الأحد 1/10/1441 هـ الموافق 24/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
مَرِّرْها(2) ...د. حاتم عيد خوري

مَرِّرْها(2) ...د. حاتم عيد خوري

كنتُ أتساءل عن الدوافع التي جعلت ذلك الشخص يُقدِم على مساعدتي سيما بعد أن اعتذرعن قبول ايِّ مبلغ مقابل اتعابه، وردَّ بلطفٍ إصراري على دسّ مبلغٍ من النقود في يده او في  جيبه. كما رفض ان يعرّفني بنفسه وهو ينسلُّ من بين يديّ باتجاه باب سيارته، قائلا لي قبيل انطلاقه بسرعة، جملةً قصيرةً تبيّنتُ منها، رغم صوت المحرك، الكلمات الثلاث التالية:

""Just past one. هذه الكلمات الثلاث، وإن كنتُ اعرف ما معنى كلٍّ منها على انفراد كما اعرف انها قد تؤدي مجتمعةً معنى: "تماما بعد الواحدة"، إلا اني لم انجح آنذاك في فهم ما قصده الرجل في هذا السياق بصورة عامة والسياق الزمني بصورة خاصة. وقفتُ متجمّدا مكاني وانا ارى سيارته تبتعد عني، تاركة ايّاي اتخبط بالبحث عن إجابات لاسئلة عديدة، منها: من هو هذا الرجل؟ وماذا قصد فعلا ان يقول لي؟ ولماذا؟.  هذه الاسئلة التي لم استطع التخلص منها، اخذت تروادني دائما، سيما في سفراتي المتكررة من حيفا الى فسوطه وبالعكس، فباتت اسئلة ملحاحةً تفرض  نفسها عليَّ وكأنها لغز تحداني على امتداد نحو ربع قرن من الزمن، حتى وجدتُ له بالصدفة حلا...

كان ذلك في مدينة نيويورك في اواخر التسعينات، عندما سافرنا (زوجتي وانا) الى زيارة ولدنا امير اثناء دراسته للماجستر في كلية الحقوق في جامعة فوردهام، حيث قضينا بصحبته وصحبة زوجته، إجازة ممتعة ومثرية...لكن، قبيل موعد عودتنا الى حيفا بيومين، كنا في سهرةٍ انيسة  بصحبة إبننا وزوجته وبعض الاصدقاء العرب المقيمين في نيويورك ومنهم عاطف ابو وجدي الذي بدا فرِحًا حاضرَ النكتة وسريعَ الخاطر، فاضفى على السهرة جوا مميّزا ممتعا. وفي هذه الاجواء اللطيفة المسترخية، قالت لي زوجتي بدعابة وعلى مسمع من الجميع: "لا  بدّ من شراء بعض الهدايا الى احبائنا في حيفا". فاجبتُها بعفوية مؤطرةٍ بذهولٍ مفتعل بات مألوفا لها في مثل هذا الموقف، قائلا لها وانا اضحك: "يعني shopping (مشتريات)! أليس كذلك؟". فاجابت ضاحكة بدورها: "أيوه. بكره عندك نهار مكتبة". ضَحِكُنا المتبادل والربط بين كلمتي "مشتريات" و"مكتبة"، أثارَ فضولَ عاطف وربما الآخَرين ايضا، فقلتُ لهم وكأني اكشف سرًا عائليا: "ان زوجتي ادركت، منذ تعارفنا، مدى تحفظي، إن لم يكن كرهي، للمشتريات، فاحترمتْ قراري بان دخولنا الى اي مجمَّع تجاري، يعني إعتكافي في احدى المكتبات، ريثما تنهي هي مشوارها الشرائي". سكّتُ لحظة  ثم اردفتُ قائلا وانا اقهقه : "وهيك محسوبكم صار مطالعا مداوما نهما لا يُبارى"...

