الجمعة 17/10/1440 هـ الموافق 21/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
شعرية الوجع وأنين الحقائب في رواية ' ذاكرة الحقائب ' لرشيدة الأنصاري الزاكي .... بقلم : فوزي الديماسي

بين الطائرة والحافلة ، وحديث الظلمة ، وتنفّس الفجر ... و بين التّحليق والأبوّة الواهمة ، وفقدان العذرية والذاكرة ، يعيش النصّ لحظات جلد ذاتي ، يكشف فيها آلام حقائبه اللاّئذة بالذاكرة حقيبة ، حقيبة ، ويكشف عن وجوه الخيبات المتعدّدة في مسيرة إنسان كتب عليه الشقاء مذ أطلق صيحته الأولى في هذا الوجود المحكوم بالصباحات الموبوءة .

ينطلق النص بفضاء مفتوح ، وجناحين من أمل محلّقة نحو الضفّة الأخرى ، فيوهمك المتن للوهلة الأولى بدخول العالم من باب الصّباح ، وسرعان ما يتلبّس النصّ بالمناطق المظلمة ، ونتوءات الذاكرة الجريحة ، فيرتدّ الحكي صدى لأوجاع قابعة في قيعان الحقائب / حقائب الذات المكلومة ، ويقطع السرد مع حديث الطائرة ، والطيران ، والحلم المرفرف في سماء الأمنيات ، والتّحليق ، ليتقهقر نحو مساحات مشحونة بالعبرات ، والعذابات ، وينحدر إلى أسفل دركات الوجع ، والخسران المبين ، وتغلق خقيبة فجرية الخطوات لتحتلّ مكانها حقائب أخرى مشحونة بالأشجان مختلفة ألوانها ، وأحجام آلامها .

وبين حقائب السفر، وسفر الحقائب تنطلق رحلة الآهات المكبوتة ، وصرخة عليلة تمخر عباب بحر الأحزان والنصّ في الآن نفسه ...وبين الزمنين : الذاتي والمرجع ( النصّي ) ، والمكانين : الفيزيائيّ و الذاتيّ ، يراوح الراوي مكانه ومواطن تدخّله ، وينوّع من زوايا رؤيته ، لنرى به ، ومعه الوجع واضح الهزائم لا غبار عليه ، وليرحل بنا في الآن نفسه في مناكب الغربة ، والشقاء ، والكلمات ، أفلسيت الحقائب صنو الرحلة والرحيل ورديفها لنقف بعد ذلك على لحظات سردية تكشف قبح الحياة ، وحياة القبح بكلّ ما تحمله الكلمات من أشجان ، وبشاعة ، ومعاناة ... إنّها حياة مشوّهة الملامح ، ورحيل في بحور الأوحاع ، أوجاع التراث المنهوك حدّ الةخز ، تراث ترسمه ريشة طفلة / ضحيّة بشعريّة عالية في مواطن نصيّة عديدة ، وتلعب زاويا النظر للراوي على خشبة الحياة التخييلية دورا رئيسا في النّفخ في تفجّع النصّ وأنينه السرديّ المفضوح ، إذ من خلال ثقبين ( زاويتين ) يترصد الرواي صاحبته في النصّ على امتداد الرحلة على بساط رؤية مصاحبة ، وأخرى من خلف ، أمّا صورة الراوي العليم ، والناظر لعوالمه الحبريّة من فوق ، فلا وجود له في ثنايا الكتاب إلاّ في مناسبتين ، وكأنّه يؤكّك من خلال غياب زاوية رؤيته من فوق مدى تلبّس النصّ زمنيّا بالماضي ، والآن وهنا فقط ، من خلال صوت الحكي ، أمّا المستقبل كزمن يتحرّك في مسرح الأحداث ، ففي حكم الغيب .

والنصّ في الرواية متلبّس بشعرية شفيفة ، تنقل بكثيف الكلمات أحيانا ، وبدقيق الوصف أحيانا أخرى قتامة المشهد ، وبؤس الوجود ، كذاك المشهد الذي وقفت فيه براءة الطفولة في مهبّ ريح الذئبويّة ، وتحوّلت الفتاة في بيت الراحة في محطّة الحافلات من أرض الأسئلة النقيّة ، إلى عالم مسكون بالخوف ، والعواء ، والأسئلة القاحلة في أرض أبوّة مسّها سمّ الغياب ، لتترك وراء ظهرها بنتا على رصيف الذكريات الشريدة تعانق الفقد وذهاب ريح الهوية في زمن احترف فيه مجتمع منبتّ حيوانية الطرح في دوائر مغلقة متعفّنة ، يأكل فيها الأخ لحم أخيه حيّا ، ومّيّتا .

