الإثنين 13/10/1440 هـ الموافق 17/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
'الجمجمة والزورق' .. رواية بقلم فوزي الديماسي

الإهداء 1 :
إلى كسرى ، مطماطة ، بني مطير ، القصيرن ، تكرونة ، حيث علّمت لغة الجبال والصخر والنقاء / الإنسان ...
الإهداء 2 :
وليغفر لي سيدي محمود المسعدي تطاولي ودخولي محرابه ... ولكنني دخلته دخول المحبّ المريد ...
****

كلمات عابر سبيل 
كما الأنبياء في صحراء الوجود ، نضرب في الأرض ، ونسيرعلى الطريق ، تدفعنا أمنياتنا ، وتحثّنا رؤانا ، نتصفّح كثبان السؤال بحثا عن نبع حياة في الحياة ، وندفع بأحلامنا نحو مساحات من ضوء وماء ، لعلّنا ندرك إنسانية اللحظة فينا ، ونكون بذلك في العالمين صوتا صقيلا ، ينفخ في جسد الكون فجرا بديعا يرسم على جبين العاجلة نهرا ووردة ، ويطلق في شرايين الفضاء حمامات من صقيل المداد قدّت .

****
فاتحة الوجع :
الصحراء ... 
الصخر ...
البحر ... 
الجبّانة ...
الجبال ...
هذه الفضاءات مجتمعة ثمثّل خشبة مسرح الحياة ، الحياة الرافلة في رداء عذراء بيضاء ، لا يشوبها كدر الإنسان ، وزيفه ، وغيّه ، وذئبويته ، ومكره ... هذه الأركان التي ذكرت ، هي مساحات تبعث في الخلق شهوة السؤال عن الدروب القاصدة ، الدروب المؤدّية إلى بساتين الحب ، وواحات الإنسان / الحمامة ، وكذا الجبانة رغم نومها ، وسكونها ، وقبح رمزيتها ، ندخلها من باب البحث بين العظام النخرة عمّا تكون به الحياة حياة ، فننفخ في طين القعود نار الكدح ، وأبجديات الفجر ... تلك هي المناخات ، والعيون التي تنهل منها رؤاي ، وتكرع منها حروفي ، هي لحظات إنسانية بدائية متوحّشة ، لم يخطّّ على بياضها ليل الإنسان عواء ساكنيه بعد ... هي الحياة... تلك التي نكتبها ، وتكتبنا ، ونحكيها ، ونحاكيها ، ويعشقها مدادنا ، ويقف اللسان على بابها مشتعل الفؤاد ذكرا ، يضيء دياجير العاشقين على باب الله الذي رسمناه في القلب ربيعا يمنح الفقراء أسباب الحياة على أديم الصباحات الدافئة...تلك هي اللغة التي نحياها ، ونتمناها لنا وجها في الآفاق مشرقا ، ينثر على البياض ( الورقة / الحياة ) صخب الحبّ ، وخرير الكدح ، كدح المؤمنين بالانسان المزروع في تراب الآفاق ابتسامة رضيع ... إنّها قيمة القيم ، ونصّ النصّوص تلك التي ركبت راحلتي على أنغام أوجاعها ، ودفعت قوافلي دفعا جميلا نحوها بحثا عنها / عنّي ، فيها / فيّ ، لعلّني أدركني / أدركها في مناكب وجه الله الذي أفتّش عنه بين جنبي ، وفي دموع اليتامى ، والثكالى ، والمعذّبين ، فتكون ذات سعي لغة انتصار ، وبناء ، وحياة ، نؤسّس لنصّ يبثّ في الحياة بذور الطير وأجنحته ، فأكون من مفردات أهازيج الفلاحين في حقول صنع التاريخ... لذلك أجدني في محراب الاعتراف ، وعلى سرير الانسياب، ولحظة الجلوس على حافة الحبر طفلا تائها يعانق الخوف. أكدح على درب الخيال بالكلمة كدحا محموما ، لعلّني أرسم نصّا يدفع بي نحو الحقول والواحات . أتدثّر بحذري ، وضعف حيلتي ، ويزمّلني السؤال والمجهول ، فأكتب سيرة شجني ، وعبرتي ، وفرحتي ، وأحبّر بكبير الحروف على جدار الصمت ملحمة المحاولة ، وفي الفؤاد لوعة تكتب بصادق المشاعر المجبولة على الترحال في صحراء الكلمات سيرة خيبة تعصف بسكينتي ، وتلقي بي في لجج الاضطراب ، فأقلّب سؤال الكتابة كما تقلّب طفلة دميتها في ليل البحث عن ذاتها المتوغّلة في الضباب ، وأسأل ذاتي الحبريّة المتورّمة أمام مرآة المداد عن قوافل الفجر ، عن الدروب الخضراء ، وأركب موج الكلمات مرّات ومرّات ، وألقي بشباك رؤاي في عرض الرؤيا ، وأدندن بناي الرحيل أغنية الصباحات المنشودة كامرأة فقدت طفلها ، وتنتظر تدفّقه من بين جنبيها ، وتسبقني عبرتي إلى خيمة القرطاس ، وأفقد بوصلتي في الكلم الشاسع ، كلّما زارتني شهوة الرسم ، فأدفع بلبّي دفعا جميلا متحسّسا طريقي إلى الشرفات ، وشرفات اللغات في عليّين لا يدركها قلمي النحيف ... لكنني سأكتب كي لا يموت الإنسان في ّ ... سأكتب لكي ينبت الصوت في حناجر الطيور ...
