الإثنين 13/10/1440 هـ الموافق 17/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
"حروفنا ليست ضعيفة" - عبد الهادي شلا

 حرف صغير -الراء- يتربع واثقا وسط كلمة، يبدل معنى الحب السامي في جوهره ومعانيه إلى معنى آخر مخيف ومرعب حين يعبث بجلاله ويفتت تماسكه .. "الحب" فتتحول الكلمة إلى .."الحرب" !!
 
هذا الحرف الصغير حين يأخذ موضعه بثقة تامة فإنه يـُبدّل البِناء بالهـَدم والجمال بالقُبح ويترك الباب مفتوحا أمام متناقضات تسرح وتمرح في نفس الإنسان تلازمه مثل ظله وتسيطر على خلجاته ،وتفتش في خبايا أفكاره عن خيالات سوداء العواقب.
 
لو سألنا عاقل إلى أيهما تُفَضـِّل ،الحـُب أم الحـَرب؟!
 
يميل العقلاء إلى جانب الحب فلا يمكن تصورعاقلا يفضل الحرب أو العنف بكل أشكاله في مقدمة البحث عن الحلول المستعصية ،لأن طبيعة البشر تجد قوتها في الحب الذي ينبثق من جوهره الترابط والتماسك والأمن وتترعرع في ظله خيرات الإنسانية الكثيرة وتفسح المجال للإبداع الخلاق الذي يصوغ صفة الحضارات واحتياجات البشر.
 
ولو سألنا أخر غيرعاقل نفس السؤال ..ربما أجاب نفس جواب العاقل ،ولكنه قد يصدمنا أن نجد بعض العقلاء أيضا حين ينحازون إلى الحرب بشكل لا يمكننا اليقين إن كان انحيازا ساخرا أم عن غير وعي وبدون إدراك، وهنا تكون الطامة الكبرى إذ يتعذر التنبؤ بالنتائج إن تحولت هذه السخرية إلى جـَدّ مدمر يصعب تداركه.

 

تقول غادة السمان:" من لا يخفق قلبه للحب بصدق،لن يشمئز قلبه من البشاعة التي هي الحرب والمرض 

والانانية والقسوة وكل ما يشكو منه عالمنا المعذب "

حرص الإنسان منذ تكاثر وازداد عدده وتوزع قبائل وشعوبا على وضع ضوابط تحفظ لكل من الحب والحرب حدوده فوضع مواثيق غليظة تحرم التجاوز المفرط في الحب وتوجهه نحو الرذيلة والانحراف كما المواثيق التي تحرم التحارب بدون سبب وبعد نفاذ وسائل إصلاح ذات البين.
 
عن الحرب تقول الكاتبة والصحفية البروسية سفيتلانا أليكسييفيتش: " كنا نموت هناك بينما كانوا يشاهدون هذه الحرب على شاشات التلفاز ، لقد كانت الحرب بالنسبة لهم مجرد فـُرجة ، اتصدقون كنا نموت وقد كانت مجرد فـُرجة.!"
 
أي سخرية أكبر من هذا الذي تصفه الكاتبة حول طباع البشر حين تنحرف عن جادة العقل والصواب وتُنحي المحبة والسلام بعيدا ،لتحل مكانها حرب تصبح "فـُرجة" عند من شغلت تلك الشياطين عقولهم وهم كـُثر ووسوست لهم بفعل الخراب دون أن يهتز لهم جفن،بل جلسوا على الآرائك في انتظار اقتسام الغنائم أو الاستحواذ عليها كلها.
 
حروفنا العربية ليست ضعيفة ولا واهنة كما رأينا مثالا واحدا ،أن حرفا صغيرا - ر – وُضـِع في كلمة قد غير جوهرها وصورتها ونتائجها من فـَرح ٍ وبـُشرى وسرور إلى حــُزن ٍ دائم وتاريخ لن تنساه الشعوب إن سقطت في مستنقعها..إنها الحـَرب التي تربعت"الراء" في وسطها!!

2018-10-27