الثلاثاء 26/9/1441 هـ الموافق 19/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
وقــاحـــة عـــدوانيـــة زائــــدة ...حمادة فراعنة

رؤية لمسلسل القصف الإسرائيلي لسوريا :

وقــاحـــة عـــدوانيـــة زائــــدة

مساعــدة المعارضــة لإفشال الحل السيـاسي

حمادة فراعنة *

تتبجح سوريا، وتحتج على قصف الجيش الإسرائيلي لموقع سوري بالصواريخ، مع أن ذلك لم يحصل للمرة الأولى، فقد سبق ذلك عشرات المرات طوال السنوات الماضية منذ انفجار الأحداث الدامية التدميرية التي اجتاحت سوريا، وهو إجراء دفاعي غير معزول، بل هو مكمل لما لم تتمكن منه المعارضة السورية المسلحة، أي أن ما عجزت المعارضة السورية عن تحقيقه يتبرع الجيش الإسرائيلي المتمكن من تحقيقه، فالمصالح مشتركة بين إسرائيل اليهودية وبين المعارضة السورية العربية الإسلامية، فلماذا الاحتجاج من قبل النظام ؟؟ .

سوريا تحتل أراضي إسرائيلية، وزيادة في تبجحها تُطالب بأرض الجولان الإسرائيلية، التي سبق لجيش الدفاع الإسرائيلي أن حررها من جيش سوريا المعتدي، الذي لازال يحتل مساحات من أرض إسرائيل، ويهدد أمنها وسلمية خياراتها، كدولة مسالمة، قواتها لا تتعدى حدودها الضيقة فقط، وإذا حصل ذلك، تكون إسرائيل مضطرة، نظراً للموبقات التي ترتكب بحق المواطنين الإسرائيليين على الأرض الإسرائيلية التي مازالت تحتلها سوريا المعتدية، عُنوة واغتصاباً وتطرفاً، رغم كل القرارات الدولية التي تُسلم أن أرض إسرائيل مازالت محتلة من قبل أكثر من بلد عربي !! .

كم إسرائيلي قتل الجيش العربي السوري، وبشع بهم، وهم غلابي مساكين، لا حول لهم ولا قوة، يرضون بالكفاف، والكفاف العربي لا يقبل بهم، فقد هربوا من النازية في أوروبا ليستقبلهم الجيش العربي السوري بالمذابح، “يا حرام”، وأكثر من ذلك لا يقبل بهم أن يبقوا على أرضهم التي تحتلها سوريا منذ عشرات السنين !! .

 

دعم خيارات المعارضة

 

إسرائيل تعلن عن نفسها دولة دفاعية سلمية، انسجاما مع قرارات الأمم المتحدة، وهي محاطة بالأعداء الذين يتربصون بها، ولهذا تضع الأمم المتحدة أصحاب القبعات الزرقاء من أجل توفير الحماية الاحترازية لها من المحاولات المتكررة التي تستهدفها، ولذلك بادرت لقصف موقع عسكري سوري؛ لأن لدى سوريا نوايا عدوانية مبيتة للمس بأمن إسرائيل ومواطنيها، وقد كشفت المعارضة السورية وثائق مصدقة تشير إلى أن سوريا تعمل على احتلال المزيد من الأراضي الإسرائيلية، ورداً على هذه الوثائق والمخططات قصفت هذا الموقع بالصواريخ وإن كان بعيداً نسبياً عن الحدود المشتركة المصطنعة، ولكن ثمة هدفا أخر لعملية القصف، كما كان طوال السنوات الماضية يكمن في نوايا إسرائيل النبيلة التي تستهدف مساعدة الشعب السوري للتخلص من الحكم الديكتاتوري الذي يفرض نفسه على سوريا ويتحكم بقراراتها.