وهكذا "كان مساء وكان صباح يوما ثانيا" عندما وقفنا زوجتي وانا في مدخل احد المجمعات التجارية الضخمة في نيويورك... ممعنين النظر في خارطة المجمّع ومجسّمِه ودليلِ المَحال التجارية المختلفة التي فيه، بما في ذلك المكتبة التي سارسو فيها والتي سنلتقي عند مدخلها في ساعة متفق عليها... وقبل ان نفترق قالت لي زوجتي: "انت بحاجة لقميصٍ تشتريه، فلا تنسَ نفسك في المكتبة "...

دخلتُ الى المكتبة. إتساعُها قزّم في نظري مكتباتٍ ضخمة كنتُ قد ألفْتُها في لندن إبّان دراستي هناك. اردتُ كعادتي ان اتجوّل اولا في اقسامها المختلفة، إلا اني وجدت نفسي اتوقف عند الزاوية العلمية، لاقتني "قاموس الشهابي للمصطلحات العلمية" الذي كنت ابحث عنه...ثم تقدمت نحو الزاوية الادبية، فاسترعى انتباهي رفٌّ عليه مجموعة كبيرة من الكتب التي تحمل العنوان الرئيسي ذاته "Chicken Soup for the Soul" (اي مرقة –شوربة- دجاج لمتعة النفس). ظننتُ للوهلة الاولى انني في زاوية كتب الطبخ، او ان احد الزبائن قد دسّ هذه الكتب في غير موضعها. تناولتُ كتابا منها واخذتُ اقلّبُه وإذ فيه عشرات القصص الادبية التي لا تمت الى الطبخ بصِلة. إستهوتني مواضيعُ القصص. حملتُ هذا الكتاب بعد ان دفعت ثمنَه وذهبتُ فورا الى زاوية المطالعة داخل المكتبة...اخذت اقلّب صفحات الكتاب. اخترت عشوائيا  بعض القصص، فوجدت ان لكلٍّ منها مؤلفها ورسالتها وعبرتها. واذا كانت القصة الاولى التي قرأتها، قد فتحت شهيتي وجعلتني انتقل الى الثانية فالثالثة والرابعة  والخامسة الخ...فان القصة التي كتبها الطبيب كينيث ديفيس (Kenneth G. Davis)  كادت تجعلني اصرخ باعلى صوتي: "وجدتها(Eureka)". لكنّ النظرة التي حانت مني الى عقاربِ ساعتي المهرولةِ لاهثةً نحو الموعد المحدّد لملاقاة زوجتي في مدخل المكتبة، جعلتني اكبح صرختي واغادر موقعي فورا...

وجدتُ زوجتي بانتظاري في الكافيتيرا التي في مدخل المكتبة. لم استغرب سؤالها لي وقد رأت اني احمل رزمةً بيدي: "هل إشتريتَ قميصا؟". أجبتُها ضاحكا: "إشتريتُ قاموسا". ضحكت ثم قالت باستغرابٍ: "بَسّ؟!!. فاجبتُها وانا اضع امامها كتاب Chicken Soup مفتوحا على قصة الطبيب ديفيس، قائلا لها: " لقد وجدتُها"...

ويبقى السؤال: "ماذا وجدتُ؟". عن ذلك ساتحدث في الحلقة القادمة

[email protected]

21/7/2017     

____________________________________________________

مَرِّرْها(1) ...د. حاتم عيد خوري

دعانا (زوجتي وانا) احدُ الاصدقاء، في اواخر سنة 1974، لمشاركته فرحته بولادة ابنه الاول، اي ولي عهده كما كنّا نداعبه، في حفل عائلي يُقام في عكا في مساء احد ايام الجمعة. كان صديقنا يدرك اننا قد لا نتمكن من ترك  طفلينا الصغيرين(5 و3 سنوات) في بيتنا في حيفا والحضور الى عكا، فاصرّ ان نحضرهما معنا باعتبار المناسبة "مناسبةً أهلية" على حد تعبيره. وهكذا عندما اكّدنا له حضورنا قبل المناسبة بايام قليلة، لم نكن نتوقع اننا سنكون مضطرين للسفر ظهر يوم الجمعة إياه، الى فسوطه(قريتي)، لظروف طارئة تستوجب حضوري هناك لبضع ساعات. قلتُ: "لا بأس، سنسافر الى فسوطه ومن هناك الى عكا للمشاركة في حفل صديقنا"...وهكذا كان...

