الجمعة 15/5/1444 هـ الموافق 09/12/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
المدينة العربية «الثائرة» بين مساحة القتل، ومساحة العقل/أدونيس

1 ـ

كان الأقدمون يقولون: الإنسان خارج المدينة، الإنسان الذي ليس له قبيلة، أو بيتٌ أو عائلة، إنما هو أحد اثنين: غولٌ أو وثن. أوديب، أورست، عوليس، وقبلهم إنكيدو أمثلة على ذلك.

هكذا حرص الإنسان منذ نشأته على بناء مدينة يسكنها ويعمل ويبدع فيها.

عندما ننظر اليوم إلى كثير من المدن العربية، وكثير من المدن في مختلف بلدان العالم، يشعر بعضنا أنّه مليءٌ بهواجس تدفعه إلى أن يتساءل: هل هذا الكلام الذي كان يقوله الأقدمون لا يزال صحيحاً؟

مثلاً، ما المدينة العربية اليوم؟

أهي مكانٌ مسكونٌ بالأفراد الأحرار العاملين المبدعين، أم هي، على العكس، مكانٌ مسكونٌ بـ «الجماعات» و «الطوائف»، و «القبائل» و «القرابات»، و»المصالح»؟ أهي علومٌ وآدابٌ وابتكارات، أم هي، على العكس، «دكاكين» ،

و «أسلحة»، وحروبٌ، و « قتلى «؟

وليست المدينة مجرّد مكانٍ يقيم فيه أفرادٌ أو ليست مجرّد طبيعة. المدينة مكانٌ - نظامٌ، مكانٌ منظَّمٌ: حياةٌ اجتماعيّة - سياسيّة، وفقاً لقوانين يقبلها سكانُها، ويطبّقونها، ويدافعون عنها. إنها كلٌّ لا يتجزّأ: كلٌّ لا يتألّف من مجموعات عدّة ، أفراداً أو وحدات (عشيرة، عائلة، قبيلة، ...إلخ). كلٌّ تنظيميٌّ يتساوى فيه الأفراد، وتديره أجهزة القوانين والمبادئ التي تدير الحياة السياسية وتنظّمها. المدينة مؤسّسة، وسكّانها هم في آنٍ: مؤسِّسون، و «مؤَسَّسون».

حين نقول : مكان - (مدينة) ، نضمر، إذاً، في هذا القول، في ما وراء السطح الجغرافيّ، ثقافةً وسياسةً. نضمر كذلك معاني ودلالات. منذ أن نفكّر، مثلاً بدمشق - المكان، نفكر تلقائيّاً، بجامعها الأموي الكبير كأنه عنصرٌ أوّل من عناصر هويتها، أو كأنها ليست موجودةً إلاّ به. نفكّر بالحميدية - سوقها التجارية المسقوفة، البديعة. نفكر بباب توما، حيث تأخذ هويتُها في الزمن الحاضر بُعداً تاريخيّاً فريداً. ونفكّر، قبل هذا كلّه، برموزها التاريخيّة العظيمة: يوحنّا فمُ الذهب، معاوية، محيي الدين بن عربي، تمثيلاً لا حصراً. هكذا نفكّر بما يُعطي لدمشق - المكان بعداً إنسانيّاً: بُعد العمل والإبداع، بُعد الحضارة، وبُعد التاريخ.

إذاً، دمشق المكان، هي في المقام الأوّل دمشق - المكانة. فإذا قلنا: «مدينة» - لا نعني، في المقام الأوّل، «المبنى»، بل «المعنى»، ودون أن يكون هناك، مبدئيّاً، انفصالٌ بينهما.

ـ 2 ـ

عندما نقرأ ما يقوله شاعر عربيّ قديم: «وكلُّ مكانٍ يُنْبِتُ العِزَّ طيِّبُ «فإننا نقرأ في هذا القول أيضاً: «كلّ مكانٍ لا يُنبتُ العزَّ مكانٌ سيّءٌ».

وأسوأ ما في المكان أن يكون كلُّ شيءٍ فيه مفروضاً سلفاً: تلبس لباساً مفروضاً، وتفكّر بطريقةٍ مفروضة، وتمارس السياسة ضمن أطُرٍ مفروضة...إلخ.

وما يكون الإنسان في مثل هذا المكان؟

وأين رغباتُه وميولُه؟ وأين طموحاتُه وتطلّعاتُه؟ وأين حرّيّتُه وإرادتُه؟

مكانُ الإنسانِ أو وطنُه هو حيث يشعر أنه يحيا ويعمل ويفكّر بحريّة كاملة.

و «كلُّ بلادٍ أَوْطَنَتْ، كبلادي» : يقول أيضاً شاعرٌ عربيٌّ قديم.

وإذا لم يكن الإنسان حرّاً في « جسمه، فلن يكون حرّاً في « نفسه». حرّيّةُ «الداخل «في الإنسان مشروطةٌ بحريّة «الخارج». فإذا كان «الجسمُ «مقيَّداً، بشكل أو آخر، فسوف يكون «العقلُ» هو أيضاً مقيَّداً، بشكل أو آخر.

 

ـ 3 ـ

المكانُ مساحةٌ «نفسيّة» إلى جانب كونه مساحة «جغرافيّة». ليس له، إذاً، تحديدٌ ثابتٌ ونهائيّ. فهو متحرّكٌ ومفتوحٌ باستمرار للتغيّر المتواصل. كأنّ المكان - المدينة «حوضٌ» خصبٌ لأجنّةٍ، وولادات دائمة.

