الجمعة 29/9/1441 هـ الموافق 22/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
حصيلة المعطيات السياسية ما بين الحرب الباردة وثورة الربيع العربي - الحلقة الثالثة ...حمادة فراعنة

قراءة سياسية لبدايات التحول :

حصيلة المعطيات السياسية ما بين الحرب الباردة وثورة الربيع العربي

الحلقة الثالثة

حمادة فراعنة

لم تكن بلدان الخليج العربي ، محصنة من إفرازات ثورة الربيع وإرهاصاته ، فقد تشكلت العوامل الموضوعية ونضجت بإسهام مباشر وبتأثير قوي من قبل سياسات بلدان الخليج العربي وثرواته ، التي تميزت في تدخلاتها المباشرة بأغلبية عناوين الصراع بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي ، بين السوفيت والأميركيين ذلك لأن المنظومة الخليجية لم تكن محايدة طوال مرحلة الحرب الباردة ، بل كانت شريكاً مباشراً في الحملة العالمية ضد الشيوعية والاشتراكية ، من خلال دعمها لأحزاب التيار الإسلامي العابرة للحدود ، وتوظيفها كرافعة في مواجهة قوى اليسار والقومية والليبرالية ، وتبني الفصائل الجهادية وتمويلها في أفغانستان وغيرها من المواقع بما يتفق مع التوجهات الأميركية ومصالحهما السياسية والأمنية المشتركة .

وعليه لم تسلم بلدان الخليج العربي من تحمل مسؤولية نمو أحزاب التيار الإسلامي وإتساع نفوذها ، بعد أحداث سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة وغيرها من الهجمات التي استهدفت الأميركيين ومؤسساتهم على امتداد العالم ، ولهذا السبب لم تكن بلدان الخليج العربي خارج الاهتمام الأميركي لتشملها نظرية الفوضى الخلاقة عبر المطالبة بتنشيط الحياة العامة ، وعمل مؤسسات المجتمع المدني ، والتركيز على فكرة الملكيات الدستورية وحكوماتها البرلمانية .

بلدان الخليج العربي  من جانبها لم تتردد بعد حراكات الربيع العربي الشعبية 2011 ، من فك إرتباطها مع أحزاب التيار الإسلامي الأربعة : داعش والقاعدة وأحزاب ولاية الفقيه والإخوان المسلمين والتصدي لها والتخلص منها ، وقد إستعملوا هامش المال الواسع والعمل على كبح جماح أي تحرك جماهيري معارض لأنظمتهم الحاكمة ، وقد أسهموا فعلياً في إخفاق مشروع الإخوان المسلمين بدعمهم المباشر لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر بعد ثورة يونيو 2013 ، وفي الوقوف ضد التحالف السياسي الذي وقع بين حزب أنصار الله الحوثي وحزب المؤتمر الشعبي الذي يقوده الرئيس السابق علي عبد الله صالح ، في اليمن ، وفي غيرها من المواقع والبلدان بهدف كبح جماح أحزاب التيار السياسي الإسلامي كالبحرين مثلاً ، خشية أن تكون هذه الأحزاب البديلة لأنظمتهم، وضغطوا على بلدان عربية لأخراج الاخوان المسلمين عن الشرعية القانونية والعمل على شيطنتهم.

السياسة الأميركية نحو أحزاب التيار الإسلامي العابرة للحدود تغيرت بين عهد أوباما ، عن عهد ترامب ، ففي ولايتي أوباما وقع التفاهم بين إدارته وكل من الإخوان المسلمين وأحزاب ولاية الفقيه والتوصل إلى الإتفاق النووي مع إيران وقد عبر عن ذلك د . أحمد ربيع غزالي عضو مجلس شورى حركة الإخوان المسلمين في كتابه " ألغام في منهج الإخوان " الذي قدم له مختار نوح عضو قيادة الجماعة صفحة 26 قوله حرفياً " متابعة سلوك الجماعة بعد الثورة ( المقصود ثورة يناير 2011 ) كشف عن إتفاق كوني كان يدور في الخفاء منذ عشر سنوات بين قيادة الجماعة في الداخل والخارج من جهة وبين الولايات المتحدة الأميركية وساستها من جهة أخرى ، وأصبح علنيًّا بعد الثورة (في عهد الرئيس مرسي)، فإذا ما عرفنا أن الولايات المتحدة هي راعية المصالح الإسرائيلية ومنفذة لأهداف الصهيونية ، فإن أي اتفاق كان سيتم مع قيادة الإخوان فإنه يقتضي لزوماً مراعاة مصالح إسرائيل في المنطقة ، والذي يقتضي بالتالي نزول قيادة الجماعة عن مبادئها الدعوية وعن الثوابت الإسلامية بإتمام  الاتفاق البناء مع العم سام " . من كتاب صادر عن دار سما القاهرة آيار 2014 .

