الجمعة 16/11/1445 هـ الموافق 24/05/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الازمة الفلسطينية هل من مخرج ؟.....بقلم عدنان رمضان

الوضع الفلسطيني الداخلي يزداد تعقيدا وازماته تتفاقم ،هذه الازمات لا تهدد بنيته السياسية من هيئات  تمثيلية او أحزاب وحركات وتوجهات  وبرامج فحسب  بل ان مظاهر تدهور مدمر للمجتمع تتصاعد وهذا الامر ليس عارضا او طارئا ولا يمكن الخروج منه دون تغييرات جوهرية وعمليات جراحية قد تصل حد البتر، تغيرات وعمليات تتخطى الجهود الإصلاحية ومحاولات الرتق وتغطية الفجوات والثغرات المتزايدة في جسد هذا البنيان فلا يمكن الاكتفاء بتقديم الإسعافات الأولية لجسد اثخنته الجراح ونالت منه الامراض المستعصية

 المجتمع الفلسطيني عاش حالة من التشوه البنيوي نتجت عن النكبة الاولى عام 1948 وتداعياتها وما نتج عن ذلك من العيش المستمر لأكثر من نصف أعضاء هذا المجتمع كنازحين وكلاجئين في الوطن والشتات بالإضافة الى ان هذا التشوه مستمر في الحدوث نتيجة استمرار عيش  الشعب الفلسطيني تحت سلطة احتلال استيطاني عنصري وفاشي في كل فلسطين التاريخية

رغم ان هذا الاحتلال فرض على الشعب الفلسطيني سياقات تطور مختلفة في الداخل او الضفة او غزة لكن المجتمع الفلسطيني وعبر مسيرة كفاح طويلة استطاع تجاوز هذه الاختلالات العميقة وأعاد بناء هويته الوطنية واستعادة عافيته كشعب موحد ومقاوم باعتراف اعدائه قبل أصدقائه،

  لقد كانت علاقة الصراع الدموي للفلسطينيين مع هذا الاحتلال والرؤية الوطنية الهادفة للتحرر عبر مسيرة كفاح مجيد هي اللبنة الأساسية والأساس الذي تم من خلاله ترميم الهوية الوطنية وإعادة انتاج الفلسطيني كشعب موحد مقاتل مما اعانه على تجاوز النكبات والهزائم والمضي قدما نحو أهدافه المعمدة بالدماء  وبنشر سرديته ورموز هويه مكافحة في مواجهة مشروع الاستعمار العولمي الجاثم على صدورنا وفوق ارضنا وفي نفس السياق الفلسطيني المكافح  أنتج الفلسطيني منظماته وهيئاته وسجل تاريخ نضالي مضيء عبر محطات مختلفة وصولا الى الانتفاضة الفلسطينية الكبرى  ،لكن اتفاقيات أوسلو وما نتج عنها والتطورات اللاحقة خلال الخمس وعشرون عاما الماضية وجهت ضربة قاسمة الى اهم الأسس التي قامت عليها القضية الفلسطينية ومسيرة كفاح الشعب وبناه المقاومة، هذه الأسس التي وحدت الشعب الفلسطيني سابقا واستعاد على أساسها هويته كشعب صامد ومقاوم

فبموجب اتفاقيات أوسلو تخلى الفلسطينيون عن اهم عناصر قوتهم (مشروعهم التحرري وهزيمة الاستعمار) لصالح بنية داخلية مشوهة ومتخلخلة ومنقسمة على نفسها وضمانتها بيد اعدائها أكثر مما هي بيد اصدقائها، بنية مبنية على الأوهام ولا تقوم على ارض صلبة،  بنية سياسية واقتصادية لا يسيطر فيها الفلسطينيون على الحد الأدنى لاستقلال هياكلهم التمثيلية وبناهم وقواهم المختلفة بما يضمن  الحد الأدنى لاستمرارها دون دعم خارجي  وخاصة من الأعداء  قبل الأصدقاء .

