الأحد 2/2/1442 هـ الموافق 20/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
صابر حجازي يحاورالشاعر والرسام والمسرحي المغربي فؤاد العنيز أبوأميمة

 

 استكمالا لما قمت به من قبل من حوارات ولقاءات أدبية  مع نخبة من أدباءالوطن العربي، يسعدني أن يكون الحوارمع الكاتب الشاعر والرسام والمسرحي المغربي  فؤاد العنيز أبوأميمة هو رقم -21 - من  الجزء الثاني من مجموع اللقاءات مع أدباء ومفكري الوطن العربي في مختلف  المجالات الأدبية والفكرية التي حظيت باسهامات لهؤلاء المبدعين

وفي ما يلي نص الحوار


س :- كيف تقدم نفسك للقارئ  ؟
 شاعر وفنان متواضع , عشقت الحرف حد الإدمان , أحاول كتابته وأراه يكتبني .. رسام متيم باللون والخط , مسرحي أدنف عشق الركح ولغة الجسد .. هذا أنا بكل تواضع..

س:- أنتاجكِ الادبي : نبذة عنه ؟
لي ديوان شعر نثري معد للطبع وآخر في الزجل أضع عليه اللمسات الأخيرة لأقدمه للمطبعة . كتبت أزيد من عشرة نصوص مسرحية أغلبها يندرج في إطار المسرح المدرسي .. نشرت العديد من النصوص النثرية والشعرية في مجموعة من المواقع  الالكترونية والاجتماعية وبعض الجرائد الوطنية وبعض 
المجلات العربية..

س :-  ماذا تقول للقارئ عن تجربتك الشعرية والإنسانية  ؟
تجربتي الشعرية المتواضعة تستمد كنهها من تجربتي الانسانية . إن ظروف الفقر واليتم التي عشتها , جعلت من حرفي الشعري لسان حال الروح التواقة للسلم والحب . الرافضة المتمردة ضد الكراهية والحرب . تطمح قصيدتي أن تعانق المدى الشاسع رحابة , تتسلل من بين أصابع الواقع المرير , لترسم أفقا بنضارة شقائق النعمان . يثوق حرفي الشعري إلى ملامسة جوانب مضيئة في الذات الانسانية التي أراها لا تخلو قط من حب وفرح.

س:- حدثنا عن نشأتك وطفولتك الباكرة ؟
كان والدي رحمه الله مقاولا كبيرا في النجارة .. وقد عشت سنواتي السبعة الأولى في بحبوحة ودلال . غير أن الأقدارر غيرت وجهة شراع حياتي فجأة . مات والدي إثر حاذتة بسيارته وأنا في سن السابعة  .. استولى عمي سامحه الله على متروك والدي بعد بضع سنوات من موت الوالد .. كان عمري 12 سنة حين بدأت أزاوج بين العمل في حقول الشمندر لأكسب ما به أقتني ملابسي وأدواتي المدرسية  ومساعدة أمي المسكينة التي خرجت هي الأخرى للعمل بأجر متواضع جدا لتعيلنا أخي , أختي وأنا .. ورغم ما عانينا من فقر وإملاق إلا أننا كنا ضمن الأوائل في دراستنا والحمد لله .. أذكر أني مرة , في العطلة الصيفية , التمست العمل في أحد حقول الشمندر المجاور لمدينتنا الصغيرة , وكان صاحبه إسبانيا يتكلم عربية واضحة نظرا للمدة الطويلة التي قضاها بالمغرب.. عندما رآني وتبين له صغر سني خاطبني قائلا : أنت في سن اللعب يا بني , اذهب لتلعب .. أجبته في قرارة نفسي , ليتني كنت أستطيع اللعب كأقراني .. وانصرفت إلى حقل آخر لايهتم صاحبه بالسن بقدر ما يهتم بالأجر الزهيد الذي كان يناولنا كل أسبوع.. 
واكبت على مزاوجة العمل بالدراسة , ومارست مجموعة من المهن التي وإن كانت أكبر من طاقتي آنذاك , إلا أنها علمتني التحدي والصبر ولعلها كانت لي حافزا قويا للتميز في دراستي والحمد لله.

