الإثنين 17/12/1445 هـ الموافق 24/06/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
العرب والحرب العالمية الأولى - 1 - ....تميم منصور

  في الساعة الحادية عشرة من اليوم الحادي عشر ، وفي الشهر الحادي عشر من عام 1918 ، توقفت ادوات القتل والدمار التي استعملها المتحاربون في الحرب العالمية الأولى عن قتل المزيد من الأبرياء والضحايا ، ضحايا جشع وأطماع قادة الدول التي دمرت أكثر المناطق حضارة في العالم ، خاصة في القارة الأوروبية وفي الشرق الأوسط . كافة المؤرخين والمراقبين الذين حللوا ورصدوا ظروف هذه الحرب أجزموا بأنها لم تكن حرب مبادىء ، بل كانت حرب مصالح بين أقوى الدول في العالم ، كل دولة كانت تريد ان تستعمر وتتمدد أكثر ، كل دولة من هذه الدول حاولت ان تسيطر على مناطق استراتيجية كي تساعدها في بسط هيمنتها ، هناك دولة واحدة تغيّر موقفها 180 درجة خلال الحرب هي روسيا ، فبعد أن نجح الحزب الشيوعي الروسي بقيادة لينين بالسيطرة على الحكم ، والقضاء على الحكم القيصري في شهر اكتوبر من عام 1917 ، سارعت القيادة الروسية الجديدة الى التفاوض مع المانيا ، ووافقت على الخروج من الحرب ، لأنها ادركت واعترفت قبل غيرها بأن هذه حرب مصالح ، وليست حرب مبادىء ، هدفها نشر السلم والرخاء والعدالة في العالم . وافق لينين على وقف القتال كي يضمن نجاح الثورة ، رغم أنه وقع على اتفاقية كانت قاسية جدا بالنسبة لروسيا ، عرفت باتفاقية " بريست ليتوفسك " لكنه كان يعرف بأن مستقبل المانيا سيتقرر بعد هزيمتها على يد الحلفاء ، وان الأراضي الروسية التي كانت واقعة تحت الاحتلال الألماني ، سوف تتحرر وهذا ما حدث .