 ان العقل السياسي الفلسطيني البطريركي وجد بعض من ضالته في أوسلو وفي هذا المشروع وكشف زيف الادعاءات الثورية لهذه القيادات وسعيها المستمر والمجنون أحيانا للبقاء بصفة القائد الاب حتى لو على شاكلة (أبو الخيزران) الفهلوي المدع العاجز

هذه القيادة وحتى الان وبما تمثل  معتمدة على ما أنتجه مشروع أوسلو من تغيرات بنيوية في المجتمع الفلسطيني تستمر بالعمل على  محاولة  إيقاف الهرم على راسه بدل قاعدته وتستميت وتزداد إصرارا في الدفاع عن مكتسباتها وحلمها بتحقيق سلطة ذكورية وهمية على أبناء شعبها مما يعزز حالة التشوه البنيوي التي أدخلنا بها أوسلو، وما ينتج عنها من تشوه في المفاهيم وتراجع في قيم الانتماء الوطني وقيم النضال

 ان محاولات هذه القيادة التمسك بهذا النهج مستمرة  حتى الان رغم كل  الدلائل التي تشير الى فشل  هذا المشروع وتخلي  القائمين عليه  عنه والتنكر لما جاء فيه  فيما يخص الفلسطينيين  ،وستستمر رغم ما ينتج عن مواقفها  من اختلالات جوهرية وعدم توازن دائم واهتزازات مجتمعية كبيرة وتراجع كبير يصل حد الهزيمة امام المشروع الاستعماري الاستيطاني العنصري الا ان هذه البنى المشوهة التي نتجت عن هذه الحال  وانتجته تعيش وتستمر وتضمن بقائها كلما ازداد المجتمع ضعفا وكلما تراجعت عناصر قوته ووحدته ، مما يفس استمرار حالة الانقسام الفلسطيني وكذلك والتمسك بنهج التسوية والحياة مفاوضات والتنسيق الأمني .... الخ   رغم كل ما جلبه من   نكبات  .

 حالة من الفصام المرضي في علاقة هذه البنية الحاكمة بالواقع تتعمق وتزداد تفاقما، أزمات عميقة  تلم بالشعب الفلسطيني  في كل أماكن تواجده ، تختلف اشكال وطبيعة هذه الازمات ومدى انفجاريتها من مكان لآخر، لكن السمة الأساسية للمرحلة  هي الازمة  المستعصية  ، دعونا نتأمل حال الاهل في غزة وظروفهم المختلفة ،سياسية واقتصادية ومجتمعية الانقسام المجتمعي العمودي و الجروحات النفسية العميقة ، ونظرة أخرى على أهلنا في الداخل واشكالات اللأسرلة والتمييز العنصري وقضايا الهوية وانتشار الجريمة واتساع الهوة بين الناس والقيادة ،   اما في الضفة والقدس فحدث ولا حرج وكأنما المجتمع على حافة الهاوية ولا نعرف اذا كان مجتمعا ام جماعات  ، ومرورا بأزمات اللاجئين الفلسطينيون في لبنان وسوريا وأماكن الشتات المختلفة .

 من اهم القواسم المشتركة في مظاهر الازمة التي يعيشها  الفلسطينيون في كافة أماكن تواجدهم  هو علاقة أصحاب القرار او القيادات سواء كانت سياسية او اجتماعية او دينية او أهلية بالناس ( لا نستطيع ان نتحدث عن مواطنين فالمواطنة عملية واعية يدخل بها أناس احرار ليصلوا الى عقد اجتماعي يعرف كل منهم في اطاره دوره ومسؤولياته حقوقه وواجباته وحدوده وحدود ونوع العلاقة التي تربطه بالأخرين من جهة وبالسلطات المختلفة من جهة أخرى ) هذه العلاقة هي علاقة سلطوية تقوم على استخدام اعلى الهرم في سلم التراتبية المجتمعية والسياسية والاقتصادية كأداة للجبر والتحكم وإلغاء الاخرين واستغلالهم

السياسيون الذين يهيمنون على القيادة الفلسطينية  لا يهمهم سوى مزيد السلطة ومن عناصر النفوذ وزيادة في عدد المصفقين ولهذا فان الد اعدائهم  هو انتشار الوعي الثوري والتنظيمات الحزبية والنقابية والحركات الصادقة والحقيقية ،اما رجل الدين الذي يرى في تراجع المرجعيات القانونية والمدنية فرصة للتسويق لمرجعيات غيبية نصب من نفسه ناطقا باسمها لذلك فان قيم الحرية  و وما ومن يمثلها بالإضافة الى قيم العقل والنقد هي الد اعدائه  فوجب تحريمها وتكفيرها ، اما الشرطي ورجل الامن  "السلطة التنفيذية" فلا يهمه سلامة المواطن بمقدار ما يلتفت للمظاهر المتعلقة بهيبته كمحتكر للقوة وكيفية الانتفاع منها ويرى ان قوة المجتمع الد اعدائه والخطر الذ يهدد مصالحه ومكانته في مجتمعات الخوف  ،اما أصحاب الأموال والكمبرادور فهم شركاء دائمين على طاولات الفئات السابقة كلها وقبلها ومعها الاحتلال فراس المال  حليف الربح وشريك الحكام .