***
تصدير 1 : أسكب خيوط الفجر في كأس الحياة ... وأزرع في الرؤى نخل جدي ....
****
نافذة :
أجلس إلى الطين ، والرؤى في عقلي كما المرجل . أرسم عوالم وشخوصا ، وأركب صهوة المداد ، وأمشي في مناكب الكلمات وكأنّي الإله في عليائه . فتتمرّد الشخوص على أصابعي ، وتمزّق خرائطي ، وتتنكّر لطيني ، فأزبد ، وأرعد ، وأغضب ، وأعيد الخلق والنفخ مرّة أخرى ، فتقهقه الريح من وراء السحاب ، ويطلّ الفشل برأسه من بين أمواج الضّباب ، ويحثّ فيّ ضعفي دموع الخيبة . أكفكف أشجاني ، وألبس وجه طفل بعدما مزّقت وجه الإله ، وأعيد اللعب بالطين والنفخ مرّة ومرّة ، كنملة في ليل الكدح على صخرة السعي تصارع حبّة حلم .
***

اللوحة الأولى :
خرج الصباح من عرينه ليغتسل في ماء النهر الممدّد بين كثبان الحياة . كنت جالسا على ربوة الأسئلة تائه الخطوات ، أعدّ أشعّة الشمس الغائبة البعيدة ، وأحصيها ، وأرمق من خلال الأفق جمجمة أبي على متن زورق الآهات تمخر عباب الضباب . 
دفعني شوقي بعصاه دفعا رقيقا نحو ساحات الفجر ، فاقتفيت آثار رغبته ، ورغبتي ، وكان ثالثنا الحلم . 
سرنا والجبل نبحث عن ذاك الصبح الموعود . وفي طريقنا إليه توقفنا عند عين عارية إلاّ من غبارها لننهل من رضابها سرابا وحكمة ضائعة ، وإذ بصوت يطلّ علينا بهمسه الطروب ، اللعوب من وراء قيظ الرحلة فجأة . 
تطلّعت نحو الصخرة العالية المطلّة على العين ، فإذا بها أنثى صقيلة الوجه تقف كما اليقين أمام مرايا الغياب ، رافلة في شهوتها ، تراقص ريح الوجود ، وترسم بعينين متنمّرتين على جبين الأفق علامات الفناء . 
جرفني نحوها سيل من الوله الطفوليّ . ضحكت ، وضحك شوقي من بعدي ، وانطلقت على جناح الروح ، والريح ، والريحان نحو خرير صوتها .
سرت ، والجبال بعراء أحلامها تبعث فيّ طقوس الخلاص وبلوغ زورق أبي اللاّئذ بسماء الغياب . تقدمت بخطى ثابتة نحو الصخور المتناثرة ، يصعد بي درب ، وينخفض بي آخر ، ووجدتني أبحث في منعطفات الوجدان في طريقي غليها عن وجه أبي الذي ضيّعني في منعطفات صحف الأولين وقليل من الآخرين . 
وقفت على صفحة ماء بحيرة يتيمة في فؤادي المكلوم في طريقي إليها . 
لا وجه يفتح شرفاته لسؤالي هذا الصباح ... 
لا فجر يرفع رؤيتي في الخلاء بلا عمد .. 