في هذه الأيام تحتفل الدول التي كان لها دوراً بارزاً بإشعال هذه الحرب بذكرى مرور مائة عام على انتهائها ، والمهزلة ان هذا الاحتفال تم في فرنسا ، بحضور قيصرة المانيا ووفود أخرى ، فقد ظهر التناقض والرياء في هذه اللقاءات ، لأن فرنسا بقيادة طفلها السياسي " ماكرون " أكثر من تباكي على هذه الحرب ، كما ان قيصرة المانيا افتعلت الحزن على ضحايا الحرب العالمية الأولى ، وكذلك ممثل حكومة بريطانيا ، والرئيس الأمريكي الأهوج ترامب . كان لقاؤهم وهمي وكاذب ، لأنهم لا زالوا يصنعون اسلحة الدمار والقتل ويتاجرون بدماء الأبرياء في كل من اليمن وفي سوريا وافغانستان والصومال وغيرها من الدول ، لا زالوا يمدون اسرائيل بسلاح القتل والدمار لقتل الفلسطينيين ، مع ذلك فإن أحداً لا يستطيع الانكار بأن الحرب العالمية الأولى كانت أخطر وأهم الأحداث التي وقعت فوق الكرة الأرضية حتى ذلك الحين ، وان هذه الحرب ادت الى قتل واصابة ملايين البشر ، وانها خلفت بعد انتهائها واقعاً جديداً سياسياً وجغرافياً في اوروبا وفي الشرق الأوسط ، وان أكثر الشعوب التي تضررت من هذه الحرب هي الشعوب العربية . كانت المانيا ومعها حليفاتها امبراطورية نمسا المجر والامبراطورية العثمانية وبعض الدول الأخرى ، على قناعة بأنها سوف تحسم المعارك لصالحها في اوروبا بسرعة ، وضعت المانيا خطة مسبقة لبداية الحرب عرفت بخطة " شلايفين " وهو أحد كبار القادة العسكرين الألمان تقضي هذه الخطة بدخول فرنسا عن طريق بلجيكا واحتلال باريس ، مما يشل قوة وحركة الحلفاء ، خاصة بريطانيا ، لقد أفشل الفرنسيون هذه الخطة بفضل الجنرال " جوفر " الفرنسي ، الذي قام بعملية التفاف ، عرفت بعملية الراين فترك الجيش الالماني المندفع داخل الأراضي الفرنسية أمام خيارين ، أما الاستسلام أو العودة الى الخطوط التي قدموا منها ، وتحولت الحرب بعدها الى حرب ثابتة بدلاً من أن تكون حربا متحركة كما يريد الألمان . من هنا بدأت هزيمة المانيا ، لأن التمدد الزمني في الحرب ليس لصالحها ، حاولت التعويض عن جمود الجهة الغربية ، بجبهة متحركة مع روسيا ، لكن هذا لم يحسم المعركة لصالحها ، لأن الجيش الروسي لم يستسلم ، كما أن خروج روسيا من الحرب عام 1917 ، لم يمنع هزيمة المانيا في النهاية ، لأن الولايات المتحدة دخلت الحرب الى جانب فرنسا وبريطانيا ، مما جعل هزيمة المانيا مسألة وقت . بعد ان الحقت قوات الحلفاء الهزائم المتلاحقة بجيوش دول المحور ، وهو الحلف الذي قادته المانيا ، كانت الهزيمة على كافة الجبهات تقريباً ، ففي الشرق الأوسط ، فشل العثمانيون بإعادة احتلال مصر رغم مساعدة الالمان لهم ، كما ان القوات البريطانية تمكنت من دحر العثمانيين من فلسطين ومن سوريا ، ووصلت الى حدود سلاسل جبال طوروس ، كما احتلت القوات البريطانية العراق ، وهذه كانت ضربة قاتلة لدول المحور . في اوروبا بدأت قوات الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة ، تتدفق مخترقة الحدود الالمانية ، مما وضع الالمان مرة أخرى أمام خيارين اما الاستمرار في القتال ، وبهذا يتم تدمير كافة المدن الالمانية واما الاستسلام ، فكان الخيار الثاني هو المصيري بالنسبة لها اي لالمانيا ، فقد وقع وفد الماني على اتفاق الاستسلام بين يدي الجنرال الفرنسي فوش ، وكان التوقيع في احدى عربات القطار الخاص بالمارشال المذكور ، المتوقف في إحدى ضواحي مدينة باريس . في الشرق الأوسط اضطرت الدولة العثمانية على الاستسلام خاصة بعد أن احاطت قوات الحلفاء بأساطيلها ومدافعها العاصمة اسطنبول ، متخوفاً من تدير المدينة التاريخية ، اضطر السلطان العثماني القبول بالاستسلام دون قيد أو شرط . كانت نتيجة الحرب انتصار الحلفاء ، امريكا ، بريطانيا ، فرنسا ، ايطاليا اليونان وغيرها ، هذا يعني انتصار دولاً استعمارية على دول استعمارية أخرى ، اما الشعوب فهي خاسرة لدى الطرفين ، فقد قدر عدد من أصيبوا في هذه الحرب حوالي 37 مليون مصاب ، من بينهم 16 مليون قتيل من عسكريين ومدنيين و 20 مليون جريح . قتل من المانيا مليوني عسكري ، ومن بريطانيا 800 الف عسكري ـ ومن فرنسا 300 الف عسكري ومن الدولة العثمانية 700 الف عسكري ، ومن امريكا مائة الف عسكري ، هذا عدا عشرات الالوف المفقودين ، اضافة الى ذلك فقد دمرت آلاف المصانع والمزارع ، والاملاك العامة والخاصة ، اضافة الى تدمير البنية التحتية في العديد من المدن الأوروبية ومدن الشرق الأوسط . من الطبيعي أن تنعكس هزيمة دول المحور الأوروبية ، وهي المانيا والنمسا والمجر وبلغاريا وكل من دعمها على سكان هذه الدول ، كما انعكست هذه الهزيمة على الشعوب الأوروبية التي خضعت او وقعت تحت حكم كل من المانيا والامبراطورية النمساوية المجرية ، فقد اعاد مؤتمر الصلح في فرساي الذي عقده الأحلاف المنتصرون رسم خارطة اوروبا من جديد ، سياسياً وجغرافياً وديمغرافياً ،كذلك الأمر ادت هزيمة الدولة العثمانية الى تغيير ملموس وجوهري في خارطة الشرق الوسط ، فرضه المنتصرون الحلفاء وكان الضحية هم العرب .

يتبع

2018-11-13