إسرائيل دولة مدنية ديمقراطية سلمية، ولهذا قدمت المساعدة المتاحة عندها للمعارضة السورية، ورفضت التدخل المباشر في الحرب الأهلية، ولم تسمح للمتطوعين المسلمين المجاهدين القادمين من أوروبا المرور من أراضيها للقتال في سوريا، خاصة وأن هذه المهمة النبيلة تركتها تل أبيب للدولة التركية المسلمة كي تؤدي واجبها الأممي عبر فتح حدودها لكافة المتطوعين القادمين من 70 بلداً جاءوا لمساعدة الشعب السوري الذي ثبت أنه مازال جاهلاً ممسكاً بنظامه السياسي، وسبب ذلك يعود إلى فشل تمزيق الجيش السوري الذي بقي موحداً، باستثناء بعضهم أثبت أنه واعياً مدركاً ولكنهم بالعشرات أو بالمئات فقط، ولكن المضللين وهم مع الأسف بعشرات الالاف من جنود وضباط سوريا وهم من كافة الطوائف بقوا جهلة ولم يتجاوبوا مع حملة إسرائيل مع المعارضة السورية، وبقوا في وحداتهم يقاتلون دفاعاً عن النظام وينتظرون من يحررهم من النظام سواء بقوة المعارضة المدعومة أو بقوة إسرائيل المتفوقة !! .

إسرائيل تتحمل مسؤولية قومية وأخلاقية ودينية، ولهذا تستجيب مع هذه المسؤوليات فتكون مضطرة لأداء دور دفاعي في مساعدة المعارضة السورية المسلحة، ولذلك تقوم بعمليات منتقاة حتى لا تمس بالأفراد ولهذا السبب كانت الإصابات جراء القصف محدودة، ليس بفعل التكنيك العسكري السوري، أو لحرص قيادة الجيش السوري وخبراته في حماية جنوده وضباطه، بل إن القصف الإسرائيلي ذكي يستهدف المنشأت وليس الأفراد السوريين، ودلالة ذلك أن إسرائيل فتحت مستشفياتها وقدمت خبراتها واستقبلت بعضا من رموز المعارضة النقية الوطنية القومية المتدينة الحريصة على الأمن المشترك السوري الإسرائيلي، وعلى التعاون وحُسن الجوار، وهي تختلف عن أطماع رأس النظام كما سبق وكان والده من قبله، يطمع في الاستيلاء على أرض الجولان التي حررها الجيش الإسرائيلي، ولأنه أخلاقي سمح للسوريين بالرحيل الاختياري من الجولان، وسمح لبعض السوريين الذين رغبوا بالبقاء في الجولان كي يتمتعوا بالمواهب الإسرائيلية، حتى ولو رفضوا التجاوب بحمل الهوية الإسرائيلية وواصلوا التمسك بهوتيهم الوطنية السورية دلالة إضافية على احترام إسرائيل لحق الاختيار للأخرين !! . 

 

مجرد حُسن نوايا

 

ودلالة أكثر على حُسن نوايا إسرائيل أنها تحتفظ كأمانة لحين الطلب لأراض لبنانية وسورية وفلسطينية بهدف تطويرها وإعادة تسليمها إلى أصحابها بعد تطهيرها من الشرور والأشواك العالقة وبعد تخليص اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين من أثار التخلف والتعصب والعنصرية المعادية لليهود الذين أثبتوا خلال وقائع التاريخ قدرتهم على التكيف والاندماج مع الشعوب الأخرى، وزادوا ذلك وعياً بعد ولادة الحركة الصهيونية، ذلك أنهم الديانة الوحيدة التي لا تسعى لتجنيد الأخرين، كما تفعل المسيحية عبر الحملات التبشيرية، وكما يفعل المسلمون عبر حملات الدعاة والأسلمة، بينما حاخامات اليهود لا يرتجون تهويد المسلم أو المسيحي، وإضافته إلى اليهودية، فهم مكتفون “شبعانين”، ويكتفون بالعمل على تهويد المعالم في القدس، وتخليصها مما علق بها من أثار ومقدسات إسلامية ومسيحية، وهم دائماً يتعاونون مع الأخرين، ألم يتعاونوا مع الرومان وسلموهم السيد المسيح، وتم صلبه عقاباً له على دعوته للناس؟، ولا ذنب لهم أن أتباع السيد المسيح بطرس وغيره، هربوا ونشروا المسيحية، رغم أنف قادة اليهود المتعاونين مع الرومان الأجانب الذين جاءوا من أوروبا بهدف نشر العلم والثقافة والتطوير، كما فعل أحفادهم بعد مئات السنين من فرنسا وبريطانيا وغيرهم لتحرير العرب من التسلط العثماني، ونجحوا وبدلاً من مساعدة العرب لإقامة دولتهم، صنعوا لهم أكثر من عشرين دولة دلالة الكرم والمساعدة، من أجل الإسراع والتسهيل، وهذا ما يُفسر دوافع سايكس بيكو التي فضحها الشيوعيون ونشروها حينما استولوا على وثائق الخارجية الروسية بعد نجاحهم في إسقاط حكم القيصر وإقامة اشتراكيتهم ودولتهم السوفيتية ! .