أنخت فكرتي على باب الهجير، وناديت في الرحب ، فلا مجيب إلا صدى الريح يقهقه من أعلى الصخور عابثا بشعر الحورية الواقفة هناك في كلّ اتجاه ، والحورية في أعلى الجبل تغازلني ببرود قاتل .
نزلت من على صهوة حيرتي ، عقلت سؤالي عند السفح ، وسرت تحت ضوء القمر الجريح في مناكب أرض أجهل تفاصيلها وشعابها ، دفعت بكلماتي نحوها ، والناي بيميني يكفكف ألحانه حياء ، ومدادي في جداول القلب يقلّب الواقفة فوق قمّة الصخرة في صلف 
الدرب إليها ضبابيّ الملامح... 
مزدحم ببحيرات غطّتها جماجم الأوّلين وقليل من الآخرين ... 
قمر ثخين في علييّن... 
تقدمت نحوها بخطوات ملتهبة ، فوقف دوني الليل على شاطئ شفتيها، وعقر آخر نقطة ضوء تلوح كنافذة نحيلة من وراء الغيوم . وقفت بملامح باهتة بين يدي نجوى الجبل ، ألقيت بشوقي ، وبينما أنا على الحالة تلك إذ بالحورية تطلق في أرض السكون ضحكة غجرية التدفّق، وثمار صدرها تتدلّى كعناقيد شهوة خرافية تضرم نار الشوق في مفاصل الوجود وفي أقطار جسدي .
اتخذت لنفسي مكانا قصيّا أتابع منه حركتها على الصخر من وراء بلّور الروح . والرذاذ يدندن على وجه الصخر موسيقى حزينة ، وينقر من حين إلى آخر وجه الأرض الممتدّة بين عواء وفحيح ، وبينما أنا أتابع اضطرابها من وراء الضباب ، وبين أحضان السماء ضوء خافت يبثّ فيّ نواميس الرحلة وأسبابها ، وموسيقى هادئة منحدرة من مرتفعات الجمال تدفعني نحوها شعرت بدبيب الأمل والألم في جسدي ، أشعلت لفافتي ، وانطلق الدخان من بين أصابعي كراقصة بالي يقتفي آثار الضوء ، شدّتني إليها الراقصة ، وكذا الرقص ، والموسيقى المتلبّسة برداء شفيف من الهمس ملكت حواسّي كلّها ، فنسيت الحورية والجابل ، والنداء ، وسرت بعين حالمة وراء الراقصة المنبعثة من دخان سيجارتي . بعث المشهد في نفسي شهوة الحياة ، وسرعان ما عاودني الحنين إلى الصخرة وصقيلة المفاتن هناك .
وقفت تحت قدميّ الجبل ، ومطيّتي شوقي المتدفّق نحوها . طرقت بلطف المتيّم باب حلمها ، فجاءني صوت رقراق من وراء حجاب ، فأسرجت ابتسامتي ، ورتّبت تفاصيل لساني ، وامتدّت يميني نحوها بباقة من طيب الكلام ، فاكتفت بابتسامة ، وجّهتها نحو حيرتي ، وتاهت في الغياب .
ترنّحت حروفي في زحمة الأشواق ، ونفخ فيّ كبرياؤها على عتبات الحلم بذور حياة بعد موت ، دفعت مطيتي في وعر الدروب نحو مجلسها لعلّني أدركها في منعطف من منعطفات الفؤاد ... 
سخرت الحجارة من خطاي ... 
ضحكت البحيرات المتناثرة هنا وهناك من لهفتي...
أطلقت العنان لرجليّ ، فدحرجني تعبي نحو سحيق العودة ، وشددت الرحال مرة أخرى إلى مرتفعات الروح . تعثّرت مطيّتي والأمنيات ، بعثت بعينين حذرتين أتهجّى في ليل الطريق خرائطها . ركبت خوفي ، وذعري ، وأملي ، ومحنتي ، وصعّدت نحو مقصدي ، ومن حين إلى آخر أمدّ يميني أضمّد عرقي ، ونحيب الريح على بابها يداعب سخرية الحورية من أعلى المكان .
استرقت السمع ، وصهيل الليل يملأ القلب ذعرا ، وخرير الرؤى يصمّ آذان الجبال ، ركبت العزم ، وأطلقت العنان لبصري ، إنها هناك ،عند باب الغار تلملم أحلامها ، ووقع أقدامها على أديم عبرتي يحثّني ، ويضرم فيّ نار الشوق والعناق .
