الثلاثاء 14/10/1440 هـ الموافق 18/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
ثروة النفط بين النظرة السياسية والقراءة الاقتصادية....حامد عبد الحسين الجبوري

 حامد عبد الحسين الجبوري
مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية


يعاني العراق في الوقت الحاضر من طغيان النظرة السياسية على حساب القراءة الاقتصادية، تجاه ثروته النفطية الهائلة، وهذا ما تسبب في ضعف أداء الاقتصاد وظهور العديد من المشاكل.

حيث تحتل الثروة النفطية في الوقت الحاضر دوراً مهماً وكبيراً على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر وفي أغلب المجالات وخصوصاً السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى العسكرية وغيرها، وذلك لما يتمتع به النفط من مميزات تجعله يحتل هذه الأهمية الكبيرة كإرتفاع درجة الحرارة التي يولدها وسهولة نقله وانخفاض تكاليف إنتاجه وزيادة عدد مشتقاته ودخوله في إنتاج ما يقارب 350 ألف منتج بالإضافة إلى انه اقل تلويثاً للبيئة.

فضلاً عن الموارد المالية، التي يولدها من خلال بيعه كمادة خام او مشتقات نفطية للعالم الخارجي وذلك بعد سد الاستهلاك المحلي وتصدير الفائض نحو الخارج، حيث تسهم موارده في حال تم توظيفها بناءاً على التخطيط والبناء الاقتصادي السليم، في استمرارية النمو الاقتصادي على المدى البعيد، وتحقيق الاستدامة المالية المتمثلة في قدرة الدولة على الإيفاء ببرامجها الايرادية الانفاقية دون خفض برامجها والوفاء بالتزاماتها المالية المستقبلة، ورفد احتياجات التنويع الاقتصادي بالأموال الكافية، والذي من شأنه يؤدي إلى تقليص البطالة وتحسين التجارة استيراداً وتصديراً، كما تسهم موارده في زيادة الاحتياطي الأجنبي الذي يدعم العملة الوطنية التي تنعكس على حياة المواطن بشكل مباشر.

غياب القراءة الاقتصادية وحضور النظرة السياسية

وفي ظل تغييب القراءة الاقتصادية ذات الآفاق المستقبلية وحضور النظرة السياسية ذات الأفق الآنية والتفكير بمصالحها الخاصة على حساب المصالح العامة، تجاه الثروة النفطية وإيراداتها المالية ستظهر النتائج سلبية وعلى رأسها مشكلة المرض الهولندي المتمثلة في زيادة الاعتماد على المورد الريعي ويؤدي إلى تقلص مساهمة الأنشطة الإنتاجية في الاقتصاد، وذلك بحكم زيادة العملة الأجنبية في الاقتصاد فيزاد الطلب على العملة المحلية فترتفع أسعارها ومن ثم ارتفاع أسعار المنتجات المحلية فتنخفض قدرتها التنافسية وانخفاض الصادرات وزيادة البطالة، هذا من جانب.

 ومن جانب آخر ان انتعاش القطاع الريعي سيسهم في ارتفاع أجور العاملين فيه وهذا ما يحفز العاملين في القطاعات الأخرى على الانتقال للقطاع الريعي رغبة بالأجور المرتفعة فينخفض حجم القوى العاملة في القطاعات الأخرى فترتفع أجورها في هذه القطاعات ومن ثم ترتفع تكاليف الإنتاج فترتفع الأسعار وتنخفض القدرة التنافسية فتزداد البطالة ايضاً.

نتائج تغليب النظرة السياسية على القراءة الاقتصادية

وهذا ما حصل بالعراق فعلاً حين تسيدت النظرة السياسية على القراءة الاقتصادية تجاه الموارد النفطية، حيث نلاحظ ارتفاع مساهمة القطاع النفطي في العديد من المؤشرات الاقتصادية وأهما الناتج المحلي الاجمالي عندما شكلت أكثر 46% بالمتوسط للمدة 2006-2016، وأكثر من 90% من الايرادات المالية والصادرات السلعية بالمتوسط لنفس المدة، وكذلك ارتفاع حجم البطالة بأغلب انواعها، حيث تتراوح ما بين 30-40 والبعض يقول وصلت 50 و60.

أضف الى ذلك شيوع الفساد بمختلف اشكاله، حتى احتل المرتبة 166 من أصل 176 دولة ضمها تقرير منظمة الشفافية العالمية لعام 2016. فضلاً عن بلوغ حجم الفقر 22.5 حسب ما اشارت اليه وزارة التخطيط، وزيادة حالات الانتحار وتعاطي المخدرات وارتفاع الامية وزيادة الامراض وغيرها وما يؤكد هذا الكلام هو احتلال العراق المرتبة 121 من أصل 188 دولة في مؤشر التنمية البشرية الذي تصدره الامم المتحدة.

يعد العراق من البلدان الغنية بالموارد النفطية وذلك بحكم امتلاكه احتياطي نفطي يقدر بأكثر من 148 مليار برميل من النفط الخام في عام 2016 حسب احصائيات منظمة الأوبك، وبهذا الاحتياطي فهو يحتل المرتبة الرابعة عالمياً بعد كل من فنزويلا (302) والسعودية (266) وإيران (158) مليار برميل لنفس العام.

