الجمعة 30/1/1442 هـ الموافق 18/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
لمحة عن تطور الشعر العربي ....جواد لؤي العقاد

شهد الشعر العربي تطور من حيث الشكل والمضمون منذ زمن طويل،فمن حيث الشكل والقالب تعتبر الموشحات الأندلسية مثال عظيم في الشعر العربي قديماً ً وكذلك الثورة الشعرية في مطلع القرن العشرين حديثاً،أما من حيث المضمون فإن الشعر تعبير إنساني متغير ومرتبط بحياة الإنسان وتغيرها؛نجد أن شعر كل حقبة زمنية يختلف عن غيرها، وكذلك الشعر الذي قيل في الصحراء حيث القلق وعدم الاستقرار والترحال الدائم يختلف تماماً عن شعر المدن وربما يكون أجود ؛لأن القلق المنبع الفياض لشعور الإنسان،ولأن الشعر مرتبط بمزاج الإنسان وشعوره طبيعي أن يتطور ويواكب تطور الحياة كما الفنون الأخرى.

والحديث هنا عن الثورة الشعرية التي بدأت في القرن العشرين والتمرد على التقاليد الشعرية الكلاسيكية،فلما كان العروض الخليلي غير مقدس ووضع في فترة زمنية؛ لإحكام الشعر العربي بشكله التقليدي- نظام الأبيات- بحث الشعراء عن طرق أكثر حرية لكتابة تجلياتهم وهمومهم خاصة في ظل التحولات السياسية والاجتماعة في العالم العربي ووظيفة الشعر نقل الرسالة والفكرة بأسلوب بلاغي مجرد من لغة التواصل.

كانت تجربة الشاعرة العراقية (نازك الملائكة) المدخل الأول لشعر التفعيلة في قصيدتها (الكوليرا) وأنا أميل كثيراً إلى القول بريادة نازك الملائكة لهذا القالب الشعري ،وجاء بعدها السياب والبياتي ودرويش والقاسم وعبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور وأدونيس... ولكن السؤال كيف تقبل الشعراء والقراء هذا اللون الشعري المختلف تماماً عن تقاليد الشعر العربي؟؟

لا يمكن التقبل بسهولة إن لم تكن نفسية الشعراء مهيئة للتعامل مع اللون الشعري الجديد ؛ولهذا لا بد أن تكون هناك بدايات متواضعة وتنبؤات بظهور نسق شعري جديد.

وكانت الإرهاصات منذ القرن (العاشر ميلادي) وإن إتخذت تسميات مختلفة إلا أنها توحي لنفس المعنى (الشعر الحر) كما أطلقت عليه نارك الملائكة في كتابها (قضاياالشعر المعاصر) وأشارت نارك في الكتاب إلى أول إرهاص لشعر التفعيلة حيث قالت: " والواقع أن الشعر الحر ورد في تاريخنا العربي، وقد كشف الأدباء المعاصرون، ومن أوائلهم عبد الكريم الدجيلي في كتابه -البند في الأدب العربي - أن قصيدة من هذا الشعر وردت منسوبة إلى الشاعر ابن دريد في القرن الرابع الهجري (العاشر ميلادي) وقد رواها الباقلاني في كتابه "إعجاز القرآن" وأدرجها كما يدرج النثر الاعتيادي ".

وقالت( الملائكة) :إن شعر البند هو الشعر الحر ؛فهو يتمتع بالخصائص ذاتها من حيث البناء الشعري للنص. شعر البند مزيج بين تفعيلة الرمل والرجز،والنص الذي نسب لابن دريد مزج (الرملِ، الرجز، الهزج) ؛لذلك يرى الدجيلي أنه ليس بنداً وإنما يتلمس شكله. وقد أورد الدكتور أحمد مطلوب في كتابه -تاريخ النقد الأدبي في العراق - عام 1921 م. قصيدة بعنوان( بعد موتي) وأدرجها تحت عنوان( النظم الطليق) أرى أن هذه بداية واضحة لظهور شعر التفعيلة وحتى كلمة (الطليق) نفس معنى وإيحاء (الحر) .

وفيما بعد وردت بعض القصائد في الصحف والمجلات العربية . ولكن في عام 1947م تبلورت قصيدة التفعيلة (الشعر الحر) وكانت البداية الفعلية لها على يد نارك الملائكة، وأرى أنها رائدة هذا اللون الشعري ؛فقد كملت خصائص القصيدة على يدها.

ظهرت قصيدة النثر في القرن الماضي ومنحت الشاعر الحرية الأكبر، فالإنسان بطبعه يحب الحرية المطلقة،ومن خلال قصيدة النثر حاول الشعراء خلق فضاء أوسع للكلمة حيث لا قيود تحكم الخيال أبداً، فهذا اللون الشعري مساحة واسعة للتعبير، وقد تحدثت عن قصيدة النثر بشيء من التفصيل في مقال سابق بعنوان "قصيدة النثر والذائقة العربية" ولكن هنا سأتحدث ببساطة عن تطور قصيدة النثر. طبيعي أن يكون لقصيدة النثر بدايات أسست لها بشكلها التي تبلورت به فعلياً. قرأت في دراسة مطولة -حول قصيدة النثر - أن فن المقامات في الأدب العربي الذي انتشر في القرن الرابع الهجري إرهاص مبكر لقصيدة النثر، لكني أرى أن الأمر غير دقيق ؛فالمقامات جنس أدبي مختلف وله مميزاته الخاصة .

ويقول الكاتب أن للمقامات إيقاع يقارب الشعر،وأرى أن كلامه غير دقيق لأن قصيدة النثر المعروفة تخلو تماماً من الإيقاع التقليدي الخارجي.

البعض يعتقد أن (الشعر المنثور، النثر الشعري، قصيدة النثر) كلها مصطلحات تشير إلى نفس المعنى ولكن الصواب أن قصيدة النثر قبل أن تصل إلى شكلها ومفهومها الحالي على يد عدد من الشعراء العرب مرت بمسميات مختلفة (الشعر النثري، الشعر المنثور) بمعنى أن هذه المصطلحات بداية لقصيدة النثر وليست هي ذاتها .

قد أطلق جبرا إبراهيم جبرا مصطلح (الشعر الحر) على قصيدة النثر ولكن نازك الملائكة رفضت هذه التسمية ؛لأن مفهوم الشعر الحر مرتبط بالعروض بوجهة نظرها.

ولم تفرق نارك الملائكة بين مفهوم شعر التفعيلة والشعر الحر، والصحيح أن نقول تفعيلة ؛لاعتماده على وحدة التفعيلة. الشعر تعبير إنساني متغير لا يمكن إحكامه لا شكلاً ولا مضموناً،وهذه لمحة عن تطور الشعر العربي. جواد لؤي العقاد كاتب فلسطيني

2017-08-07