بحثت في رفوف ذاكرتي عنّي ، عنها ، عن أبي ، وقفت مستقيم الرؤى لعلّني أحسّ بأنّني في حضرة الصباح . التحفت الرهبة ، والصخرة في خشوع الأفق متسمّرة لا تريم . سرت ، ولمّا بلغت مجلسها استقبلتني استقبال العشّاق .
تقدّمت ... 
مدّت نحوي يمينها ...
أجلستني على حافة الغد ...
والسؤال يحلّق فوق رأسينا ...
والكلام قارب في عرض الدهشة ...
يتابع بصمت أهازيج اللقاء ...
لملمنا الصباح معا ، وكذا بعض كلمات ، وحفنة من الرؤى ، وسرّحنا قوافلنا في أرض الأنين الفسيح بحثا عن صوتنا لعلّنا نبلغه ، وندركه بين أشجار الهمس معا ، أو في الكهوف الجالسة القرفصاء على باب الدهشة ، وكان نسيم الصباح يداعب خصلات الأفق برفق من حولنا ، وكنّا على الصخرة طفلين نلاحق بعين حالمة خيوط الشمس . 
عانقت حروفي المنتشرة في حقول المعنى ، وتوقّفت عند كثبان الماء الغائب , فخرجت عليّ الرؤى من خدر العشق بعودها الصقيل . ومن وراء كثبان الذاكرة كنت مع حوريتي الجالسة بالقرب منّي جلوس الحبيب إلى حبيبه نتابع عصفورا تحت خيوط المطر يسير في الطريق بلا أجنحة ، يتهجّى بياض الأرض، ويحبّر بخطاه سيرة التيه ، وينقر حبّات فجر وليد ، والأرض من تحتنا تهدهد جثث أطفال مرسومة على جبين الوجود كما الوشم . وريح شرقية الهوى تعانق مجلسنا، وتدير كؤوس المطر على الصخر المحيط بنا .
تدفّقت ذكرياتي من شاهق حزني ، والوجود بسمائه الكئيبة من فوق رؤوسنا يعزف لحن خيبة عاتية ، يرسل من حين إلى آخر بحمامات فوق سفننا المسافرة في الأمنيات . أينعت أناملي داخل سجيتي تعزف أغنية صباحية . وتوجهت نحو الجالسة بجانبي ، وطفقت ارسد عليها سيرتي :
سليل صهيل الريح أنا ... 
صيحة في معاجم اللّغات ... 
من رحم السؤال بعثت ...
ركبت همّي 
شجني ...
سؤالي ...
أبحرت في لوح الأجداد أفتّش عن أبي وزورقه ، فتهت في صحراء البحث ، عانقت وعر الدروب إليه ، إليّ ، وصعّدت في مرتفعات الجراح . بحثت عنه / عنّي في كلّ الحناجر ... في صفحات الوجوه ... في صحف الأوّلين ، وقليل من الآخرين ... 
سرت في مناكب الأحلام ، والأوهام لعلّني أدركه / أدركني ، حتّى أدركتك أنت ، في شاهق الصخر آية من آيات الفلاح ، فتبرّجت على شفيف صوتك دروبي . وبين يديك
وجدتني متيّم الخطوات ، أسير نحوك مصعّرا همّي ، وشجني ّ ، ولا أخطاب فيك إنسيّا ، حملتك يبن جنبي قبل أن يحملك رحم الوجود ، ورسمتك في الوجدان آيات خلود ، عشقتك عشق الأنبياء لصحفهم ، وهمت بك كديك الجنّ ، وجنّ في حماك الفؤاد ، طفت بك مثنى ، وثلاثا ، وتمسّحت على أستار خفرك ، وركبت منك إليك في هواك العاديات...
أنت يا شغاف القلب في كتب الأولين ...
ويا وجهي المنذور للصباحات في حكايا العاشقين ...
عشقت فيك شهوة الحياة حتّى أدمنتك ...
ووقفت بباب لحظك أرتّل تعويذة لأبي حتّى لاح لي في يمّ عينيك على ظهر زورقه يمخر عباب الغبار ... 
هكذا تغتالنا أمانينا ... 
تلقي بنا دمعة على قارعة الحريق ... 
ننهض من مرقدنا ... 
من زمن السكون ...
نحلّق من جديد ...
