الجمعة 29/9/1441 هـ الموافق 22/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
مقاربة سياسية لبدايات التحول : حصيلة المعطيات السياسية ما بين الحرب الباردة وثورة الربيع العربي 'الحلقة الثانية' حمادة فراعنة

 

الدوافع الملحة

 

واجه الأردن والأردنيون طوال الحقبة الطويلة الماضية، ذات التحديات الكبيرة، والنتائج الوخيمة لنهايات الحرب الباردة، فضلاً عن مخاض الربيع العربي، جنباً الى جنب مع البلدان العربية التي عانت شعوبها من مجموعة العوامل والظواهر والمؤثرات التالية :

أولاً : اخفاق النخب العربية الحاكمة في استكمال خطوات الاستقلال السياسي والاقتصادي، حيث مازالت أغلبية البلاد العربية ترزح تحت وطأة المديونية، والعجز في الموازنة، واحتياجها للمساعدات المالية والاقتصادية المشروطة، مما افقدها القدرة على اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية غير المتعارضة مع المصالح الوطنية لكل بلد عربي، وغير المتوافقة مع المصالح القومية العليا للشعوب العربية.

ثانياً : ازدياد حدة الاستقطاب الاجتماعي بين الأثرياء والفقراء العرب، وبين الذين يملكون والذين لا يملكون، بسبب غياب قوانين وقيم ومعايير العدالة الاجتماعية، وتدني الخدمات الصحية والتعليمية والسكنية، وغيرها من الاحتياجات الضرورية.

ثالثاً : غياب الديمقراطية، والتعددية، وتداول السلطة، وعدم الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وسيطرة اللون الواحد، والعائلة، والطائفة والقومية الواحدة المتعصبة، على حساب المواطنة والأغلبية الجماهيرية، مخلفة التسلط والأحادية والفردية والأنانية والزعيم والقائد الفذ.

رابعاً : الفشل في التوصل إلى صيغ وبرامج الوحدة العربية، والشراكة، وعدم تغليب المصلحة القومية على المصالح القطرية.

تلك هي الخلفيات والعوامل السياسية والمحفزات الموضوعية التي فجرت ثورة الربيع العربي، إضافة إلى عوامل أخرى، دافعة للحراك الجماهير، وهو ما أسهم في العمل على إنضاج هذه الثورة الشعبية العابرة للحدود، وذلك على النحو التالي:

أولاً : استنفاذ مهام النظام العربي ووظائفه لدى الأميركيين والأوروبيين بعد انتهاء الحرب الباردة، حيث باتت أطراف النظام العربي عبئاً ثقيلاً على الدول المانحة، بدون جدوى مفيدة تقدمها الأنظمة العربية للمصالح الأميركية والأوروبية، التي باتت بدورها مؤمنة ومضمونة، بعد هزيمة المعسكر الاشتراكي، فلم يعد هناك ما يهدد المصالح الأميركية والأوروبية في منطقتنا، والمتمثلة بتدفق النفط، وأمن المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، والحفاظ على السوق الاستهلاكي العربي للسلع والبضائع الأميركية، وأخيراً الاحتفاظ بالمال العربي في صناديق الاستثمارات وسندات الخزينة لدى البلدان الصناعية المتطورة.

ثانياً : إفراز النظام العربي لأربع مفردات هي : التطرف والإرهاب والعداء للغرب والأصولية، مما زاد من رفض الأميركيين والأوروبيين، لأطراف النظام الذي استنفذ أغراضه، فعملت الولايات المتحدة عبر نظرية كونداليزا رايس “ الفوضى الخلاقة “ على إنهاء هذا النظام واستبداله بنظامين بديلين هما : أولاً نظام الحكومات البرلمانية الحزبية للأنظمة الملكية، وثانياً رؤساء منتخبين للأنظمة الجمهورية.