إدارة ترامب على خلاف من موقف إدارة أوباما ، فقد كشرت عن أنيابها ، في مواجهة إيران ، وأحزاب ولاية الفقيه ، وحركة الإخوان المسلمين ، وإخراجهم عن الشرعية وربطهم بالإرهاب ، وتم ذلك نزولاً لدى السياسة الإسرائيلية المتطرفة ، وتحريض اللوبي اليهودي الصهيوني في الولايات المتحدة ، وقد توافق ذلك مع سياسات بلدان الخليج العربي التي وجدت أن التفاهمات الأميركية السابقة في عهد أوباما مع أحزاب ولاية الفقيه والإخوان المسلمين والإتفاق مع إيران ، تم على حسابها ، وضد مصالحها الداخلية وأمنها الوطني ، ولذلك إنبرى الخليجيون بإستثناء قطر لمواجهة هذه الأحزاب والتصدي لها .

                                  

تحولات مدمرة

التطور في الموقف لدى إدارة ترامب ، إستجابة للضغوط الصهيونية الإسرائيلية ، وجد التجاوب لدى الخليجيين ، فوقع التفاهم بينهما واضحاً في قمم الرياض الثلاثة : 1- السعودي الأميركي ، و2- الخليجي الأميركي ، و3- الإسلامي الأميركي ، في 20 و 21 و 22 أيار 2017 ، وعليه يمكن الاستدلال على أهمية هذا التفاهم والنتائج التي إنعكست في بياناتها وخاصة القمة الأميركية الإسلامية ، التي ذهبت بعيداً عن تناول القضية الفلسطينية ، والصراع العربي الإسرائيلي ، واحتلال المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي لأراضي ثلاثة بلدان عربية ، أو وضع خطة عمل لمواجهة إجراءاته الاستفزازية المباشرة ، في عمله المتواصل لتهويد القدس وأسرلة ما تبقى من فلسطين ، والمس بالمقدسات الإسلامية والمسيحية ، وإدعاء الشراكة في الحرم القدسي الشريف ونزع الصفة الإسلامية عن المسجد الأقصى من خلال محاولات فرض التقاسم الزماني والمكاني على محتوياته ، بما يتعارض هذا كله مع القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة ، وتحويل الاهتمام العربي والإسلامي عن العدو القومي الاستعماري التوسعي الإسرائيلي ، ونقل هذا الاهتمام نحو التركيز على إيران والإخوان المسلمين ، ولم يكن ذلك صدفة ، بل وفق نهج وسياسة أميركية مفروضة بطلب إسرائيلي مباشر، وقد تم ذلك إنعكاساً وترجمة لمعطيات الربيع العربي الأقليمية.

فقد تحدثت القمة التي حضرها قادة أربعة وخمسين دولة إسلامية مع الرئيس الأميركي ترامب عن عناوين مثلت مضامينها " إنعطافاً تاريخياً " في علاقة العالمين العربي والإسلامي مع الولايات المتحدة وفق نص البيان الذي تضمن العناوين التالية  :

1 – الشراكة الوثيقة لمواجهة التطرف والإرهاب .

2 – تعزيز التعايش والتسامح البناء بين مختلف الدول والأديان والثقافات .

3 – التصدي للأجندات المذهبية والتدخل في شؤون الدول .

4 – مواجهة القرصنة وحماية الملاحة .

5 – أليات المتابعة .