 هذه الفئات في حال تحالفت في لحظة ما  وهي كذلك الان ،من السهل ان تجد مصالح وأرضية مشتركة فيما بينها وان تنشئ هذا الحلف حيث تتشكل الطغم الحاكمة المسؤولة تاريخيا عن تراجع الأمم والشعوب وانتشار للجهل والظلامية والتخلف والفقر وهي تتحول تدريجيا الى أدوات في يد القوى المهيمنة سواء كانت وطنية او استعمارية ولا يمكن ان تقود المجتمع نحو مشروع تحرري  فهي تمثل  النقيض بشكل واضح وتعتبر  متصارعة ومتناقضة   تماما مع المشروع التحرري    فالتحرر هدفة  ان يقضي عليها ويلغيها  اما من حيث استخدام هذه الطغمة  لشعارات  الحرية  والاستقلال ومفاهيم "ثورية : او تحررية  فهي ذر للرماد في العيون وتجارة في حاجات الناس واحلامهم  وجزء من عملية  تشويه الوعي .

  لقد كان الاحتلال الصهيوني ولا زال هو المسؤول الأول عن كل المعاناة التي عاشها ويعيشها الشعب الفلسطيني شكل ولا زال يشكل الخطر الأكبر على مستقبلنا كشعب وقضية، الإسرائيليون لا يهتمون بتزيين مشروعهم   هم يعلنونه بكل وقاحة وجلافة   لكن هناك من يتطوع لتزينه بالأفعال قبل الاقوال وهم كثر ومنهم فلسطينيون أو عرب

  الإسرائيليون لا يعلنون عن مشروعهم  فحسب بل هم يطبقونه على الارض  وعلى  دماء واجساد الفلسطينيين ارتكبوا ابشع المجازر واجبروا الفلسطيني على الرحيل من مدنه وقراه سرقوها ونهبوا خيراتها هم لا يخجلون او يترددون في اعلانهم عن رغبتهم واهدافهم بإنهاء الوجود الفلسطيني بكافة اشكاله ،فكل ما هو فلسطيني يرونه تهديدا لهم - اللغة التاريخ الهوية الشوارع البنايات الروايات الرمز - فالفلسطيني هو الضد لذلك  تراهم لا يألون جهدا في محاولات الغائنا   يستهدفونا فردا فردا  بيوتنا اموالنا  تجارتنا  يقتلون أطفالنا  ويرقصون على دمائنا ويستحضرون الدين والاسطورة  وكل وسائل التضليل لشحذ الفاشية واطلاق مشاعر الكراهية  ووجودنا بالنسبة لهم مرهون  بحصولهم على  الفرصة والسياق المناسب لتنفيذ جرائمهم ،

 ان جوهر المشروع الصهيوني يقوم على الغائنا  ولا يقوم على التعايش مع الفلسطينيين ،هذا جوهر المشروع واية محاولات للقفز عن هذه الحقيقة  او تزيينها  بمنطق المرحلية والدولتين والحياة مفاوضات  لن يغير من جوهر  المشروع الصهيوني  القائم على الغاء الاخر ولن يساهم  الا  بمزيد من الألم   والسؤال  الذي  يطرح نفسه في كل لحظة من عمر شعبنا وقضيتنا هذه الأيام  هو ،  ماذا قدمت لنا  قيادة الشعب الفلسطيني  في مواجهة هذا المشروع ؟  وهل قدمت وتقدم شيئا يرتقي الى مستوى مواجهة هذه الجرائم المستمرة؟  طبعا  قدمت  كل محاولات التزيين سابقة الذكر   والسؤال  هو لماذا  ومن المستفيد من ذلك ؟

 ان قواعد التاريخ تعلمنا ان ممارسات الاحتلال وعمائه وعنجهيتة واطماعه وعدوانيته ومشروعه التوسعي تشكل اهم دافع وعنصر في  المراهنة  على صحوة جديدة والعودة الى المربع الأصلي للصراع على حقيقته كصراع على الوجود وإعادة انتاج الثقافة التحررية وقيم المقاومة والتخلص من مما نتج عن نفق الاتفاقيات المظلم.

ان هذه القاعدة- قاعدة ان الاحتلال لا بد ان ينتج المقاومة الكفيلة بإنهائه وهزيمته هي قاعدة  اقرب الى القانون اثبتها الوقائع والتاريخ في  اكثر من مكان – هذه هي العملية نفسها  التي لا بد وان تجعل من عمر هذه الطغمة قصير وتمنعها من البقاء لفترات أطول  وبمقدار ما هي نتاج  مخططات الاحتلال ومصالحه فهي أيضا  يضا تنتهي بفضل  طبيعة هذا المستعمر وممارساته  ورؤيته  الوظيفية لهذه الهياكل والبنى،  ان محاولات تسويق الدولة تحت الاحتلال او الامارة  لن تساهم الا في مزيد من التضليل وإعطاء مزيد من الفرص للمشروع الصهيوني  ولن تساهم في تقدم مشروع فلسطيني التحرري  قيد انملة .

