الإثنين 3/2/1442 هـ الموافق 21/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
لأوسلو الرحمة ولكم من بعده طول البقاء ...؟؟؟/بقلم راسم عبيدات

عندما قلنا بأن اتفاق أوسلو وتداعياته أخطر وأكثر كارثية على قضيتنا وشعبنا الفلسطيني من النكبة وتداعياتها،خرج علينا "البراغماتيون" ودعاة"الواقعية" في الساحتين الفلسطينية والعربية،لكي يقولوا لنا بأن أوسلو "انتصار" ما بعده "انتصار"،يضاف لسجل الانتصارات الورقية المتحققة فلسطينياً وعربياً،وذهبت كل الدعوات الداعية الى إسقاطه والتخلص من تركته أدراج الرياح،على اعتبار انه مشروع "وطني وكفاحي" وسيأتي ب"الحرية والتحرير" ويعيد تصحيح جزء من الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني،والشيء الجوهري الذي جاء به أوسلو وشكل انتصاراً ثانياً لإسرائيل على رأي واحد من مهندسيه ومهندسي السياسة الإسرائيلية "شمعون بيرس" هو الاعتراف الإسرائيلي بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني مقابل التنازل عن 78% من فلسطين التاريخية،وهذا الاعتراف فقط لخدمة مرحلة محددة ولكي تحل السلطة محل المنظمة وتجوفها وتصادر صلاحياتها وقراراتها وتهمشها،ورغم كل الحقائق على الأرض بأن أوسلو المؤجل للقضايا الجوهرية والتي هي مرتكزات البرنامج الوطني الفلسطيني من لاجئين وقدس واستيطان واقتصاد ومياه،تشير بشكل واضح بأن هذا الاتفاق لن يجلب لا دولة ولا استقلال،إلا أن هناك من استمات في الدفاع عنه واتهم الرافضين له بالعمى السياسي والوقوف ضد مصالح الشعب الفلسطيني،حتى أن بعض الفصائل الفلسطينية جرت معاقبتها وحصارها مالياً وسياسياً عقاباً لها على موقفها من رفض"الانجاز الوطني"المتحقق،ودارت عجلة أوسلو ومع دورانها كانت تدور عجلات الاستيطان الإسرائيلي ولتعمل نهبا ومصادرة في الأراضي الفلسطينية،ولتعزل القدس وتمتلئ بالمستوطنات والمستوطنين وتقام جدران العزل والفصل،وتجتاح إسرائيل الضفة الغربية في ايلول/2000،وتعيد احتلالها المباشر لكل نقطة فيها حتى المناطق المسماة ب"الف" وفق اتفاقيات اوسلو والتي يحلو للبعض تسميتها بالمناطق "المحررة" .

تلغي وتدمر إسرائيل اتفاق اوسلو عمليا دون أن تمنحه شهادة الوفاة لعلمها بأن ذلك واحدة من أهم الانجازات المتحققة لها،ولم تبقي منه سوى التنسيق الأمني والتبعية الاقتصادية التي ضمنها لها اتفاق باريس الاقتصادي،وتحويل السلطة الفلسطينية الى وكيل رديء لها يعتاش على الضرائب والمساعدات الخارجية ووصفات مؤسسات النهب الدولية "البنك وصندوق النقد الدوليين" وأوسلو لم يكتفي بسجن الشعب الفلسطيني في معازل و"جيتوهات" مغلقة يحتاج فيها الوزير قبل الغفير الى تصريح للحركة والتنقل والدخول والخروج،بل ربط حياة حوالي مليون فلسطيني ورهنها للبنوك وصناديق الإقراض،رهن بيوتهم وسياراتهم وحتى نساءهم لتلك البنوك ومؤسسات الإقراض،وحول السلطة الى خادم يمنح المال وفق مزاج المالك أو شهادة حسن سير وسلوك لهذا الخادم تمنح له من قبل إسرائيل وأمريكا والاتحاد الأوروبي ويعاقب بتأخير صرف هذه الأموال او منعها وتقليصها اذا ما ظهرت لدية اية نزعات تمردية،ولم يعد هم السلطة والقائمين عليها لا الحرية ولا التحرير،بل التسول هنا وهناك وإطلاق تهديد ووعيد فارغ خبر العالم والشعب عقمه وعدم صدقه من أجل أن يتم تجنيد الأموال اللازمة للرواتب وبشكل شهري عبر الاستدانة والتسول من هنا وهناك.