ألا تستحق إسرائيل الشكر بعد أن رفض الشقيق الأردني الاستجابة للتدخل والعمل على المساعدة لإسقاط النظام ورفع شعار “ الحل السياسي “ للأزمة السورية منذ بداية الأحداث في أذار 2011، فها هي إسرائيل تقوم بما استنكف عنه الأردن، فالحل السياسي الذي سبق للأردن وأن انفرد به، بات شعاراً ومطلباً عالمياً، لدى الروس والأميركيين، وها هي إسرائيل تسعى لكسره، وإبقاء الحل العسكري حياً مطروحاً مقبولاً لعل المعارضة تدرك أهميته وتتوحد بعد طول انتظار !!

وها هي إسرائيل تمنحهم الفرصة ومواصلة الخيار العسكري للمعارضة المسلحة بعد أن فشلوا في إسقاط النظام وبعد أن فشلت كل الأطراف لتحقيق هذا الهدف، مع أنهم دمروا سوريا وخربوا منشأتها وبقي النظام، وها هي إسرائيل تعطيهم الأمل أن الخيار العسكري مازال مطروحاً، وها هي تنفذ أجندته عملياً وتتباهى في ذلك، تأكيداً على مصداقية موقفها، من دون حرج!.

فماذا تفعل إسرائيل المسالمة بجيشها الدفاعي لمساعدة الشعب السوري بعد فشل المعارضة في إسقاط النظام ودمار سوريا وخرابها، ولذلك بات على إسرائيل تدمير الجيش السوري وتحصيناته التي لم تصلها أيادي المجاهدين السوريين الأفذاذ، الذين فشلوا فيما ذهبوا إليه!.

 

والحقيقة هي

 

 السطر الأخير هل ثمة وقاحة أكثر من ذلك؟؟ وهل ثمة سياسة مفضوحة أكثر من ذلك؟؟ وهل ثمة معارضة ذليلة أكثر من ذلك؟ وهل ثمة حوافز لدى الشعب والجيش والنظام لأن يبقوا في خندق واحد في مواجهة المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي وأدواته وأذنابه أكثر من ذلك؟؟.

ممارسة القرصنة والبطش والعدوان والتوسع والاحتلال هي عناوين وصف الفعل الإسرائيلي في سماء غزة ولبنان وسوريا، وهي تحتل أراضي ثلاثة بلدان عربية، عينك عينك، ولا تجد من يردعها قانونياً وسياسياً وحضارياً وعربياً ودولياً، ترفض قرارات الأمم المتحدة، تنتهك الشرعية الدولية، لا تحترم قواعد القانون الدولي، دولة مارقة ، خارجة عن القانون، في كل مكان، في تعاملها مع مواطنيها من فلسطينيي مناطق 48، لأنهم ليسوا يهوداً، وتتعامل مع أهل القدس دون حقوق؛ لأنهم من العرب والمسلمين والمسيحيين والفلسطينيين، وتفرض قوانين عنصرية مختلفة على المناطق بمعايير عنصرية متناقضة كما وصفها ريتشارد فولك مفوض حقوق الإنسان السابق في فلسطين، مع أنه يهودي، ولكنه غير صهيوني يرفض الاحتلال والتمييز والعنصرية، والتزم بما جاء من أجله، كمفوض للأمم المتحدة، كمعتمد في فلسطين، وتم إقالته، كما فعلوا مع ريما خلف .

 

[email protected]

* كاتب سياسي مختص بالشؤون الفلسطينية والاسرائيلية

2017-09-25