الجمعة 17/10/1440 هـ الموافق 21/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
المؤامرة الجديدة ....خالد بريش

  إن على الشعب العربي في هذه المرحلة ربط الأحزمة وذلك استعدادا لهزات عنيفة تُشرعن العلاقات العربية الإسرائيلية نهائيا، وتبيح كل المحرامات...!

من خلال إلقاء نظرة على فيلم الأرض للمبدع يوسف شاهين، ندرك مدى علاقة المصريين بأرضهم، وطبيعتها، التي هي مصدر حياتهم، وعيشهم، منذ القديم.

ونفهم أيضا لماذا يتساقط القتلى يوميا على قراريط بسيطة من الأرض في صعيد مصر، أو في الدلتا.

ونفهم بكل تأكيد هذه العلاقة الحميمة بين الإنسان المصري وأرضه عبر العصور، والتي خلدتها النقوش الفرعونية.

ولكن الأمر الذي يبقى غير مفهوم بالنسبة لكثيرين، هو تبرع الرئيس المصري الحالي بعشرات آلاف الأمتار من الأراضي المصرية للسعودية...!

ومصر بحاجة لتلك الجزر لاستغلالها لا من الناحية الاستراتيجية، والجيوسياسية فقط، ومن أجل التحكم في الملاحة بقناة السويس فيما لو... ولكن على الأقل سياحيا، لأن موقعهما لا يمكن أن يتكرر... ولكن ها نحن ومع مرور بعض الوقت، نستطيع أن نفهم لوحة الفسيفساء التي وضعت أمامنا.

ونصل بالتالي إلى سر الكلمات المتقاطعة الأشبه بالطلاسم. فهاتان الجزيرتان أخذتا من حينها دورا مهما وأساسيا في موضوع الصراع العربي الإسرائيلي ذكرنا إلى حد بعيد في دورهما أيام حرب 1967.

وأصبحتا تشكلان الجسر أو المعبر السعودي من الباب الواسع باتجاه إسرائيل، وللجلوس معها، بعد المحاولات السابقة من خلال المبادرة العربية التي قدمتها السعودية حينها وحلفائها، وأدرات لها إسرائيل ظهرها، واعتبرتها مجرد قرقعة، لا تستحق أي إشارة منها أو حتى مجرد انتباه... لقد شرعنت مسرحية جزيرتي تيران وصنافير الجلوس السعودي على الطاولة مع إسرائيل وجها لوجه، وذلك بأن جعلت بينهما حدودا مشتركة مباشرة. مع العلم أن السعودية كان بإمكانها ذلك منذ حرب 1967، حيث تحتل إسرائيل عدة جزر في البحر الأحمر، وتتخذ منهم قواعد بحرية، ومطارا عسكريا، هي أصلا للسعودية. ولكن فضلت السعودية لعب أوراق أكثر قوة وأهمية، كون مضيق تيران مضيق حيوي مهم دوليا وعربيا، وأصبحت بالتالي شريكة فيه... فبعد صالة المرايا في قصر فرساي، ولقاء العمين سايس وبيكو فيها، حيث تم تقسيم العالم العربي حينها ووضع خارطة جديدة للمنطقة. وكذلك من بعد منتجع كامب ديفيد. فإن على الشعب العربي في هذه المرحلة الاستعداد لهزات عنيفة سوف تنتج عند الإعلان عن دخول التاريخ، أسماء قاعات وقصور، وفنادق في عواصم مختلفة، وحتى على الأرض العربية. جمعت بين الأحبة والعشاق، وتمت فيها لقاءات عربية إسرائيلية لا عد ولا حصر لها، وعلى كل المستويات، وتبادلوا فيها الأنخاب، والقبلات. وذلك في غفلة من الشعوب، الغائب الأكبر في كل ما يتعلق بمصيرها. لقد كان وإلى وقت قريب مجرد الاتصال مع إسرائيل، ولو عبر وسطاء، يطرح كثيرا من التساؤلات، ويثير الاستهجانات التي لا حدود لها. ولكنه على ما يبدو في أيامنا هذه مجرد تفاصيل. وأنه بفضل صنافير وتيران، ووجود البعبع الإيراني، وتضارب المصالح معه، أصبح الجلوس مع الصهاينة على طاولة واحدة من الممكنات. وسوف تصوره الصحافة التي تحت عباءة منظومة الأنظمة العربية، وكأنه أخبار متفرقة، وربما انتصار. وسوف يفهم كثيرون بطريقة أفضل الموزييك الذي تمّ تشكيله منذ التآمر على العراق، والذي كان يخفي وراءه ما يخفي من حقائق، كان من الصعب تصورها في حينها... ففي الوقت الذي تشهد فيه الساحة العربية حالة استقطاب سياسية ومذهبية حادة، يتم خلط الأوراق الخاصة بالقضية الأم، والأساس في حياة العرب المخلصين، وكل المنطقة، بطريقة مدروسة جدا.