ماذا سيعتمد العراقيون بعد نضوب النفط؟!

وفي ضوء الانتاج الحالي البالغ 4 مليون برميل يومياً فإن عمر نضوب النفط سيكون 100 عام وفي حال تم بلوغ الهدف الذي رسمته وزارة التخطيط في خطتها 2013-2017 إلا وهو الوصول بالإنتاج اليومي الى 9.5 مليون برميل يومياً فان عمر النضوب سيكون 43عام، إلا ان هذا الهدف لم يتحقق لحد الآن مع انتهاء عام 2017. ولكن من الممكن ان يرتفع الانتاج الحالي مستقبلاً إلى 6 مليون برميل يومياً ويكون عمر النضوب هو 68 عام، في عام 2086، ولكن السؤال المطروح على ماذا سيعتمد العراقيون بعد نضوب النفط؟!

ان استمرار فعالية النظرة السياسية للموارد النفطية وتوظيفها بالشكل الذي يخدم المشاريع السياسية الضيقة، أي استخدامها من اجل الوصول الى السلطة السياسية عبر سياسة التوظيف المثقوبة لحصد أكبر عدد من الاصوات الانتخابية والفوز بالسلطة السياسية تشريعية أم تنفيذية ام قضائية لمدة قصيرة كون هذه السلطة اصبحت احدى وسائل تكوين الدخل المترف سواء من خلال الامتيازات المخصصة لها ام من خلال المزايدات التي تحصل بين الفرقاء السياسيين أم غيرها.

حيث لم تأخذ النظرة السياسية الثروة النفطية على انها ثروة ناضبة وايراداتها متقلبة ومعرضة للمخاطر المستقبلية بفعل التطور التكنلوجي فضلاً عن التلوث البيئي وأنها ثروة عامة تشمل الجميع، ولذا فاستمرار النظرة السياسية على حساب القراءة الاقتصادية والمشاريع الحقيقية ستعيد انتاج الاثار السلبية المذكورة آنفاً وتجعلها متكررة ومستمرة مع استمرار سيادة النظرة السياسية على القراءة الاقتصادية.

خصائص الثروة النفطية

هذه الاخيرة تنظر الى الثروة النفطية من زاوية معينة تختلف عن النظرة السياسية، فهي ترى ان هذه ثروة لها مجموعة خصائص متمثلة بالآتي:

1- غير متجددة اي انها ثروة ناضبة وان مدى سرعة نضوبها مرهون بمدى الضغط عليها اي كلما زاد انتاجها كنتيجة لزيادة النمو الاقتصادي او النمو الصناعي او النمو السكاني، كلما انخفض عمرها وازدادت سرعة نضوبها والعكس صحيح.

2- ان اسعارها متذبذبة ومتقلبة تبعاً للظروف الطبيعية والاقتصادية والسياسية التي تحصل في الاسواق العالمية كون النفط سلعة استراتيجية يتم تحديد اسعارها دولياً وليس محلياً، اي لا يمكن للدولة المنتجة لها ان تحدد اسعارها.

3- مُعرضة للمخاطر المستقبلية التي تهدد هيمنتها وقيمتها الاقتصادية وذلك بحكم التطور التقني الباحث عن ايجاد البدائل المنافسة لها كالنفط الصخري مثلاً.

4- التلوث البيئي الذي تسببه هذه الثروة لمالكيها دون تمتعهم بالمنافع التي توفرها والتي هي من حقوقهم.

5- ثروة وطنية عامة تشمل الجميع ولا تقتصر على جيل دون آخر ولا فرد دون آخر ضمن جيل معين.

تغليب القراءة الاقتصادية هي الحل

وفقاً لخصاص الثروة النفطية المذكورة آنفاً يكون الحل هو تفعيل القراءة الاقتصادية لإدارة هذه الثروة، حيث تعمل تؤدي (القراءة الاقتصادية) إلى التفكير بزراعة النفط فوق الارض بعد استخراجه من باطن الارض، وذلك من خلال استخدام الايرادات النفطية في بناء اقتصاد قوي متين قادر على تلبية متطلبات المجتمع وتطلعاته وطموحه وتلافي الآثار السلبية التي تتركها مستقبلاً في حال نضوبها او تدهور ايراداتها او انخفاض اهميتها الاقتصادية او زيادة الاعتماد عليها دون أخذ مسألة العدالة الاجتماعية والبيئة بعين الاعتبار كما هو حاصل في حال سيادة النظرة السياسية.

وتفضل اللجوء الى تحجيم دور الدولة في الاقتصاد وفسح المجال امام القطاع الخاص لتنشيط الاقتصاد تحت اشراف الدولة لان التحجيم سيؤدي الى ترجمة القراءة الاقتصادية على ارض الواقع وتحجيم النظرة السياسية وعدم توظيف الايرادات النفطية لصالح المشاريع السياسية العشوائية وقصيرة المدى.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية

2018-10-01