 

ثورة الربيع العربي 2011

 

لم تكن ثورة الربيع العربي مستوردة، ولم تكن دوافعها مفتعلة، بل كانت موضوعية، تجاوبت معها الجماهير للخروج إلى الشوارع بشكل غير مسبوق، لأن دوافعها ملحة، وتطلعاتها مشروعة، ولكن عوامل نجاح ثورة التغيير لم تكن مكتملة، حتى وإن توفر لها العامل الموضوعي الأول المحفز نحو الحراك والاحتجاجات وصولاً للتغيير المطلوب، فالعامل الموضوعي وحده غير كاف لاحداث التغيير المنشود وفرضه، بل يتطلب تكامله مع الشرط الثاني وهو العامل الذاتي المحرك، فالعوامل الذاتية المحركة للأحداث والاحتجاجات الجماهيرية، والقائدة لحركة الشارع لم تكن بمستوى فاعليات الشارع وليست في أهميتها وزخمها وتطلعاتها.

 فالذين قادوا المظاهرات والاحتجاجات ووضعوا الشعارات وحددوا الأهداف هم قادة مؤسسات المجتمع المدني في تونس ومصر وليبيا، ممن يفتقدون للوعي السياسي، وثقافة الأولويات، وإدارة العمل الكفاحي، بديلاً عن الأحزاب اليسارية والقومية والليبرالية الضيقة القواعد، وغياب هذه الاحزاب وضعفها يعود إلى سنوات طويلة من البطش، والمنع من العمل، والحرمان من أي شكل من أشكال النضال العلني والمشروع، طوال مرحلة الحرب الباردة.

 وتتفاوت المعطيات من بلد عربي لآخر، ولكن السمة الغالبة هي فقدان الدور المبادر لهذه الاتجاهات السياسية، وزادت متاعبها بعد انتصار المعسكر الأميركي الأوروبي الإسرائيلي ونجاحه في الحرب الباردة، وهزيمة الشيوعية والاشتراكية والاتحاد السوفيتي، وقد انعكس ذلك مباشرة على الأحزاب اليسارية والقومية في العالم العربي، بينما تحقق لمعسكر وأحزاب التيار الإسلامي الحظوة وحرية والعمل والنشاط في الأردن وبلدان الخليج العربي، والسودان، وفي مصر السادات بعد حركته في مايو 1971، حينما انقض على الناصريين واليساريين وتحالف مع الإخوان المسلمين، وأتى بهم من المنافي بعد معاناة المطاردة في عهد عبد الناصر.

لقد انفجرت ثورة الربيع العربي في ظل صعود وحظوة أحزاب التيار الإسلامي ونفوذهم العلني، ومشاركتهم في مؤسسات صنع القرار وخاصة حركة الإخوان المسلمين وأحزاب ولاية الفقيه، سواء في مصر والأردن ولبنان والعراق وفلسطين او في اليمن والسودان والجزائر والمغرب وموريتانيا، ولذلك لم تكن أحزاب التيار الإسلامي معنية بالتصادم مع الأنظمة الحاكمة وقيادة حركة الشارع، ولم تكن لديها الثقة أن حركة الشارع قادرة على إجراء التغيير المطلوب، ولهذا انفردت مؤسسات المجتمع المدني في إدارة احتجاجات الشارع وقيادتها، لما تتمتع به من واقعية، وبما تحمله من شعارات تستجيب لقيم العصر والديمقراطية وحقوق الإنسان، والدعوة إلى الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، ومشاركة المرأة والشباب، وامتلاكها للعلاقة الوطيدة مع مؤسسات أميركية وأوروبية داعمة وفرت لها الحماية، والإسناد المالي، والتغطية السياسية، وكبح جماح الأنظمة الحاكمة من محاولات التعدي عليها.