وأمام هذا الواقع المرير وغياب أي رؤيا إستراتيجية فلسطينية حقيقية وجادة للخروج من هذا المأزق والتخلص من تبعاته،ما زلنا نناقش هل نتخلى عن اوسلو ام لا؟ هل نحل السلطة ام لا؟وكأن اوسلو والسلطة "منجزين وطنيين"،وهل يستغبي أو يتغابي كل القائلين من قادة فلسطينيين بأن حل السلطة يعني عودة الاحتلال، فالاحتلال موجود ولم يغادر شبرا واحداً من الأراضي المحتلة،ومهام السلطة ودورها ووظيفتها الحالية ليست أكثر من مهام وصلاحيات الإدارة المدنية وعلى نحو مقلص،وبمعنى أوضح واشمل السلطة ليست منجز او مشروع وطني،هي منجز ومشروع استثماري لخدمة مصالح البعض،ولا تتحفونا بتحليلاتكم وخوفكم على شعبنا بعد رحيلها،فكل مهندسي اوسلو وقيادته يقولون بفشل اوسلو وبأنه كارثة على الشعب الفلسطيني،ولكن هنا مسؤولية الشعب والقوى الحية في الشعب الفلسطيني،وهي إسقاط اوسلو ومن قاموا عليه،ولا يجوز تركهم يعبثون ويقامرون بمصير الشعب الفلسطيني،وكأن شيئاً لم يحدث،ويكفي تعمية وسذاجة وخداعاً وتضليلاً للشعب الفلسطيني،أوسلو والسلطة الفلسطينية بدورها ووظيفتها وصلاحياتها الحالية،هي عبء على الشعب الفلسطيني،وإكرام الميت دفنه،هي فقط تولد المزيد من القهر الداخلي الفلسطيني ببقائها ووجودها،وهي تدفع بالشعب الفلسطيني نحو الاحتراب والاقتتال الداخلي وتضيع طاقاته وجهوده في غير محلها،وما شهدته الساحة الفلسطينية من مظاهرات واحتجاجات مؤخراً على الغلاء وارتفاع الأسعار وسوء الأوضاع الاقتصادية خير دليل ومؤشر على أن هناك طفح للكيل ووضع لم يعد محتمل.

لا نريد لا وزارات ولا وزراء ولا حكومات تحت بساطير الاحتلال ورحمته،رواتب ثلاثمائة وزير وحاشياتهم شعبنا أحق بها،ولكن هناك من نمت لديه مصالح ومنافع من وجود هذا الوضع يستميت في الدفاع عن هذه السلطة وهذا الوضع،ويحاول بشتى الطرق أن يفلسف الأمور من أجل الدفاع عن هذا المنجز"الوطني"ويريد منا أن نتعاطى مع الأمور على قاعدة "عنزة ولو طارت" مشروع يثبت فشله وجلبه للمآسي والمصائب لشعبنا الفلسطيني،يريدون لنا ان نصفق له ونحميه،المفاوضات بكل أشكالها جريناها مباشرة وغير مباشرة وعن قرب وعن بعد وسرية وعلنية،ولم تحقق أي شيء لمصلحة شعبنا الفلسطيني،وعندما تريد إسرائيل أن تخفف من حالة الاحتقان والغليان في الشارع الفلسطيني،وتعلن بأنها مستعدة لإطلاق سراح عشرة أسرى من قبل مرحلة أوسلو والمفروض ان يطلق سراحهم قبل 18 عشر عاماً نهلل وطبل على أن هذا انجاز وثمرة لصمود "السلطة"وثباتها على المشروع الوطني،وكأننا نريد فقط تعزية أنفسنا وتبرير عجزنا وانهيارنا،وأن نتلهى بتفصيلة هنا وهناك.
موت اوسلو ودفنه لا أسف عليه وعلى رحيله فهو جلب لنا المآسي والمصائب،قسمنا أرضاً وشعبناً،وهتك ودمر نسيجنا المجتمعي،وفعل فينا ما لم تفعله النكبة،حيث أننا بأيدنا تنازلنا عن 78% من فلسطين التاريخية دون أي انجاز حقيقي،فلأوسلو "الرحمة" ولشعبنا من بعده طول البقاء،ولعل موته ودفنه يعيدنا لجادة الصواب والحقيقة.

القدس- فلسطين

[email protected]

2012-09-30