وإن عملية الإخراج المسرحي التي تتم في سبيل إدخال إسرائيل تحت جلودنا بهدوء، يجري تنفيذها على وقع موسيقى هادئة، تراعي إقفال كل الأبواب، والنوافذ التي من الممكن أن تحمل معارضة، أو همس معارضة لها. في الوقت الذي يتم فيه إحداث صخب على الحوافي يشد الأنظار بقوة، ويبعد الناس عن قلب الحدث، وعن نقطة الضوء الأساس. وذلك كاللقاء السعودي الروسي الأخير، وإعطاء المرأة حق قيادة السيارة مثلا. واعتقال عدد كبير من العلماء السعوديين كانوا وما زالوا تحت عباءة النظام، ولم نسمع أن أحدهم خرج يوما من تحتها...! وقد يكون خطيب المسجد الحرام الشيخ السديس وتصريحه الأخير للإعلام قد لخص وأوجز المرحلة عندما قال بالحرف الواحد: إن أمريكا تقود العالم نحو السلام...! وفي هذا الاتجاه أيضا تم تدجين حماس، وتطويعها. وبالتالي أصبحت الساحة خالية تماما من أي معارض لهم. وإن وجد هذا المعارض فإنه مما لا شك فيه ليس لديه مقومات المعارضة، ولا حتى إمكانيات الحرطقة. وإن سولت لأحدهم نفسه فعل ما وتجاوز ما خططوا ودبروا، فسوف تؤدبه إسرائيل تحت مسميات مختلفة، وسط تصفيق عربي، وغربي على السواء، وربما الدواعش وما أكثرهم. ولا أظن جازما أن هذه الالتفافات والكولسة ستصب في مصلحة العرب كشعوب على الإطلاق. وذلك كما كان واقع سابقتها كامب ديفيد، والتي طبل لها إعلام السادات، وأيضا شيوخ الأزهر يوما وعلمائه. مستترين وراء الآية القرآنية "وإذا جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله"... متناسين عن عمد أن سيد مصر حينها هو من جنح، وخضع. وأنه هو من سافر إلى القدس، وقدم التنازلات حول سيادة مصر، وحرية قرارها. وحتى حول مستقبلها في المنطقة، ومستقبل مصر الاقتصادي، والتعليمي، والسياسي أيضا لو أحببنا الذهاب بعيدا... ولا أدري وراء أي نص أو آية قرآنية سوف يختبئ السادة هذه المرة، ويرفعونها شعارا للمرحلة، ولتصفية القضية نهائيا. ولا وراء أي حديث نبوي، أو حادثة في السيرة المحمدية العطرة سوف يجدونها فجأة في طيات الكتب الصفراء القديمة، ليُبرروا هذه المسرحية مع عدو يأخذ، ولا يعطي. ويطلب منهم الاعتراف به كما هو حاليا، وكما سيكون مستقبلا. بينما هو لا يعترف بهم، ولا بأنظمتهم أصلا... ومما لا شك فيه أنهم سوف يجدون ما يبحثون عنه وبفضل علماء برسم الإيجار في طيات كتب لا نعرف عنها شيئا. ولكنها حتما موجودة. لأنهم سوف يخرجونها في حينها، كما أخرجت هدى عبد الناصر أوراقا ووثائق ادعت أنها من ملفات أبيها، لكي تثبت من خلالها ملكية صنافير وتيران للسعودية... وللأسف يتم هذا الفيلم السينمائي مع عدو كان وما زال شعاره « من النيل إلى الفرات »، والذي لم يتغير فيه مجرد حرف واحد. والعالم طبعا في هذا الخصوص أعمى، أطرش، لا يسمع... وإذا كان لا يرى الدم الفلسطيني، ولا المجازر التي ارتكبت بحق هذا الشعب، ولا ما تفعله إسرائيل يوميا، من اضطهاد للفلسطينيين، ومصادرة لأراضيهم، فكيف تريدون منه أن يرى جملة إنشائية كتبت تحت شعار الدولة العتيدة في كل مكان...؟! وكلنا يتذكر في هذا المجال كيف كانت كل الضغوط يوما تنصب على الفلسطينيين، لكي يُغيروا ويُعدلوا في ميثاق منظمة التحرير، حتى إن العالم الغربي المنافق والعاهر، حاسبهم يوما على بعض الفواصل، ومكانها في ذلك الميثاق، الذي بالكاد بقي منه اسم فلسطين على بعض الورقات... إنه مما لا شك فيه أن خارطة المنطقة يعاد في الوقت الراهن رسمها، وسوف يتم توزيع الحصص بين الجميع. وحتى روسيا سيكون لها هذه المرة قطعة مهمة في قالب الجبنة. ولكن للأسف، سيكون شعبنا العربي غائبا. وستتم الصفقات على حساب مصالحه، وحساب القضية التي ضحى الشرفاء العرب من أجلها بالغالي والنفيس، وعلى حساب كل الحالمين يوما بتحرير فلسطين، والأقصى الشريف.