فتلاحقنا أوهامنا كريح عاتية ... 
تعبث بنا وبرؤانا مخالب الغياب ... 
فتذرف مراكبنا الوقت ... 
نصعّد رغم المحن في جبال الشجن...
لعلّنا نعانق ذات فجر فجرا وليدا ...
أنا الزنيم في الآفاق منتصرا ...
أمشي على النار ... 
أبحث عنّي ...
وبين منعطفات لساني/ لغتي أمشي مكبّا على حلمي كإبراهيم الخليل ...
أبحث عنّي ، عن أبي ، لعلّني أدركه صباحا ، أو نخلة في أحشاء أمّ رؤوم ... 
فأغنّيه من كوّة الشكّ ... 
أطلبه في شرفات السؤال ... 
أقوله في سرّي وعلني .
كأفعى الكليم بين الأمم أنا ...
بيميني أمنيتي ...
بشمالي رؤاي ... 
أجوب شاسع المكان ، و متّسع الزمان ... 
أطلب المستقرّ ، ولا قرار لي ...
وقوافلي كثيرة الاضطراب في قرى الكلمات...
كبراق قدّ من جليل العبرات أنا ...
يمخر عباب الفؤاد المتيّم بالفجر ...
و ينثر في جرح السؤال تباشير الولادة ...
ويزرع تحت أقدام العذراء نخلا وواحات ...
مشيت في الارض كعيال الله حتى عثرت على أبي وزروقه في بحر عينيك ، فاطلقت 
في الرحب صيحة البعث ، فبعث الجماجم من سباتها المتلبّس بالسواعد والألباب، وناداني صوت سرمديّ من وراء حجاب المعنى على باب عينيك :
اخلع نعليك ...
إنّك في محراب الغواية ...
فتقدّمت نحو ديار الشوق ، والحلول يحثّني لبلوغ مرافئ وجهي ، وبعثت من بين أناملك بأبي أغنية على ضفاف الكون .. 
تطلّعت نحو وجهها ، فدفعني صفاء الملامح نحو الرحيل ، ركبننا فلك الحلم لنسافر بعيدا في الأمنيات معا ، وأطلقنا جناحي عصفورنا الحلم في تفاصيل الصباحات يرسم على بلّور الوجود لوحته بألوان زاهية...

نافذة : 
وحين أعانق ريح الجبال فيك وأراقص سنابل الحقول بين أيادي الكادحات ، ويعفّر طين القرى طفولة قدمين ، وينهش البرد عظام الطاعنين في الحلم ... بين أحضان أكواخ عارية ، وثلج البلاد يغطّي البلاد ، ويوقد في الأفئدة غربة حامية ، ووجه القرى الملطّخ بالأخاديد النائية والأمنيات الواهية ... تزرع عجوز التاريخ الابتسامة على ثغر الوجود ، وبيدها فانوس السواعد يضيء البلاد الباقية والهاوية ... بين أشواك الذئاب نائمة ... وأنياب ريح سموم من وراء أسوار قصورهم تولول عاتية .....
اللوحة الثانية :
انحدرنا من الجبل ، يدحرجها أملها ، ويدفعني نحو الهاوية فضولي ، كانت تجري كما الريح ، ومن ورائها قهقهاتها تذكي فيّ نار السؤال ، فجأة توقّفت عند جبّانة تخيّرت لها من الأماكن سفح الجبل ، طافت بين القبور ، تصفّحت الوجوه ، وكأنّها تبحث عن شيء مّا ، وأنا التّائه في ساحاتها أراقبها ، وأتهجّى ملامح مشيتها المتقلّبة ، ناديتها فلم تجبني ، فلذت بصمتي . 
تسمٍّرت في مكانها تتصفّح القبور بعينين نهمتين ، ثمّ أطلقت في الرحب صيحة تردّد صداها بين الجبال ، وأضرم فيّ نار الرعب والحذر.
حلّق غراب في السماء ...
خلعت ملابسها عند باب قبر ، وأطلقت العنان لحنجرتها ترتّل نحيبا مفزعا ترتيلا ، والصخر من حولها كأنّ على رؤوسه الطير ، نفشت شعرها ، استقبلت بيديها أبواب السّماء ، حلّ ببدنها شيطان الرّقص ، وتدفّق من بين شفتيها عويل بعث في كامل أقطار جسمي مشاعر متوحّشة شتّى ، حدّثت نفسي في نفسي بالفرار من هول ما رأيت : 
قبور ... 
