الذى يدفع عنك غدرتى من بنى الانسان, وها انت ترى ضعفى وشيبتى فلو افترستك فوق الارض لانقض عليا انا الثعبان طير من السماء فجرحنى , او ثعبان شاب فالتهمنى , ونحن الان فى قبرك فلن تستطيع الهرب منى وليس معك ما تضرب به. الراقص: والله الثعبان: انتم يا بنى البشر تاكلون وانتم شبعى وتشربون وانتم رواءا , وانا لا اكل حتى اجوع ولا اشرب الا عند الظما , واقنع بالقليل من الطعام والشراب . الراقص: انت تبكينى ايها الثعبان الثعبان :ولما ؟؟؟ الراقص: لانى اردت من الحياة ما اردت انت وهذا حالى كما ترى. الثعبان : انت تبكينى ايها الراقص. الراقص : ولما ؟؟ الثعبان: لانى هارب مثلك من بنى جنسى , والطير فى السماء لمرضى وشيخوختى وهرمى وضعفى . ولقد بلغ منى ما بلغ منك , وانا وانت على السواء. اقترب ايها الراقص. الراقص: انا لك فهيا . الثعبان : الا تخاف منى ؟ الا تقاتلنى ؟ الا تستغل ضعفى فتقتلنى ؟ الراقص: اما الخوف فما اهون خوفى منك بخوفى من بنى الانسان وضلوعك احن عليا من بطونهم. واما القتال فليس لى به حاجة فانى لا احب ان استقوى عليك يا مسكين , وانا سئمت الحياة , واما قتلك فانا لا اسفك دم الطاغى فكيف اسفك دمك ايها الثعبان الكهل الضعيف؟ هيا فاكل لحمى وارتوى من دمى فقد بلغ منك الجوع والظما مبلغا . الثعبان :تسمر وسقطت راسه على الارض واضطجع وتلوى من الالم والجوع وابتلت الارض من دموعه ثم قال : الموت اهون عليا من التهامك. لقد بلغ منى من بنى جنسى ما بلغ منك من بنى جنسك . ولا يستحق الحياة من عاش لنفسه وتجاهل مشاعر غيره. هيا ايها الراقص تعالى احملك على ظهرى فظهرى لك خير من شر ظهور بنى جنسك . الراقص: اما ان تلتهمنى واما ان تتركنى . الثعبان : لابد ان نعتصم نحن الضعفاء لنقوى , نتفائل لنحيا , ولابد ان تستمر عجلة الحياة لانها سنة ربنا , وسابحث انا عن ثعبان مثلى اضع يدي فى يده حتى احمى نفسى واياه من غدرة طغاة بنى جنسى فهيا امتطى ظهرى وافعل كما افعل . الراقص: الامل فيكم معشر الثعابين منشود , اما الامل فينا معشر البشر مفقود. فاذهب اذهب ايها الثعبان . قال لا بل احملك . الراقص : اذهب الثعبان :بل احملك . الراقص: ارجوك دعنى وشانى . الثعبان : احملك طوعا او كرها فانى ارجو لك الحياة التى سلبوها منك .فحمله الثعبان واثناء حمله ما ان صعد به قليلا حتى وقع الثعبان ميتا من ضعفه وشيبته............. فبكى عليه الراقص بكاءا شديدا وقال : حملت فوق طاقتك , واردت الحياة فعصتك , وما بلغت الامل فصرهت , ثم هال الراقص عليه التراب فى المقبرة وتناول الناى ثم انشد سيمفونية الثعبان والراقص فى المقبرة لعلها تصل بين الاحياء فوق الارض فيتخذونها عبرة ..

2017-02-07