وبكل تأكيد سوف يتركوننا نتلهى في أخبار يسربونها للتمويه، كعنتريات أحدهم، وتهديده ووعيده، ونوع المشروب الذي شربه فلان وعلان خلال اللقاءات، وربما أسماء النعاج التي ذبحوها، وشجرة عائلتها...! ولكن وكما الخيانة التي سبقتها، وأعني بذلك كامب ديفيد، فإننا لن نعلم عن شروطها، وبنودها، وتفاصيلها، وملاحقها السرية، الكثير. وحتى مع مرور الأيام، فإن الذي سوف يرشح، لا يغني، ولا يسمن من جوع... وهكذا يكون الربيع العربي الذي قام من أجل أهداف نبيلة، كالحرية، والكرامة، والعدالة، والمواطنة... قد تم تحويل مساره في نهاية المطاف، واستغل من أجل غايات وأهداف غير نبيلة على الإطلاق. ومن أجل بيع وشراء للأوطان، والتراب، وللقضية الأقدس في المنطقة، وفي حياتنا كعرب في العصر الحديث بل منذ الحروب الصليبية. وبالتالي قد نسمع قريبا عبارات تُجرِّح الأرواح، وذلك كعبارة السادات المشؤومة: بيغن صديقي...! ولا أستطيع التكهن حاليا كيف سيخاطبون نتن يا هو، وكل السياسيين الصهاينة الملوثة أياديهم بالدماء البريئة. ولكن أعرف أنه لن تعوزهم الحيلة، وأساليب البلاغة، في إيجاد أجمل العباراتوأقواها...!

ولو سمعتم يوما عبارة أخي، وحبيبي نتن يا هو...! فلا تستغربوا فلعله فعلا أخ لبعضهم، فمن يدري...!؟ ووضع الأحزمة سيكون ضروريا، لأننا كشعوب عربية سندخل مرحلة جديدة من التيه، قد تكون أشد وأقسى من تيه بني إسرائيل. والتي ستدخلنا فيها الأنظمة الحاكمة وعلى نار هادئة، ككل الخيانات التي تتم بالخفاء. وعندما سيعلم بها المواطن العربي، فإنه سوف يكون مستعدا للعلم بها، وتقبلها، والتعايش معها، لأنهم يكونون قد أدخلوها وكما ذكرت في بداية هذه العجالة تحت الجلد بهدوء...! ولكن لنا رجاء خاص لديكم أيها السادة: تريدون أن تبيعوا، وتشتروا بفلسطين، وأرضها المقدسة، وشعبها، وبكرامة العرب والعروبة والأمة، فافعلوا ما شئتم. ولكن لا تستخدموا الأديان، وخصوصا الإسلام، وآيات القرآن الكريم، ولا أحاديث الرسول الكريم، لأن كل ذلك منكم ومن خياناتكم براء...

2017-10-17