ان  مهمة إعادة انتج خطاب وبنية العمل الكفاحي التحرري ،  تطرح بشكل دائم ي مهام ضرورية على كل الحريصين في الشعب الفلسطيني تتمثل  أولا بتجاوز المعضلة التاريخية الفلسطينية بتمجيد التاريخ وسيادة منطق الفهلوه في تفسير الهزائم   والاخطاء وتقديس الشخصيات الاعتبارية والقيادات التاريخية دون وضوح والخلط المقصود والغاء المسافات بين الثائر والخائن بين  الباحثين عن مصالحهم الضيقة والخاصة على حساب القضية وبين المناضلين  فلا يمكن البدء من جديد  على صرح من  الكذب والوهم ، ان تجاوز الازمة لا بد ان ينطلق من الإقرار بالحقائق المرة وهي ان المشروع  الفلسطيني  بصيغه القديمة   قد وصل الى طريق مسدود ان لم نقل  فشل  او هزم   ولكن لم تتحدد المسؤوليات  ولم يحاسب احد ، مشكلتنا  في  فلسطين  ان التضحيات والبطولات  كانت من نصيب الفقراء  وكان القرار  بيد القيادات التقليدية  التي  رافقت القضية عبر  أجيال  حيث تغيرت الوجوه احيانا  وتغيرت الشعارات كثيرا لكن الثابت الوحيد كان  محاولة هذه القيادات  المساومة للبقاء وللانتفاع ، وفي ظل غياب المسائلة  تستمر هذه القيادات  بالتلاعب  بالقضية وبحرفها لتتلاءم مع مصالحها وطموحاتها

 

 ثانيا دعم اية مبادرات او حركات تؤكد عمليا من خلال ما تنتجه من بنى سياسية وثقافية على وحدة الشعب الفلسطيني المتجاوزة للتجزئة القسرية، والتوجهات العنصرية الصهيونية التي توجت مؤخرا بقانون القومية الإسرائيلي هي أرضية هذا التوحد ، ومن جهة أخرى فان المطلوب في سياق العدوان الإسرائيلي المستمر وعمليات الاستيطان المستشرية في كل مكان

ثالثا إعادة الاعتبار بكل الوسائل والطرق للقضية الشعب الفلسطيني كقضية تحرر والإبقاء على جذوة المقاومة مشتعلة ما أمكن،

رابعا ولا يقل عن ذلك أهمية البعد التحرري والاجتماعي للنضال ومواجهة البنية البطريركية وانتشار ثقافة التخلف والجهل باسم الدين والعادات المجتمعية

ان البنى الفلسطينية المتحكمة الان في قرار الشعب الفلسطيني لن تتخلى عن مغانمها اختيارا بل ستحاول إطالة هذه الحال لأطول فترة ممكنة حتى ولو على حساب قضية الشعب وكرامته وحقوقه لكن سياق المواجهة الحتمية والمستمرة مع الاحتلال والتي تتم على مدار الساعة وفي كل الساحات لا بد ان يدفع المجتمع الفلسطيني ليكون في مكانه الطبيعي وإنتاج تعبيرات تعكس هذه الحقيقة من غير تشويه  خاصة في ظل السياق العالمي   الذي تتغير قواعده وبسرعة والسياق الاقليمي الذ تتدافع فيه المتغيرات وبرغم ما فيه من الام ومن تشظي وتشرذم واهدار للطاقات والإمكانات الا انه أيضا يعطي فرصا أفضل للتخلص من هيمنة بنى التخلف والاوهام ويؤشر الى اقتراب مواجهات صعبة ومفتوحة ساحتها الأساسية المنطقة وفلسطين ومواجهات مع الذات ومراجعات جدية وضرورية نتمنى ان لا تكون دموية فلسطينيا  وهي على الاغلب  ستكون دموية على المستوى الاوسع وما حصل في المنطقة في السنوات الأخيرة ليس الا ارهاصات للمواجهات  الكبرى   التي  تنتظر المنطقة في السنوات القليلة القادمة و والتي ستشكل مخاض لتحولات تاريخية وعالمية كبرى نحتاج ان نتهيأ لها وان لا نتركها لتجتاحنا  ونحن في غفلة او دون أي استعداد

2018-10-18