شياطين ...
رقص مجنون ... 
صياح شوكي... 
عواء صخور ...
نحيب رياح ...
شدّني الخوف إلى جذع ذعري . تقيّأت الجبّانة سكّانها ، وانتشرت الجماجم ، والعظام في الفضاء ، تحلّق الموتى حولها ، وراحوا جميعا يراقصون العويل ، ارتفع نشيج الأرض تحت أقدامهم ، وامتدّت ألسنة الغبار تخدش وجه الفجر. انتشر الرقص في كلّ اتجاه كما الأفعى ، يلتهم كل ما يعترض طريقه ، تسلّق ضجيجهم أعمدة السّماء ، وغطّى بجناحيه أديم الأرض .
تململت وراء دهشتي تعبا ، ولم تتعب الراقصة ومريدوها ، وفجأة هدأ الرقص ، وخفت صوت الضجيج ، ونضب الصياح ، هدأ صوت الغبار ، ووقفت الراقصة في التيه كريشة في المدى ، أو كطين تحت شمس الظنون ، وكأنّها لم تكن منذ قليل تلك العاصفة المتنمّرة في شاسع الفراغ ، وجهها حلم أسود الخطوات . تطلّعت نحو القبور مرة أخرى ، ومريدوها من ورائها يفتّشون بعيون فارغة في التراب والطين ، لا شيء في القبور غير الفراغ يعبث بذرّات الأجداث ، أعادت البحث في الحفر كرّة أخرى ، حفرة ... 
حفرة ...
فرسم وجهها اليباب على صفحة الهباء علامات الجفاف ، أنكرها وجهها ، وأنكرته ، وكتبت بدمعة الخسران على جدار روحها سيرة الغياب ، والمريدون من حولها حمامة مجروحة الأوتاد . وعاودت الرقص بشعر مسافر في الفوضى ، وجسد مضطرب في حلقات الذكر ، ومن حولها أتباعها يرفسون الأرض بأرجل محمومة ، وأصواتهم كأنّها هدير الماء الغاضب في يوم عاصف ، وتطاول الغبار في البنيان مع الصياح مرة أخرى ، والنشيد المفزع على آثارهم طفق يمزّق بوحشية سكون المكان ...
لا شمس تكفكف خوفهم هذا الصباح ...
لا شمس تنتصر لضجيج رقصهم المسفوك ...
وجاءهم صوت الفشل من وراء سعيهم ساخرا ، يرسم على وجوههم ببرود علامات الخسران . فأشبعث الحورية القبور ركلا ، وشتما ، ولطما ، وكذلك الجماجم التي تحلّقت حولها . 
تركتهم وغادرت المكان ، وأنا أتبعها بحذر .
انتشرت سحب الموت... 
دقّ قحط الرؤى في الأحلام أوتاده ... 
غادر الغبار عشّه وطار...
تدثّر الصخر بليل الغزاة...
عقر الموتى ضجيجهم ...
نزلوا إلى برك الدمّ ليتطهّروا من أدران الضوء ... 
وقفت على ضفّة الحيرة أتابعهم . ثمّ صفّفت أفكاري المبعثرة على عجل ، وخلعت نعلي بباب السؤال ، ومن ورائي يحثّ فضولي تفّاح المعنى ، فارتفع صمتي في قيعان العيّ ، وارتدّ الصدى بين جنبيّ شوكا ، وأينع الخذلان في دربي . غادرت الحورية الجبانة ، وغادرت من ورائها إلى حيث لا وجهة لنا نلتمسها .
