السبت 30/9/1441 هـ الموافق 23/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
مدخلة إلى العنصرية... بقلم: محمد عودة الله

تعرف الأمم المتحدة العنصرية أو التمييز العنصري في القانون الدولي على أنه: "أي تمييز أو إقصاء أو حظر أو تفضيل يعتمد على العرق أو اللون أو السلالة أو البلد الأصلي أو الأصل بغرض أو بتأثير إلغاء أو إعاقة الاعتراف أو ممارسة أو التمتع بالحريات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو أي مجال في الحياة العامة على أرضية المساواة في حقوق الإنسان".

ما يثير الانتباه هو أن التعريف لا يشمل التمييز على أساس الدين، مع أن الإنسان يولد على دين أبويه وفي أغلب الأحيان لا يختار دينه، وبالتالي فإن هذا التعريف هو في أحسن الاحوال ناقص أن لم يكن مشبوهاً، وبالرغم من أنه يعفي الدول التي تمارس العنصرية الدينية من المسؤولية القانونية إلا أنه لا يعفيها من المسؤولية الاخلاقية.

تعتبر العنصرية انتهاك خطير لحقوق الإنسان، فهي ظالمة ونقيض الانسانية، وهي غير عقلانية ولو كانت احياناً منطقية، وتبنى على الصور النمطية التي تصم مجموعةبشرية كاملة، وهي تدفع ضحاياها إلى الانتحار بينما تدمر ذاتها، ففي الوقت الذي تطالب فيه القوى العنصرية ضحاياها بالاعتراف بتفوقها يحتاج الضحايامن القوى العنصرية إلى الاعتراف بإنسانيتهم، تعتبر المزاوجة بين العنصرية والقوة ومأسستها جريمة بحق الإنسانية مثل نظام الفصل العنصري في فلسطين والمانيا النازية، وهي تبدأ بالكلام البسيط وتنتهي بأبشع الفظائع.

إن ممارسة العنصريةعلى مجموعة بشرية يؤدي بها الى إستدخال الصور النمطية المرتبطة بالتمييز ضدها، فمثلاً يعمل الغرب بشكل مكثف على إستدخالنا للدونية اتجاهه وإن يفهمنا أننا دون مستوى البشر من خلال الدعم السافر لجرائم اسرائيل العنصرية ضد شعبنا الفلسطيني وفي نفس الوقت إنكار الحقوق التاريخية والانسانية لشعبنا مثل حق تقرير المصير وحق العودة وحق المساواة وحق العدالة وحق العيش بسلام، وكذلك تجريدنا من آدميتنا بتصويرنا وحوش ارهابية غير بشرية، فالفلسطيني حسب ما ورد في الاعلام الامريكي ضمن سؤال لأبو عمار يرسل ابنائه ليقتلهم الجنود الاسرائيليين، ولسان حال الصحفية يقول انه جميع البشر يحبون ويحمون اطفالهم ما عدا الفلسطينيين، إذاً الفلسطينيون ليسوا بشراً، والفلسطيني يفجر نفسه لأنه عدو الحياة والسلام ويكره اليهود، والفلسطيني مجنون أذ أنه لا يملك أي مبرر منطقي لمهاجمة اسرائيل ...الخ من الصور النمطية المقززة في الاعلام الغربي عموما الذي لا يترك مجالاً للشك بأن اسرائيل تمثل الجوانب الانسانية والحضارية، وهذا هو الغرب عموماً الذي باسم الانسانية يشرعن جرائم ترتكب ضد الانسانية ويكشف عن حقيقته كشريك في الجريمة.

إن دفع العنصرية لضحاياها للانتحار تجلى في العمليات الاستشهادية والتي "صادف" أن حصلت بعد تبرئة الصهيونية من حقيقتها العنصرية في الامم المتحدة في التسعينيات القرن الماضي، بعد أن غسلتها امريكا غداة انهيار الاتحاد السوفيتي، مع أن الصهيونية لم تتغير في جوهرها، وهذا يشير إلى أن عالم تحكمه امريكا وحدها هو اشبه بغابة ولا قيمة فيه للإنسان ، وخصوصاً إذا كان دينه أو لون بشرته مختلفين عن تعريفات التفوق الامريكية.