س :- ارهصات الكتابة الاولية - هل تذكر منها شئ ..؟
أذكر جيدا أني كنت مولعا بالكتابة منذ يفاعة عمري , والحقيقة أن الفضل في ذلك يعود لمجموعة من المجلات التي كانت موجهة للطفل وكانت تصدر من العراق وتونس والكويت .. أذكر منها : " مجلتي " "المزمار " و " عرفان " .. مجلات الأطفال هاته والتي كانت تصدر في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات , كانت معلمي الأول لكل أبجديات الكتابة الأدبية والرسم أيضا . ورغم ما كنت أعانيه من فقر آنذاك ,وبفضل سعرها الرمزي فكم كنت حريصا جدا على ألا أضيع أي عدد منها.. 
وقد جعلتني هذه المنشورات الرائعة أحتك مع قصص وأشعار ورسومات كتاب وشعراء ورسامين كبارا ,  لم يبخلوا على الطفولة بعطاءاتهم الجميلة قط ..
أذكر أني كنت حينها , أملأ عشرات الصفحات خارج وقت الدراسة .. لم أعد أحتفظ ببعض منها لظروف خارجة عن إرادتي لكنني أذكر أنها كانت خربشات وإن افتقدت لشروط الكتابة الأدبية إلا أنها كانت دوما مثار إعجاب أساتذتي مما شجعني على الانغماس فيها ومحاولة صقلها بالقراءة الشغوفة .

س :-  يلمس القارئ لأعمالك جزالة وفصاحة وتمكن من اللغة العربية - فما الخلفية الثقافية التي منحتك هذا التميز؟
كما سبق وذكرت , الفضل لتلك المجلات الرائدة والرائعة التي ساندت طفولتي الضائعة .. ثم هناك حدثين أرى أن أذكرهما هنا لنبلهما أولا ولما ساهما فيه لفائدتي .
الحدث الأول , هو ملاحظة قيم المكتبة المدرسية الأستاذ البكوري رحمه الله , إدماني على قراءة عناوين الكتب المعروضة في لوائح على حائط الخزانة المدرسية دون أن أستعير أي منها لأنها كانت بمقابل رمزي لم أكن أملكه.. ناداني مرة وسألني : أتحب القراءة ؟ أجبت : جدا يا أستاذ .. فاستطرد : ما بك لا تستعير أيا منها ؟ أجبته و أنا مطأطا الرأس : يعوزني مبلغ استعارتها يا أستاذ .. أطرق الاستاذ متأسفا وسألني عن ظروفي الاجتماعية فحكيت له قصتي بالتفصيل.. لم يتردد رحمه الله جليلة , أخذ من مكتبه بطاقة سجل عليها اسمي وقسمي وقال لي بتعاطف واضح : بداية من اللحظة وإلى أن تنهي دراستك , انت مستفيد دائم من الاستعارة المجانية لكل كتاب في الخزانة.. والقصة الثانية أن أحد أساتذتي الأجلاء واسمه محمد الحداد فتح لي مكتبته الخاصة بعد حصولي على أعلى نقطة في مادة الانشاء ..  أظن أن هذا ما جعلني أحتك بلغة كتاب وشعراء كبار وما جعلني أكتسب لغتي الأدبية المتواضعة.

س :- هل من الممكن ان نسمع الي بعض انتاجك الشعرى ؟
نعم :-

    لوحة
.............

    الفرشاة في يميني
    وفي يساري الرذاذ .
    أمام ناظري مساحة
    مجللة بالبياض.
    في الذهن أسئلة
    تتراقص نشوى
    تراود المخاض ،
    تستعير الحكايات القديمة
    وبعض الحروف الجافلة
    الهاربة
    من صفحات الذكرى
    وسراديب المزاد.
    خطوط تستلذ التنكيل بي
    تخاصمني
    تصالحني
    تلاججني في عناد.
    من أين يا ترى أبدأ ؟
    من ناصية الوميض
    في ثنايا الحلم
    يبرق ثم يخبو ،
    أم من تجاعيد السواد؟

.....................................................

    احتراق
    ــــــــــــ

    لا تكتبني اسما غريبا على ناصية الخريف
    واهتف
    ينحدر السؤال من السؤال
    فلا ليل إلا ليلنا
    ولا مرايا
    ولا حناء
    البئر جفت ماؤها
    والقمر عبوس
    وأحلامي هباء
    والجرائد القديمة
    في وسادتي
    توزع الكلام الحجر
    والعمر رقم
    يمتد كالوميض
    على رأسك ريشة أينعت
    تحسس رأسك
    فالحلم قطرة دم أخرى
    لعلها الكلمات
    تتناسل كانبلاج الأفق
    في سماء الحنين
    أو لعلها الأسماء
    تستهلك ليلة عرسها
    أم تراه خريف غريب
    يبكي مع النائحات

.............................................