وبدون أي تطرق من قريب أو بعيد لفلسطين وقضيتها ومقدساتها وضرورة معالجة أوضاعها بإعتباره راعي القمة ومستضيفها ، إقتصر خطاب الملك سلمان بن عبد العزيز في حفل إفتتاح القمة الأميركية الإسلامية الذي تحدث عن مختلف القضايا العربية والدولية بخطاب بلغ 972 كلمة ، إقتصر الإهتمام بقضية فلسطين نصاً على فقرة محدودة جاء فيها " إننا نشدد على أن تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين مطلب عادل وضروري ، ويتطلب تضحيات مشتركة وعزيمة صادقة من أجل صالح الجميع " بما لا يتجاوز 22 كلمة ، وهو يعكس مدى التراجع الذي أصاب القضية الفلسطينية لدى أحد أهم البلدان العربية ، وكانت مقدماته فاقعة من خلال تصويت أربعة من البلدان العربية منها ثلاثة خليجية لصالح إنضمام المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي لعضوية لجنة الإستخدامات السلمية للفضاء يوم 29/12/2015 ، لدى الأمم المتحدة ، وصوتت نفس البلدان لصالح فوز تل أبيب لرئاسة اللجنة القانونية في الأمم المتحدة يوم 13/6/2016 ، مما يعكس التحول السلبي في مواقف هذه البلدان من فلسطين نحو التعامل وتطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي .

نتائج القمة الأميركية الإسلامية وصفت على أنها تاريخية وخرجت برؤى إستراتيجية مشتركة مع الولايات المتحدة ، ولكنها مخيبة للأمال ، ليس فقط لأنها لم تتعرض للقضية الفلسطينية بما تستحق بإعتبارها قضية العرب والمسلمين المركزية ، بل لأن إهتمامها إندفع بإتجاه إبراز إيران بإعتبارها العدو الأساسي للعرب ، إضافة إلى الإرهاب وتنظيماته القاعدة وداعش ، وأضافوا لهم حزب أنصار الله الحوثيين، والإخوان المسلمين، وحركة حماس الفلسطينية ، بما يصل إلى نتيجة حصيلتها زيادة تمزيق الجسم العربي وتدمير محتوياته ، وقد برزت تجلياته في أعقاب القمة الأميركية الاسلامية مباشرة في الإنقسام الحاد الذي صاب مجلس التعاون لبلدان الخليج العربي نفسه وتفرقه بين ثلاثة مواقف: الأول وتمثله السعودية والإمارات والبحرين في معسكر سياسي واحد ، والثاني معسكر محايد من الكويت وعمان ، والثالث قطر ، وبما حمل ذلك من صراعات سياسية وتأكل قدراتها ، وتهميشاً لدورها ، وجعلها في حالة إصطفافات متعارضة تستنزف مواردها .

قدرات مجلس التعاون

مجلس التعاون الخليجي كمؤسسة سياسية وتنظيمية وشكل من أشكال الوحدة ، مستهدفة لذاتها ، رغم سياساتها المعتدلة ، فكما حصل للعراق وسوريا وليبيا حين نجحت الولايات المتحدة في تدمير هذه البلدان وإحتلالها وتمزيقها ، خدمة لأغراض وأهداف المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي وتعزيزها ، تتعرض مجموعة البلدان الخليجية لحالة إستهداف مقصودة نظراً لما تملكه من قدرات وإمكانات ، فقد بلغ اجمالي الناتج المحلي الإجمالي لبلدان مجلس التعاون ما يفوق 1.6  الف مليار دولار في العام 2012 ، وجاءت في المرتبة الثانية عشر عالمياً من حيث حجم الناتج المحلي ، وبلغ إنتاجها 17.1 مليون برميل من النفط يوميا ، و370 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال خلال العام 2012 ، وتمتلك دول مجلس التعاون اكبر احتياطي من النفط في العالم ، يقدر بنحو 496 مليار برميل ، أي ما يعادل 34 %من اجمالي الاحتياطي العالمي ، كما تمتلك ما نسبته 21 % من احتياطي الغاز العالمي ، وتأتي بالمرتبة الثانية عالميا بعد روسيا باحتياطي من الغاز قدره 42.2  ترليون متر مكعب.

و احتلت دول مجلس التعاون مرتبة متقدمة على سلم الدول المصدرة للسلع خلال العام 2012 ، وبلغت قيمة إجمالي صادراتها 934.8 مليار دولار في العام 2012 ، محققة المرتبة الرابعة عالميا بعد جمهورية الصين الشعبية ، والولايات المتحدة الأمريكية ، والمانيا الاتحادية، أما قيمة وارداتها في العام 2012 ، فلقد بلغت 432.6 مليار دولار، مما وضعها في المرتبة الرابعة عشرة من حيث اكبر الدول المستوردة عالمياً .