إن العمليات الفدائية يمكن أن تستخدمها اسرائيل كمبرر لمنع بعض الفلسطينيين من دخول وطنهم وهذا خيار في احسن احواله عقلاني، اسرائيل منعت جميع الفلسطينيين من التحرك داخل وطننا باستثناء حملة التصاريح والهوياتالزرقاء، المنطق الاسرائيلي يقول أن كل فلسطيني هو ارهابي حتى تتم تبرئته وهنا مربط فرس العنصرية، أنها نفس عنصرية ترمب الذي حظر السفر على مواطنين سبع دول اسلامية إلى أمريكا، ولا عجب ان اسرائيل لم تخفي احتفالها بنجاحه، هي نفسها عنصرية الحركة الصهيونية التي اعتبرت فلسطين "ارض بلا شعب لشعب بلا ارض"، وهي نفسها عنصرية نيويتغينغريتش الذي انكر وجود الشعب الفلسطيني، وهي نفسها عنصرية جورج بوش الذي اعتبر شارون رجل سلام بينما انتخب الاخير على اساس انه "جرافة"،وهيعنصريةتونيبليرالذياعتبرالاسلامدينارهابيبينمايستقبلاستقبالالاباطرةفيبلداننا،العنصري دائما غير عقلاني والعكس غير صحيح.

بما أن العنصري لا عقلانيفأنه لا يصح التفاوض معه بسبب بسيط ويشرح نفسه أنه لا عقلاني، أنه مجنون، خذ مثلاً هواجس اسرائيل الامنية واحتياطاتها وضغطها على السلطة: الأمن، الأمن، الأمن، مع أنه بلغة الارقام فنحن الفلسطينيين الذين تهدم بيوتنا ويحرق اطفالنا ونقتل على الطرقات، كم صهيوني قتل في انتفاضة السكاكين؟وكم شهيد فلسطيني سقط؟النسبة اعلى بخمس اضعاف بين الفلسطينيين، إن تسليم السلطة بمنطق الامن الصهيوني يعني القبول بالمنطق العنصري أن حياة مستوطن صهيوني معتدي اغلى من حياة الفلسطيني، والحقيقة أن العنصري دائماً مهووس أن المضطهدين يخططون لشيْضده وربما علينا أن نفعل ذلك، أنه من حقنا وواجبنا أن نعمل على اسقاط دولة اسرائيلولكن ليس بشتى الطرق (ليس بالتفاوض).

نسمع كثيراً تعبيرات مقززة مثل 'عرب جرب' و 'أمة زبالة'، هذه الاقوال تعبر عن كره الذات أو استدخال العنصريةوأخدنا مؤخراً نرى إستدخال بعض قيادتنا لمثل هذه العنصرية كاللحن باللغة الانجليزية وعلى شاشة التلفاز، وإستدخال مفهوم الطفل الفلسطيني الارهابي حامل السكاكين، إن من هو مريض بالدونية ويعبر عنها لا يستحق أن يقود الشعب الفلسطيني في معركة تحرره من نظام الفصل العنصري الاسرائيلي والامريكي، هؤلاء بحاجة إلى علاج نفسي مكثف وهم لا يليقون بالشعب الفلسطيني الذي سبح الله لتضحياته وصبره على آلامه.

وكردة فعل على العنصرية، يحدث أن يمارس الشعب الذي تم ويتم التمييز ضده العنصرية أو ما يسمى العنصرية المعكوسة، فلذلك يسمع كثيراً بيننا تعبيرات عنصرية عن اليهود مثل ذاك يهودي أو ابناء القردة ...الخ من التعبيرات المهينة في حق الانسان أولاً وقبل كل شيء، واسرائيل تفضل أن يبدو الصراع ديني ونابع من معاداة اليهود على أن يكون الصراع حقوقياً واخلاقياً.

 

إن انهيار المشروع الوطني الفلسطيني بالدولة والاستقلال ادى إلى تشظي الهوية الفلسطينية ونشوء هويات فرعية مجزوءة كالهويات الجهوية والطائفية والقبلية، وما نشهده هو بداية تغلغل العنصرية في المجتمع الفلسطيني نتيجة للترويج الدؤوب لها على ايادي مشبوهة ومن هذه العصبيات العصبية ضد الشيعة، على هذه العصبيات أن تتوقف ويجب أن تتم محاربتها لأنها خطر على المجتمع الفلسطيني وعلى أي تجمع انساني.

ليس لدي ادنى شك أن الحب والمؤاخاة والعدالة والمساواة والسلام وارادة الحياة والاشتراكية ستنتصر مهما بلغ الظلام ومهما كانت الدرب شائكة والمعيقات جمة، إن المعركة على العنصرية لا يمكن ولا يقدر الانسان ان يخسرها لأنها ستعني نهاية البشرية التي قاومت وانتصرت على الكثير في سبيل وجودها ولن يهزمها الحقد والكراهية وشهوة الدماء والتعصب، ولو كان لمثل هذا الشر أن ينتصر لما كان الإنسان.

2017-03-06