    بياض كاسح
....................

    نقطة صغيرة سوداء
    في أقصى البياض
    ترتدي الغموض
    سنجابية الملامح
    آهة تقمصت الفراغ
    نوتة نشاز
    لحن أعرج
    يهشم الايقاع
    في أذن
    يكاد يعصرها الصمم
    ينتفض الظلام
    سواد كاسح
    نقطة صغيرة بيضاء
    في أقصى الحلم
    تحبو
    في انتظار النور
    لينمو العزف
    رويدا رويدا

****

س :-  كيف تحدث من واقع تجربتكم حالة المخاض الشعري للقصيدة - وكيفية ميلادها علي الورق  ؟
فعلا , القصيدة حالة نفسية واجتماعية تستبد بالشاعر مخاضا عسيرا قبل أن تعانق الورقة . وقد يكون لكل شاعر طقوسه الخاصة والتي لا يستطيع الكتابة في غيابها .. شخصيا , أحاول ألا أستدرج القصيدة إلا عندما أشعرها تغلي بداخلي بركانا . طقسي الوحيد أن أحضى بفسحة صمت وهدوء من حولي . لذلك أكتب بالليل والناس نيام .. للقصيدة مرجعيات يمكن أن تكون متعددة ’ منها ما هو مخزن في لاشعورنا وذاكرتنا العاطفية ومنها ما يفرضه تفاعلنا مع ما يفرزه اليومي من أحداث ووقائع.. القصيدة في نظري رسالة بأسلوب يتجاوز العادي , إنها لغة الروح التي تخاطب الروح .

س  :-  ما الذي يمثله الوطن(المغرب ) بالنسبة لك؟ وما هو موقع الهم العربي بشكل عام في فكرك وابداعك ؟
الوطن كينونتي , زادي وعتادي . الوطن أحجية صدقتها حتى النخاع وعشت بها ولها .. الوطن روح  بدونها تكون الحياة خواء . الوطن أم لا أرتاح إلا في أحضانه . وطني المغرب له خصوصيات ثقافية وحضارية غنية جعلت منه قبلتي الأولى والأخيرة . أحبه حتى النخاع ولا أجد له في الأرض بديلا.. إلا أنني في نفس الوقت , أومن بالوطن الكبير والذي يمتد من الماء إلى الماء .. أليس الوطن في آخر المطاف هو الإنسان ؟ وأنا أومن حد الثمالة بالإنسان  شرط أن يكون إنسانا بما تحمله هذه الكلمة من نبل وسمو ..

س  :- كيف ينفاعل الشاعر مع احداث الوطن العربي التي تجري الان ؟
ربما سمي الشاعر شاعرا لشدة حساسية شعوره تجاه ما يعايشه . لا يمكن للقصيدة أن تبقى بمعزل عما يعيشه وطننا العربي من أحداث مأساوية ومن انكسارات وانتصارات .. الشاعر وطن صغير يستوعب كل الأوطان ولا يمكنه إلا أن يتفاعل معها . 
والشعر لسان حال المجتمعات , يغازل , ينتقد , يحرض , يسخر , يستفز , يرتقي بالإنسان إلى مصاف أرقى لأنه بطبيعته منجم طموح لا ينضب.
وهذة صفحتي علي الفيسبوك لمزيد من التواصل :-

https://www.facebook.com/abouomaima

 

 :- هل لنا من مزيد من كتاباتك ؟


منك أنسل إليك خلسة 
أبحث عني فيك
فلا أجدني إلا لماما 
أحمل خطوي نحوي
وأصبغ ظلامي بالأبيض
شمسا
تبدد في صدري
غماما
أكفر بالحلم
كي لا أرتد
عن ملة الهوى
لكن الظلام
يبقى ظلاما

***

س  :- ما الذي تمثله حالة الكتابة ألشعرية عندك؟ هل هي لحظة أشتعال أم انكسار؟
هي لحظة اشتعال قد يكون مردها لانكسار لكنها لحظة توهج لا تفتأ تتقد بركانا حتى ترى النور . ولعلها تكتبني قبل أن أكتبها.