وتبعاً لذلك ، فإن إجمالي قيمة التبادل التجاري لدول المجلس مع بقية العالم بلغ حوالي 1.4 ترليون دولار في العام 2012 ، لتحتل بذلك المرتبة الخامسة على مستوى دول العالم من حيث حجم التبادل التجاري ، ولقد حققت دول المجلس فائضاً في الميزان التجاري ، في العام 2012 ، بلغ حوالي 502 مليار دولار، مما مكنها من المحافظة على المرتبة الأولى عالميا في هذا المؤشر .

 

وبذلك تكون دول مجلس التعاون الخليجي العربي قوة إقتصادية مطلوبة من قبل القوى الكبرى ، وموضع تنافس وصراع عليها وعلى دورها وتأثيرها في السياسة الإقتصادية العالمية ، ونظراً لما تملكه من طاقة وقدرات ، فقد لعبت دوراً إقتصادياً ذا مغزى سياسي بارز ، وإنحيازها لطرف ضد أخر خلال الحرب الباردة ، في الصراع بين المعسكرين الرأسمالي الأميركي من جهة ، والإشتراكي السوفيتي من جهة أخرى ، فقد لعبت دول الخليج والعربية السعودية بشكل خاص دوراً في تحطيم القدرات السوفيتية عبر ضخ كمية كبيرة من النفط عام 1985 ، بهدف تخفيض أسعار النفط ، ومفاقمة مشاكل الإقتصاد السوفيتي المترنح ، وقد حققت الهدف المرسوم لها في ذلك الوقت ، وهو مفاقمة الأزمة الإقتصادية للإتحاد السوفيتي وإضعاف قدراته المادية ، أدى في النهاية إلى هزيمة المعسكر الإشتراكي أمام الولايات المتحدة وحلفائها ومعسكرها مع نهاية الحرب الباردة عام 1990 .

يتبين من حصيلة المعطيات والتدخلات والإمكانات الخليجية أنها لعبت دوراً مؤثراً في الحرب الباردة إلى جانب المعسكر الرأسمالي الأميركي الأوروبي وإنتصاره وفي مواجهة المعسكر الشيوعي الإشتراكي السوفيتي وهزيمته ، سواء في أفغانستان بدعم المجاهدين ضد الإحتلال السوفيتي ، أو لزعزة الإقتصاد السوفيتي ، مثلما تفعل اليوم في الإنحياز نحو دعم المعارضة السورية المسلحة وتوفير متطلبات مواصلة إستنزافها للإقتصاد وللجيش السوري على السواء بمحاولة إسقاط النظام السوري وتغييره ، مما يعط الإشارة لأهمية دور ومكانة النظام الخليجي ، وهي حصيلة لا يقبل بها الغرب والمشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي ، في أن يكون النظام الخليجي شريكاً ، بل تابعاً ينفذ سياسات ومصالح الولايات المتحدة حتى ولو تعارضت مع مصالح العرب وأمنهم القومي ، فالولايات المتحدة هي الراعي الرسمي للإحتلال الإسرائيلي الذي لازال يحتل أراضي ثلاثة بلدان عربية ، ويتلقى الدعم العلني المباشر سياسياً وعسكرياً ومالياً وإقتصادياً وإستخبارياً ، من قبل واشنطن .

تمزيق مجموعة البلدان الخليجية سياسة هادفة مقصودة لوضعها تحت رحمة الإبتزاز الأميركي بشكل رئيسي وهذا ما فعله الرئيس ترامب " بتشليح " العربية السعودية المليارات وهو ما يفعل مثله مع قطر ، تحت عناوين ومسميات عديدة مختلفة ، وهو ما سوف يفعله مع بلدان أخرى .

في حملته الإنتخابية وعد ترامب بإصلاح البنى التحتية الأميركية المتهالكة وترميمها وحينما سُئل ومن أين المال ؟ أجاب لن أجعل دافع الضرائب الأميركي يدفع دولاراً واحداً ، بل سأحصل على تغطية الترميم والوظائف من منتجي النفط الذين لا يستحقون أكثر من 15 بالمائة من قبض ثمن نفطهم ، وهو ما يعمل له وينفذه .

 

[email protected]

* كاتب سياسي مختص بالشؤون الفلسطينية والإسرائيلية.

2017-09-28