نافذة :
على شاطئ حديث كما النجوى ، أو هو أشدّ همسا ، كنت أبادلها صمتا بصمت . كانت جالسة بين الفؤاد والجنبين تداعب بسبّابتها رمل اليقين ، وكانت من حين إلى آخر ترسم ضبابا على صفحة البحر بأنين يتردّد صداه في نفسي العليلة ، أنين منبثق من أرض شوقها لحديثنا المنحور في معبد الليل البهيم ... ونوارس أفكرنا تراقص الريح حولنا ، وعبراتنا محلّّقة فوق رؤوسنا بأجنحة من غبار ، وجراحنا الناسلة من عفن السؤال تظلّل مجلسنا بسحابة من زيف الطريق ، وصمتنا كما الصخر شديد لا يريم ، تاهت اللغات يا صنوي بين نهش الأنياب وعواء المخالب في الرحب ، وحلّ بالفؤاد موسم الهجرة إلى الكهوف ، فادخلي حفر قلبي لكي لا تدركك أحذية جند الظلام ، رمقتني بحنين ، وقامت من مجلسها المتوسّط أحشائي دون أن تنبس بكلمة ، وطفقت تكتب بجسدها الصقيل سيرة رضيع ننتظره على رصيف الأحلام مذ بعث فينا السؤال رسله تدكّ أطلال سكينتنا ، حثّت الغبار برقصها المحموم في محراب السكون ، وأنا من كوّة سكري أتابع خطواتها بذهول ، خلعت في غفلة منّي رداء القعود واقتلعت جثّتي من مجلسي لأشاركها صلاة الكتابة والرسم بجسدي المنهوك...
اللوحة الثالثة :
الزمن فجر كاذب... 
لا نوارس تحلّق في سماء القصيدة هذا الصباح ...
كل النوافذ غادرت مواقعها ...
الضوء مسفوك الأمنيات على الصخر ...
الشاطئ مقفر... 
تحاول السّماء تمزيق فستانها الأسود... 
الرمال تغطّ على باب البحر في صمت كما النحيب عميق ... 
نهضت الحورية من غفوتها ، جرّت وراءها بعض بأس ، وغادرت الجبّانة ، توجّهت متثاقلة نحو شاطئ البحر مطرقة كمن يدفع به أمل جريح نحو المرافئ . بوصلتها التيه ، ودربها الضباب . زورق يتيم متآكل خشبه جالس في وحدته يحادث الموج ويحادثه ، ومن حين إلى حين يلثم الماء وجنتيه المتورّمتين . 
وقفت بين يدي الأفق مرتّلة بأعلى صمتها آيات السقوط ، ورسمت بعبراتها على جبين البحر شمسا نحيلة وعصفورا.
صفّفت أحلامها المبعثرة بعناية أنثى متبرّجة ، وتعطّرت بأريج اللغات ، خلعت نعليها بباب السؤال ، ومن ورائها يحثّ النسيم تفّاح المعنى في قوافلها ، أخذتها سنة قدسيّة الهوى ، فبعثت بصيحة في الرّحب رسولا . ارتفع صمتها في قيعان العيّ ، وارتدّ الصدى فراغا . 
خرج الموتى من كثبان الحروف ، ونسلت من بين شقوق الرؤيا الجماجم تسعى ، جاءتها من كلّ فجّ عميق صفّا صفّا . امتدّت في الأفق ابتسامة رضيع متيّم بالزوارق تراقب الجمع المبثوث على رمل الشاطئ .
خرج عصفور من بين أصابع الأحلام المحمومة ، وحلّق في الفضاء . تقدّمت نحو الزورق ، ومن بعدها مريدوها الموتى ، أضرمت نار الغناء والرقص حولهم ، وكنت أنا المتيّم باقتفاء آثارها مبعثر الأفكار ، لذت بهضبة من الحذر المتيبّس لأتتبّع المشهد ، دون أن يتفطّن لوجودي أحد ، فالجميع سابح في ملكوت الغناء المجنون حول الزورق الغارق في حيائه ، والمنشد من عمق الحلقة يغنّي بصوته الشفيف :
أقتلوني يا ثِقاتي
إنّ في قتلي حياتي
أنا عندي مَحْوُ ذاتي
من أجلّ المكرماتِ
سَئمتْ روحي حياتي
في الرسوم البالياتِ
فاقتلوني و احرقوني
بعظامي الفانياتِ
ثَم مرّوا برفاتي
في القبور الدارساتِ
تجدوا سرّ حبيبي
في طوايا الباقياتِ (*)
استأسد المنشد في إنشاده ، واغرورقت العيون بالدمع والأمنيات ، واشتعلت السوق رقصا ، والرؤوس كأمواج البحر في ليل مطير ، تحاول تسلّق ألسنة الأصوات المتطاولة في البنيان . 