غادرنا فسوطه في ساعات المساء المبكر ميممين شطر عكا. كانت طريقنا سالكة رغم ظروف الطقس الشتوية. مررنا كعادتنا في مفترق ترشيحا. لاحظتُ ان مؤشر البنزين في سيارتي، يميل نحو اقصى اليسار، وكأنه يغمزني داعيا ايّاي الى موعد مع اقرب محطة وقود. تجاهلتُ "الغمزة"  لئلا اتأخر اكثر عن الحفل في عكا. كنت اتطلّع بشوقٍ لمشاركة صديقي فرحتَه، ولإلتقاء رهط الاصدقاء  الذين توقعت حضورهم. لكن ما ان اصبحنا على بعد بضعة كيلومترات من مشارف شمال عكا ، وإذ بي اشعر بخلل في السيارة، ما لبثتُ ان عرفت سببَه، عندما ترجلت من السيارة بعد ان انتحيتُ بها الى اقصى يمين الشارع وشغّلتُ اضواء الطواريء ذات الومضات المتعاقبة. لقد رايت العجَل الخلفي الايسر قد اضحى مسطّحا تماما. قلت لزوجتي محاولا طمأنتها: "انه البنشر اللعين، ولا بد من استبدال العجَل". ولكن كيف؟!. فالرؤية اضحت غير متيسرة بعد ان ارخى الليل سدوله، مطلقا العنان لظلمةٍ دامسةٍ غير آبهةٍ بالمصباح الكهربائي الذي كان بحوزتي إذ بدا خجولا امامها، وغير مباليةٍ ايضا باضواء السيارات العابرة، فبدت تلك الاضواء بدورها، مجرد ومضات متتالية لا تسعف الناظر ولكنها تخطف نظره.

ومما زاد الطين بلّة، هو قلقي من البَلَل الذي سينتاب حتما بدلتي الجديدة التي كنت ارتديها استعدادا للحفل. لكن سرعان ما استسخفتُ ذلك القلق إزاء الورطة الحقيقية التي نحن فيها: سيارة معطَّلة وظلمة دامسة ورياح معربدة وبرودة لاسعة وزوجة قلقة واطفال نيام...وكل هذا في منطقة لم تكن مأهولة آنذاك وفي عهد ما قبل الهواتف المحمولة. قررتُ مجابهة الموقف وعدمَ الانصياع لأمر "الإقامة الجبرية" داخل السيارة، الذي فرضته عليَّ زخّاتُ المطر المتعاقبة، وامْلتْه اصواتُ وقع سقوطها على زجاج السيارة وسقفها. انتظرتُ لحظاتٍ ريثما خفّت زخّةُ المطر. ترجلت من السيارة دون ان اطفيء المحرك، حفاظا على استمرار تدفئة السيارة وعلى اضوائها المشتعلة.  تناولت من مستودع السيارة الادواتِ اللازمةَ لاستبدال العجَل. نجحت في فكّ البرغي الاول، لكن الثاني بدا عصيّا على الفك، متمردا على المفَّك البسيط الذي كان بحوزتي، وربما مستخفَّا بمؤهلاتي الميكانيكية ايضا، وكأنه يقول لي: "خيّط بغير هالمسلّة".

لم يبق امامي سوى وسيلة الاستنجاد باحدى السيارات العابرة. فتقدمتُ نحو حافة الشارع بحذر شديد ، لئلا اتعرض للدهس. كنت احمل بيدي اليمنى مصباحا كهربائيا. اخذت الوّح بيد واحدة ثم باليدين، لكن احدا لم يقف ربما لانَّ حركاتِ استغاثتي لم تسترعِ انتباه السائقين او ربما لأنهم لم يلحظوا وجودي في الظلام سيما وان بشرتي سمراء وبدلتي سوداء ومصباحي الكهربائي متهالك وقد استُنزفت جمّاعته(بطاريتُه) فبدا ضوءه باهتا كضوء ذبالةٍ شحَّ زيتُها او كلَمَعانِ "يراعة سراج الليل" في ليلة مقمرة.