منذ بدايات الانفجار ونزول الجماهير إلى الشارع، وازدياد الاحتجاجات الشعبية التي بدت وكأنها منظمة، ظهر عاملان متلازمان وفرا النجاح لاستمرارية الاحتجاجات وهما :

أولاً : حماية دولية مصاحبة لحركة الاحتجاجات عبر تصريحات من قبل قيادات الولايات المتحدة وأوروبا تستهدف عدم المساس بحركة الشارع وقياداته المدنية.

وثانياً : مبادرة الجيش في كل من تونس ومصر على حماية المتظاهرين وحماية مؤسسات الدولة من المس بها وتجنيبها الانهيار، ناهيك عن مبادرة الجيش في التجاوب مع مطالب التغيير استجابته للمظاهرات الشعبية، تجاوباً مع الغطاء الدولي، فتوفر للمؤسسة العسكرية القرار، فبادر قائد الجيش المصري حسين الطنطاوي بشجاعة الإقدام على توقيف رئيسه حسني مبارك وطرده، مثلما توفر الظرف والدافع نفسه لقائد الجيش التونسي رشيد عمار، فأقال رئيسه زين العابدين بن علي وسفّره، ونالت تلك الإجراءات رضى الأميركيين وحلفائهم فتعاملوا مع هذه المعطيات باعتبارها ثورة شعبية قامت بها الجماهير استجابة لمصالحها ومطالبها وحرية اختيارها.

العوامل نفسها لعبت دوراً تحريضياً في حركة الشارع، مع توفر الغطاء الدولي في ليبيا، ولكن الجيش الممسوك من جانب اسرة معمر القذافي لم يتجاوب مع عاملي المظاهرات والتحريض الدولي، فأقدمت الولايات المتحدة بنفسها على التدخل العسكري المباشر لإسقاط نظام العقيد خشية عدم نجاح الاحتجاجات الشعبية الليبية، ومن ثم إحباط نظرية الفوضى الخلاقة.

في سوريا، إضافة إلى عدم تجاوب الجيش مع مظاهرات الشارع، تدخل الجيش وعمل على قمعها، فقد انقسم القرار الدولي الذي كان موحداً في تعامله مع ليبيا مثلما سبق وكان موحداً في تعامله مع العراق، انقسم القرار الدولي بشأن سوريا بين أميركا وأوروبا من طرف، وروسيا والصين من طرف أخر، كما انقسم القرار الإقليمي نحو سوريا من قبل تركيا والخليجيين من طرف، وإيران وأتباعها في العراق ولبنان من طرف أخر، وهذا ما يُفسر استمرار المواجهة والاستنزاف والمعارك لسنوات طويلة، لا النظام استطاع إنهاء المعارضة المسلحة المدعومة، ولا المعارضة نجحت في إسقاط النظام الذي توفرت له أسباب الصمود والاستمرار والمواجهة من قبل حلفائه الدوليين والإقليميين.

ولذلك ينطبق على سوريا قانون التسويات، بعد فشل الربيع العربي والمعارضة المسلحة في الإطاحة بالنظام، بحيث يفرض على المهزوم التوصل إلى اتفاق مع المنتصر، وهذا لم يحصل لأن طرفي الصراع لم يستطع أحدهما هزيمة الأخر، والبديل عن هذه النتيجة، هو توصل الطرفين إلى تفاهمات متوازنة تعكس موازين القوى بينهما، وهذا ما سيحصل في سوريا، بعد أن توصل الروس إلى تفاهمات أدت إلى وقف تدفق شحنات الأسلحة الأميركية إلى قوى المعارضة السورية، وإغلاق الحدود التركية ضد تدفق المتطوعين الأجانب لصفوف المعارضة الجهادية، وهذه التفاهمات والنتائج هي بداية التحول نحو معالجة الصراع السوري على طريق وقفه.