س :- هل غياب فن الدراسات النقدية ، والناقد الادبي ذو الرؤية، في تناول الابداع الادبي بشتي مجالاتة، عامل بالسلب علي الحركة الادبية بالوطن العربي ؟
لا يمكن إنكار ما يساهم به العديد من النقاد في إغناء الساحة الأدبية العربية بمقارباتهم النقدية وتصوراتهم النظرية  غير أنني أتفق معك في كونها تبقى قليلة وقاصرة لكي تستوعب كل ما تزخر به الساحة الأدبية العربية من تجارب شعرية لها ما لها وعليها ما عليها . ومن الطبيعي جدا أن يصبح النقد ضرورة لا محيذ عنها . ليس بغير النقد يمكننا الفرز بين الغث والسمين خاصة مع إمكانية النشر الالكتروني الذي يتم دون حسيب أو رقيب .. وإذا كان الشاعر قديما يجتهد كثيرا ليحظى بلقب شاعر , فإن أغلبهم اليوم يلقبون أنفسهم شعراء وشواعر دون تزكية من أحد .. لكن , ومع ذلك , يبقى الشاعر شاعرا والمتشاعر متشاعرا مهما كتب. وهنا يأتي دور النقد فبدونه سيختلط الحابل بالنابل.

  س :- يختبئ داخل كل مبدع طفل ، يمثل له مصدر الدهشة التي لا تنتهي, ما الذي تبقي من ذلك الطفل في نفسك ؟
يا له من طفل مشاكس ذلك الذي يسكنني , هو يمدني كل يوم بجرعة إضافية من التحدي . هو يدفعني في كل لحظة لمعانقة ذاتي من أجل أن أكون أنا / الآخر.. إنه ذلك الطفل الجميل الذي لم ييأس قط . ذاك الطفل العاشق للحب والسلم ذاك الرافض لكل أشكال الإقصاء والكراهية .. إنه بداخلي لا يكبر قط وهو لا يريد أن يكبر.. لتبقى أيقونة البراءة حاضرة تواكب حبوه نحو خطو حثيث.

س:- حدثنا عن واقع الحراك الثقافي في بلدكم ؟
يعرف بلدي المغرب كجل البلدان العربية زخما لا يستهان به من المؤلفات والمناسبات الثقافية والتي تكاد لا تخلو منها مدينة . إلا أنها تحتاج لمساندة نقدية أكثر كما تحتاج لدعم من الجهات الوصية .

س:- في نهاية هذا الحوار  مع سيادتكم، ماهي كلمتكم الاخيرة في ختامه - ولمن توجهها  ؟
أود في نهاية هذا الحوار أن أشكركم شخصيا الاديب المصري الاستاذ صابر حجازى  لالتفاتتكم الكريمة ولمساهمتكم النبيلة  في مد أواصر التقارب العربي عبر طرق أبواب تجارب أدبية من هنا وهناك . كما أود أن أوجه رسالة للمسؤولين على الحقل الثقافي في كل البلدان العربية مفادها ألا تقدم من غير تبني المقاربة الثقافية ودعمها دون نسيان أدب الطفل الذي بدأ يطغى عليه قصص عنف الغرب . لابد من التفكير الجدي والمسؤول في تكريس ثقافة مواطنة تبني مجتمعا سويا وتقيه من كل الشوائب الغربية الفتاكة . ومودتي لكل قراء العالم العربي والذي بدونهم لن تستقيم الثقافة مهما حاول المثقف.

 

————
*
الكاتب والشاعر والقاص المصري صابر حجازي
http://ar-ar.facebook.com/SaberHegazi
– ينشر إنتاجه منذ عام 1983 في العديد من الجرائد والمجلاّت والمواقع العربيّة
- اذيعت قصائدة ولقاءتة في شبكة الاذاعة المصرية 
- نشرت اعماله في معظم الدوريات الادبية في العالم العربي
– ترجمت بعض قصائده الي الانجليزية والفرنسية
– حصل علي العديد من الجوائز والاوسمه في الشعر والكتابة الادبية
–عمل العديد من اللقاءات وألاحاديث الصحفية ونشرت في الصحف والمواقع والمنتديات المتخصصة

2017-02-28