ما « الحوض « الذي تتقلّب فيه الآن، المدن السورية، مثلاً؟ حمص تترنّح على خيط منسوج من الضباب والرّمل. حماةُ ناعورة أوجاع وأنين. اللاذقيّةُ سفينةٌ في مهبّ إعصارٍ تنّينيّ. وربما لم تعد حلب تعرف كيف تمدّ يدها لتصافح

أختها أنطاكية، أو صديقتها الأولى: البندقيّة.

وقولي يا دمشق: لماذا تحبّين أن تظلّي ساحةً ضخمةً ومفتوحةً لقوافل القارّات؟

من بعيدٍ أنظر إليكِ، وأقول المكانُ كيانٌ. وسَطٌ يتمّ فيه الوجودُ والمصير. أنظر إليك وأسأل: هل أصبحتِ مجرّدَ ذاكرةٍ وذكريات؟ ولماذا يحبّ التاريخ فيك أن يتحوّل إلى نعامةٍ، وتحبّ النعامةُ أن تتحوّل إلى مائدةٍ يحيطُ بها «ذوو العلم والفضل «لكي يرتّلوا مدائح «الأبواب العالية»؟

من بعيدٍ، أتخيّل نفسيَ فيك. لا أحبّ أن يراني أحدٌ فيما أتّكئ على بوّابة الحميدية، سابحاً في نهر أوجاعٍ متنوّعة، لا يراه أحدٌ غيري. أظنّ أنّ الفراشات والعصافير شقيّةٌ في حقولها، فيما ترقص مع النجوم العناكب وحشود الثعابين. وأشعر أنّ تحت قدميّ رملاً أحمر وأنّ أمواجَ ذكرياتي تتلاطم جزراً ومَدّاً.

 

ـ 4 ـ

كلاّ، لن تقدري أن تجرفي هذا الرملَ يا أمواجي. ولســــتِ قادرة حتى على غسلِ قدميَّ. كيف تقدرين، إذاً، أن تمرّي على عتبة القبو الذي كان مكتبتي وفراشي في القصّاع؟ كيف تقدرين أن تكرري عليه باسمي تحــية الوداع؟ ولماذا، عندما أتخيّله الآن لا أرى إلاّ أطفالاً يســيل مخاطهم؟ وإلا أكياسَ النفايات المثقوبة، المبعثرة حوله، والتي تخدش كلّ يوم وجه الفجر؟

ألهذا أتذكّر دائماً، عندما أتذكر هذا القبو، كيف كنت أشعر أنّ الليل مقبرةٌ، والنهار سجنٌ، والمدينة ظلامٌ، وهيهات أن يأتي النور. وعندما أتلمّس الآن كتفيّ، وجعاً، أقول للرطوبة التي لا تزال مقيمةً فيهما: أسرفتِ كثيراً في طعني، وأسرفتُ كثيراً في الاستهتار بك.

وما شأن الرطوبة الدمــــشقية التي تدبّ الآن لا في كتــفَيْ العروبة، وحــــدهـــما، بل في أعضائها كلّها - بدءاً من الشرايين؟

أشباحٌ لا من المخيّلة. من التاريخ واللغة. من القنابل والرصاص. من أصدقاء الظلمات، بائعي النجوم. باطمئنان تتمترس هذه الأشباح وراء كلمات تهبط عليها من أبجدياتٍ تتمرن على غزو الفضاء. ولا مكان لها. الأمكنة كلّها تحت أقدامها.

أشباحٌ - خذوا الكتبَ كلَّها واطرحوها على موائد العُثّ، مسقوفةً بالضغائن والترّهات. خذوا هذا الكرسيّ وأفسحوا للطّاعون أن يتّخذه عرشاً. ولا تنسوا: قولوا للشوارع، باسم الحرّيّة، اضطربي وهدّمي.

الحريّة متاعٌ هي أيضاً.

عالمٌ - ذئابٌ تتقاسم الفرائس. فرائس تسبّح لمجد آكليها. دمىً، عرباتٌ ملوّنةٌ، عكاكيز، أنابيقُ، دبابيس ذهبٍ وفضةٍ : يُخنَق البشرُ من أجل بعوضة اسمها الفضّة، من أجل ثعبانٍ اسمه الذهب. أكاذيب تبتكرُ أبجديّاتٍ أخرى - واقعاً، وحناجرَ، ولغات. لا مكان لها. الأمكنةُ كلُّها بين أظافرها.

ـ 5 ـ

«إنّي لأفتحُ عيني حين أفتحُها

على كثيرٍ، ولكنْ لا أرى أحدا»:

يقول أيضاً شاعرٌ عربيّ قديم.

قشٌّ في شكل سلّة. خشبٌ في هيئة صندوق. فولاذٌ في صورة سيف، حديدٌ في صيغة خوذة: جيوشٌ تزحف، لا أقدامَ لها ولا سلاحَ بين أيديها إلا الموت. اليوم عطلةٌ، والمقبرةُ عيدٌ، والموتى - كلٌّ في عرس، وكلٌّ يتهيّأ لكي ينضمّ إلى وليمة الشهوات: القتل، القتل، القتل.

عن الحياة اللندنية

2012-09-27