اعترتني خيبةُ امل شديدة، ولسعتني ريحٌ جنوبية غربية باردة، وبلّلت ثيابي او كادت،  قطراتُ ماءٍ مؤذنةً بزخة مطرٍ وشيكة، فهرولتُ عائدا الى السيارة.  جلست خلف مقود السيارة. حانت مني التفاتةٌ الى لوحة اجهزة القياس(Dashboard) التي امامي. اذهلني الضوء الاحمر المُطِلّ من ساعة البنزين إيذانا بنضوب الوقود وما سيترتب على ذلك من شللٍ للمحرك وتفريغٍ للبطارية وإطفاءٍ للأضواء وانعدامٍ للتدفئة.  شعرت باحباطٍ كاد يجعلني اصرخ: "يا الله ما العمل؟!". لكني تمالكت نفسي ربما لاني لم ارد ان اسيء  الى زوجتي فازيد همّها غمًّا، او ربما لاني تذكرت البيتين التاليين من الشعر:

"ولربّ نازلة يضيق بها الفتى/ ذرعا وعند الله منها المخرجُ"

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها/ فُرجت وكنتُ اظنها لا تُفرجُ".

لقد دأبتُ على ترديد هذين البيتين في كل ازمة تعترض طريقي، فاستمدُّ منهما املا يعينني على تجاوز المحنة. هذا الامل المرجو سرعان ما تحقق هذه المرة ايضا، عندما لمحتُ في المرآة التي امامي اضواء سيارة تتقدم باتجاهنا لتقف خلف سيارتي، ولينزل منها سائقُها تاركا محركها شغالا واضواءَها مشتعلة... رأيتُ امامي شابا اسود البشرة مرتديا ملابس رياضة(training) ويبدو في اواخر العشرينات من عمره. خاطبني بلغة عبرية مكسّرة ذات لكنة امريكية واضحة، مستفسرا عمّا إذا كنتُ بحاجة الى مساعدة. اجبتُه بالانكليزية متلهفا: "طبعا، بكل تأكيد..." ومشيرا بسبابتي نحو العجَل المسطّح قائلا له: "اكون شاكرا لك إن ساعدتني...".

لقد شعرت براحة قلّما شعرتُ بمثلها، وانا ارى الرجل يشمّر عن ساعديه ليباشر العمل دونما تردّد. راقبتُ عمله وكأني اعيش حلما. كنتُ مشدوها ومتسائلا في آن واحد: " ما الدافع الذي جعله يقدّم لي هذه المساعدة؟ أهو مجرد صاحب نخوة؟ ام هو ممّن يأكلون خبزهم بعرق جبينهم؟ ام لعلّه واحد من اولئك الناس الذين يتحيّنون فرصة ضائقة الآخرين لتكسّبٍ إستغلالي؟...". هذه التساؤلات التي لا تخلو من ظنونٍ بعضُها إثم، حسَمَها ردُّ  فعلِ الرجل وهو يعتذر عن قبول اي مبلغ مقابل اتعابه ويجابه بلطفٍ اصراري على دسّ مبلغ من النقود في يده او في  جيبه. كما رفض ان يعرّفني بنفسه وهو ينسلُّ من بين يديّ باتجاه باب سيارته، قائلا لي قبل ان ينطلق بسرعة، جملةً قصيرةً اثارت استغرابي واتعبت بالي على امتداد اكثر من عقدين من الزمن. فماذا قال لي؟ ولماذا قال هذا؟ ومن هو هذا الرجل أصلا؟

عن كل ذلك واكثر ساتحدث في الحلقة القادمة...

[email protected]

14/7/2017

2017-07-21