الإثنين 13/10/1440 هـ الموافق 17/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
جواد العقاد: حول أهمية الرواية الواقعية

حول أهمية الرواية الواقعية. نعرفُ تمامًا أن مهمةَ الأدب محاكاةُ الواقعِ وليس وصفُ الأحداثِ كما هي، فالأديبُ ليس مصورًا بل يلتقطُ حالةً إنسانيةً معينةً ويرتكزُ عليها مستعينًا بالخيالِ وعناصرِ الجنسِ الأدبيّ الذي يكتبُ في إطاره، فهو لا ينقلُ الأحداث لأنه لا يؤرخُ بل يرنو إلى التأثير ِفي أعماقِ النفس البشريةِ وفَهم مكنونات الإنسان . والخيالُ شرطٌ رئيسٌ في الأدبِ كما هو واضحٌ في التعريفِ الشائع ِله: " كتاباتٌ مرتبةٌ بوضوحٍ تحت تأثير ِالتخيل ".

بدون الخيال لا يكون أدبًا والمقصودُ بالخيالِ هنا شخصياتٌ وأحداثٌ من خَلقِ الكاتبِ على الورق. الروايةُ الواقعيةُ تدورُ أحداثُها حولَ إثارةِ قضايا مجتمعية وتسليطِ الضوء عليها، فهي لا تطمحُ إلى حلِها بقدرِ ما تريدُ إثارتها وطرحها، فالأديبُ يلعبُ دورَ الفيلسوفِ في إثارةِ المشكلاتِ الكامنةِ في الزوايا المعتمةِ والمهمشة وجعلِها قضية رأي عام.

وخير ُمثالٍ على الروايةِ الواقعية روايةُ شرفةِ العار للأديب الفلسطيني إبراهيم نصر الله: روايةُ شرفة العار، أهداها الكاتب إلى (ضحايا جرائم الشرف في العالم بأسره، إلى النساء في كل مكان). هي روايةٌ عربيةٌ مهمة تعالجُ قضيةَ ظلم المرأة في الوطن العربي، رُغم أننا نسمعُ أصواتٍ كثيرةً تُنادي بحريةِ المرأة إلا أنها في أغلبها شعارات. قُسمت الروايةُ أربعةَ أقسام رئيسة.

أولًا: ما كان عليّ أن أتوقفَ أبداً عن الرقص

ثانيًا: خيط أحمر رفيع

ثالثًا :الراية السوداء

رابعًا: الليل الطويل

وعالجت عدة موضوعات اجتماعية في الوطن العربي منها: السجون، الغربة، المرض، البخل، التعصب القبلي وغيرها، لكن القضية المركزية فيها الظلم الواقع على المرأة في مجتمع ذكوري متخلف، هذه المرأة تمثلت في شخصيةِ منار البطلة التي تدور حولها الأحداث الرئيسة، منار التي قُتلت في النهايةِ ظلمًا بسبب العقلية العقيمة. الروايةُ واقعية ، فهي تعالجُ وتثيرُ قضيةً مهمة ً(جرائم الشرف) في الوطن العربي، يقول ُنصر الله: "الجريمةُ دائماً بدون شرف". لم يكن ذنب منار سوى أنَّها وقعت ضحيةً بين نارين، الجريمة والعقلية العقيمة، منار ُالفتاةُ البسيطةُ التي تخرجتْ وعملتْ مرشدةً اجتماعية .

هذه الروايةُ توضحُ وتفضحُ جرائم َيروح ُضحيتها آلافُ البريئات وما زالت مستمرة، يقول نصر الله في بداية الرواية:" إنَّ الأمرَ المفزع في كتابة ِروايةٍ كهذه، هو أن تقومَ بكتابتها في الوقتِ الذي يتساقطُ فيه الضحايا حولك! " .

أما عن رواية العربة الرمادية للأديبة بشرى أبو شرار، التي عالجتْ قضيةَ الغربة والحنين. ليستْ روايةً بقدرِ ِما هي درسٌ مهمٌ في الإنسانية، فهي تزرعُ المعنى العميق للإنسان وتُأنسن الأشياء. الذاكرة متعبة وجميلة في آن ومن الجميل أن نحبَ التفاصيل الصغيرة في حياتنا، فالتفاصيلُ وحدها تخلقُ من الإنسانِ كتلةَ إحساس، وتوهبه الشعورَ بالخلود ِوالعظمة.

في هذه الرواية يتجلى مُرادُ الكتابةِ بوضوح، فالكتابةُ بحثٌ عن الذات وتحايل على الذاكرة، الكتابة ُوطنٌ إنْ ضاقت الأوطان.

من عنوانِ الروايةِ نفهمُ أن الذاكرةَ تشكلُ وعيّ الإنسان وأحلامه وألآمه وطموحه وتثبت مدى أصالته، ومن هنا عالجتْ قضية الرواية الرئيسة (الغربة والحنين) نجدُها ركزتْ على الشخصية ِوكيفيةِ تعاملِها مع واقعها وماضيها واهتمت بأدق التفاصيل في نفسيةِ الإنسان فالألمُ والأملُ يبدآن دائماً من الفرد.

جواد العقاد - فلسطين

2018-10-29