 

الأردن والربيع العربي

 

الربيع العربي كان قادما إلى الشرق من تونس ومصر وليبيا، بعد أن حقق نجاحات ونتائج هناك، ولكنه توقف في المحطة السورية وتحول إلى جريمة وخراب واستهداف مقصود على أيدي قوى متطرفة تختلف في درجة تطرفها ما بين الإخوان المسلمين الأكثر واقعية، إلى القاعدة وتنظيم الدولة داعش الأكثر تطرفاً وبشاعة وعدوانية، ولكننا نجد في المحصلة أن الإخوان المسلمين وداعش والقاعدة لا يؤمنون بالتعددية، ولا يحترمون الأخر، ويرفضون الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، تماماً كما حصل في غزة منذ تولي حماس للسلطة منفردة لأكثر من عشر سنوات، مما يدلل على أن تنظيمات التيار الإسلامي من طينة فكرية وسلوكية واحدة.

وقد انعكس ذلك كله على وعي الأردنيين الذين ورثوا مقدمات الربيع العربي، فاندفعوا باتجاهه، غير انه عندما تحول الربيع إلى كوارث، تمهلوا وتحفظوا وتراجعوا، ممسكين بالأمن الوطني أولاً وقبل أي شيء أخر، ووضعوه في مركز الأولوية الاولى على ما عداه من مطالب وتطلعات، فقد واجه الأردن ثلاثة عناوين أمنية هي :

1 – محاولات التسلل واختراق الحدود من قبل داعش والقاعدة، وقد تم إحباطها بفعل يقظة قوات حرس الحدود والجيش والأجهزة الإلكترونية المتطورة.

2 – خلايا كامنة تنتظر تعليمات التنفيذ وقد تم إحباط أغلبها وخاصة في أربد والكرك، وإن استطاع بعض الأفراد تنفيذ بعض العمليات المنفردة المعزولة.

3 – مشاكل جنائية متفاقمة نتيجة الفقر وضيق الحال والتوتر والاحتقان، وتهريب السلاح والمخدرات وهي على الأغلب أحد أبرز المظاهر المرضية الناجمة عن المعاناة والعوز والبطالة، ومع ذلك رفض الأردنيون الهروب من تحت المزراب ليقعوا تحت الدلف، فانتصر وعيهم، ورفضوا التجاوب مع مظاهر الربيع العربي الدموي المدمر، وتجاوبوا مع برنامج الإصلاحات المعلنة عام 2011، مع لجنة تعديل الدستور التي أنجحها الراحل أحمد اللوزي، ومع لجنة الحوار الوطني التي قادها طاهر المصري، ومع اللجنة الاقتصادية الاجتماعية التي رأسها هاني الملقي، باتجاه تحقيق جملة إصلاحات دستورية وقانونية وسياسية واقتصادية جوهرها :

1- حكومات برلمانية حزبية، 2- قانون انتخاب يعتمد المواطنة والقائمة الوطنية، ولكن لا هذه تحققت ولا تلك، بسبب قوة شرائح الشد العكسي التي تعمل على الحفاظ على مصالحها ونفوذها ووظائفها وتناسل أولادها، ولأنها متضررة من الإصلاحات، فهي لا تستجيب لها وعملت على عرقلة خطواتها وإجراءاتها ولا زالت، بينما في بلد ملكي مماثل لدى المملكة المغربية نجحت خطوات الربيع العربي، فجرى الاستفتاء على الدستور في الأول من تموز 2011، وجرت الانتخابات في 23 تشرين الثاني من نفس العام، وتم تكليف عبد الإله بن كيران بتشكيل الحكومة باعتباره صاحب الكتلة البرلمانية الأكبر، وتجددت الانتخابات للمرة الثانية يوم 7 تشرين أول عام 2016، وفاز بها للمرة الثانية حزب الأغلبية “العدالة والتنمية الإسلامي” ليشكل حكومتها سعد الدين العثماني مع قوائم ائتلافية من كتل برلمانية اخرى، لتدلل بذلك على استقرار المغرب ونجاحه في الامتحان وفي مواجهة التحديات.

[email protected]

* كاتب سياسي مختص بالشؤون الفلسطينية والإسرائيلية

2017-08-29