الجمعة 17/10/1440 هـ الموافق 21/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الجمعة السوداء Black Friday ....عبد الهادي شلا

 لا نقاوم الإبتسامة ونحن نقرأ الترجمة الحرفية ليوم التسوق الذي يسمى في بلاد الغرب  Black Friday  ،فهذا يوم ينتظره الآلاف ذلك أنه يأتي مع الاستعدادات السنوية الكبيرة للاحتفالات بأعياد الميلاد،و يعتبر من الفرص الطيبة لأصحاب المتاجر بكل أنواعها والتي تتسابق في الترويج لمنتجاتها وبضائعها قبل هذا اليوم باسابيع وتسهب في تقديم العروض بالخصومات على كل ما تستشعر بأنه من ضروريات ومستلزمات الاحتفال بأعياد الميلاد.

هذا اليوم يتكرر قبل "الكريسماس" بشهر تقريبا بشكل ملفت وكبير حيث تصل الخصومات على المنتجات إلى أكثر من 70% في بعض المتاجر الكبيرة والتي تستغل هذه المناسبات بالترويج لليوم التالي للاحتفال بعيد الميلاد "الكريسماس" والذي يسمى Boxing Day  حيث يتهافت الناس على كل شيء يكونوا قد بيتوا النية لشرائه وهم يتابعون الإعلانات التي تملأ الصحف وشاشات التفزيون بالإضافة إلى الإعلانات التي توزع على البيوت تحمل الكثير من تفاصيل مغرية وخاصة إن كان هناك منتج تقني جديد يهتم برغبات الأطفال أو الشباب من الألعاب الألكترونية.

لاشك أن الذي أقدم على تثبيت هذه الأيام المميزة لتحريك السوق وتسهيل بيع المنتجات كان على دراية بمشاعر الناس ومتطلباتهم بما يمكن إغرائهم وجذب انتباههم إليها فحقق غرضين أولهما تجاري يدرالربح ويُصَرِّف المنتجات والثاني نفسيا يُرضى به رغبات العامة من الناس بكل أطيافهم في الشراء والاقتناء الأمر الذي يجعل عجلة الإقتصاد دائرة.

بعد انتهاء موسم الأعياد يبدأ حساب أخر عند كل من"تورط"بشكل كبير في شراء أكثر مما يحتاجه فعلا فيبدأ في تسديد أقساط المشتروات التي في أكثرها لم تكن مدفوعة فوريا بل باستخدام البطاقات البنكية، وهي في الغالب مبالغ مرهقة تستنفذ جزءا كبيرا من الدخل وقد يستمر التسديد إلى ما قبل موسم الأعياد التالي.

ليست بلاد الغرب تختلف عن بلاد كثيرة باتت تعمل بهذا التقليد ففي البلاد العربية مثلا هناك مناسبات وأعياد يتم فيها نفس التصرف ونفس السلوك التجاري المغري،ولكن وللإنصاف فإن الحالة الاقتصادية هناك ليست في المستوى العالي ماديا كما في بلاد الغرب المستقر اجتماعيا رغم ما يمكن أن يقال أن البلاد العربية غنية جدا ،ذلك أن أغلب الدول تعتبر فقيرة وقد يصل فيها مستوى الفقر خطا أحمرا..!!

مع التدقيق نجد أن هذه الأيام التي باتت تتشابه في معظم بلاد العالم ،هي نتيجة الانفتاح وأن العالم بات كما يقال قرية صغيرة تستخدم فيه نفس الأدوات حيث غزت تقاليد بعض البلاد وتداخلت مع تقاليد وعادات بلاد أخرى كانت معها على خلاف عقائدي أو اجتماعي.

الاقتصاديون هم أكثر الناس اهتماما بالتخطيط لتسويق المنتجات ،وهم الأكثر قدرة على رسم الخطط لها وذلك لتتبعهم باحصائيات شبه دقيقة لسير خططهم الاقتصادية التي باتت تسيطر على السوق العالمي،لذلك فهم يشجعون على إبتداع أيام مشابهة ليوم "الجمعة السوداء – Black Friday " .

خلال العام الواحد نجد أياما مشابهة لها مثل يوم الحب Valentine Day مثلا وهو ذو خاصية ويروج لمعاني الحب بكل أشكالها، وهو كذلك مناسبة اقتصادية يتم فيها الترويج لكثير من المنتجات التي تتوافق مع المناسبة.

هو يوم إنتشر الاحتفال به في كثير من البلاد رغم بعضها المحافظ والمعارض له إلا أنه يتم الاحتفال به وأصبح أمرا واقعا حيث يحتمي المحتفلون به بمظلة الحرية الشخصية وأنه يوم الحب .

يبدو أن البشر في حاجة إلى أيام تشبع فيها رغباتهم ويحققوا بعضا منها بمناسبات ولو كانت مرهقة ماديا وسط رحى الأيام القاسية التي باتت الحروب في بعض البلاد إحدى صفاتها فيجدوا في هذه الأيام متنفسا يوازن بين ضعفهم على مواجهة ما يجري من حولهم وبين ما يستشعرونه من قصرالأجل الذي قد يكون على بعد ثوان..!!

2018-11-25