وتتعدّد الصور في هذا الباب ، وتتنوّع ، وتمتدّ الأوجاع في المتن ، وتنقل بلغة شوكيّة الخطوات مشاهد من حياة تعدّدت مصادرها وأسماء ساكنيها ( مصطفى المزابي ، التهامي ، مّي فاطنة ، سعدية ، سعيدة ، زينب ، أحمد ) ، والهمّ واحد ... مجتمع من رحم التعفّن والعفونة بعث جلّه ، يعيش في هيستيريا بحث محموم عن منابته وأصوله التي يطلبها ولا يدركها ... مجتمع ، أو بعضه بلا ملامح ، بلا منابع ، يأكل الطعام ، ويمشي في الأسواق / أسواق النخاسة ، بلا بوصلة ، بلا وجه يتحدّث به وعنه ، ويفضّله على بقيّة الخلق تفضيلا ، كسعيدة ، ولا صلة لها بالسعد والسعادة ، وزينب الطفلة الضحيّة في مهبّ صروف الدهر وشقوته ، تدور حياتهم دورانا لا ثمار تتبعه كما النصّ دائري الهوى ، تتعدّد الدوائر فيه ، وعلى سطحه ، وعلى اختلاف أحجامها تتنافر ، تتقاطع ، تتواشج ، تتواءم ، وحقائب تنسل من أخرى لتبني عالما من السرد ينهل من حقائب الذكريات ما يحثّ به الأحداث للسير نحو كهوف الروّح ... وتتشابك الحقائب وأسرارها ، ويفتح بعضها على بعضها ، لتقيم من بعد ذلك في أرض غريبة الملامح والمناخ كغربة شفيف الكلم المنثور في دنيا القصّ ، وتبقى حمّالة الحقائب بلا اسم ، ولا رسم ، ووجها كسائر الوجوه المتعبة في الضباب ، بلا هوّية ، إذ كلّ الشخوص تحمل في دنيا النصّ أسماء وملامح تدلّ عليها ، إلاّ هي ، لا اسم يؤدّي إليها ، وكأنّها في العالمين رمز الشقاء ، تتحدّث عن الإنسان وبه في كلّ أصقاع الخذلان ، بعيدا عن لغة الحدود وجوازات السفر ، وتحمل بين أحشائها صيحته وصداها حيثما كان ... لعبة الوجه والقفا لعبة الحقائب / الوجوه في النصّ ، وفي مساحات الإنسان / الوجع ... وجه يتحرّك في الآفاق دون تنصيص ، أو تسييج ، أو تحديد ، أو تخصيص ، فربّما هي " سعيدة " النصّ ، أو" زينب " الحكاية ، أو كلاهما معا ، وربّما هي أنت وأنا في منعطف من منعطفات محنتنا الذاتية والموضوعيّة .

هي قلق المتن في دنيا الرواية ، تقتفي آثار الضّباب على درب غير قاصد ، ولكن يكفيها ، أو هكذا أرادت أن تعرف " بسي الحسين / الأب " وبأحمد / الحبيب ، وبين الحسن والحمد ( الطفولة / النضج ) تتقلّب قاحلة الملامح على سرير الحيرة في عالم يراوح فيه مكانه بين بطركية محبّبة ، وذكورية قذرة ، كما دميتها ، عاشت بعض زمنها ، قلبها مع أبيها المتدثّر بالموت ، ودميتها في رفوف حبيبها الحاضر الغائب . وتتواتر الفصول منفصلة ، متّصلة ترسم بحرف قدّ من عالم الأحزان ، وبشعريّة عالية آلام الخلق بريشة حبريّة صقيلة البوح والنجوى في آن ، غير معنية بخطيّة الزمن السرديّ ، فزمنها مسكون بالفجيعة ، على مذهب الفنون التشكيلية ودينها ، ترسم على امتداد فضائها السرديّ " بورتريهات / حقائب " للخلق المتحرّك في عوالمها الجوانيّة والبرّانيّة ، والنصّ على لسان راويه ، نصّ عنيد طويل ، كما لياليه الشقيّّة / الشبقيّة في دنيا الخلق ، أطرافه في عوالم الأشجان ممتدّة ، عصيّ ، بهيّ ، مغناج ، شبقيّ ، يبعث في النفس شهوة الجسد وملاعبته ، ويسمعك في منعطفات الحكي أنيه ، وأنّاته ، فتتمزّق المشاعر بين الدعة ، والنصب ، والقرف.. نصّ حقائبه شتّى ، ووجعه واحد ، كوجع سعيدة التي مشت في رحلة المتاعب سنوات من الدموع ، والحيرة ، والسقوط ، والحلم المثقوب ، أو كوجع زينب التي يتربّص بها الزمن ومحنه الدوائر ، فتكون دمية أخرى تقذفها أمواج القدر المتلاطة على شطآن جليدية العواطف في محطّة حافلات ، أو في دار محنة وابتلاء ، فيكون مصيرها مصيرسعيدة / ظلّها ( بنت سي الحسين / حبيبة أحمد الحاضر بالغياب ) تلك الشخصية المندثرة الملامح كأطلال ذهبت ريحها ، وغادرتها نار القرى وأهازيج أيامها ... لقد فقدت أملها ولم تدركه ، فهاهي تبعث من رماد أملها في أمل غيرها ( الطفلة زينب ) لتعيد رحلة السرد كما تشتهي ريح سفنها المتعبة

2018-11-27