كانت الجماجم حول الحورية والمنشد كما الدوائر المتناسلة على وجه الماء الراكد بعدما أيقظت سباته حصى البحث ، أو كما الجداول تطعم النهر ، والنهر في مجراه يتثنّى كأفعى تبحث عن فريستها ، يسبقها سؤالها إلى المكان . والزورق تحت أقدامهم وبينهم وقد أنذر للكلام صوما ، يراقب بعينين باردتين نارالصخب من حوله ، مثله كمثل عقلي المسجور الجالس على شوك حيرته مذ عانقت عيناي الحورية في قمّة الصخرة أوّل مرّة . فجأة هدأت الحركة ، وسكتت الحناجر ، وطلّقت الضوضاء المقدّسة مباهج الغياب .
انسحب الموتى كيومهم المنصرم يجرّون وراءهم حطب الهزيمة ، وفتحت القبور أفواها شرهة ، واحتضنت سكّانها ونامت .
لملمت الحورية جراحها ، وجلست على هضبة توتّرها تراقب جفاف المكان بعدما غادره الصّخب ، وقد لفّها القلق ، وجالستها الحيرة . كفكفت ضعفها ، وراحت تبحث بين منعطفات الوجود عن حلمها .
أطلقت العنان ليديها وعينيها وعقيرتها كمن نهض لتوّه من غفوته . فتّشت في أركان البحر ركنا ركنا ، وتفحّصته ، وقّلبت الفضاء قرب المركب باحثة عن غنيمتها .
سألت الأفق ، وكذا الرّمل ، وزبد البحر ، سألت دمعتها ، لا جواب يطفئ لهيب البحث في فؤادها ، فتّشت بين الصخور ، بين ثنايا الموج الهادر ، في شعاب الملح ، في حمرة الأفق المتثائب ، في رحم الوجود . توقّفت على حافة الشاطئ تستردّ أنفاسها ، ثم امتدّت يدها نحو وجهها تمزّقه . ألقت بأشلائه على صفحة الماء ، ولبست وجها آخر ، امتطت صوتا جديدا ، صاحت في الرحب مرّة أخرى ، لكن دون جدوى ، فكلّ وجه ترتديه عقيم ، وقد بلغ من الإعياء عتيّا ، هكذا استغرقت حركة تمزيق وجه وارتداء آخر زمنا غير قصير ، وأنا وراء هضبة الحيرة أتتبّعها بذهول ، أحاول فكّ الأحجية التي بعثت في مشاعري الراكدة هول الضباب المحيط بسماء ملبّدة .
****
(*) حياة في الموت /الحسين بن منصور الحلاج
نافذة :
على رصيف الغربة يتسكّع وجهي والكلمات ، وفي برد الطريق يعانق التيه معنى الوجود ، وتتابّط فوضى الطريق خطاي ، وحنجرتي في وجه الريح تغنّي للفجر المنهوك ، ومرجل الضياع على نار هادئة ينير سبيلي المسفوك ، هكذا أنا ، صوت الفراغ في عرصات السؤال والبلد ، وأغنية لليتامى ، والكادحين في شعاب القهر صمتا ، ورسول الضوء الكئيب في سماء الضباب ، أنا صوت العاشقين في ليل البلد المغمّس في الدموع ... زمّلوني براية بلدي ، علّني أصنع من نعشي مراكب للعبور ، وطيرا ينثر الفرح في فضاء النوّاح ، فيولد من بين أنامل الرضيع الصباح
اللوحة الرابعة :
كنت قابعا داخل ذاتي ، بين يدي المجهول ، ولساني في ملكوت الرهبة مشتعل ، وكان صوت الوساوس يمزّق سكينتي المتقلّبة على الشوك ، كنت مبلّلا بالأسئلة كعصفور يتيم في الآفاق غايتي ركوب ظهر الفجر لعلّي أدرك طريقي إلى اليابسة ، فلا ضوء في السماء يؤنس وحدتي في زحمة الصخور والصياح والرقص المحموم .
عقلي زورق يمخرعباب أملي نحو الشواطئ ، والخوف يعوي من كلّ أقطار جسمي ، تململت ، امتدّت يميني حذرة تتهجّى أبجديات الطريق ، تواشج حينها بكائي الكتوم مع صداي في غربتي ، وتواءم همّي مع قمم الجبال المكلّلة بالصمت ، وبينما أنا على خشبة الهواجس أصارع هدير الأمواج ، خفت صوت العربدة فجأة .
الشمس في كبد القصيدة ...
نهضت الأرض متثاقلة تلملم جماجمها ، وترتق قبورها ، ونفضت الحورية غبار سكرتها ، وعادت الحبّانة الى ما كانت عليه من هدوء ، تمدّدت وراء الربوة، ووجّهت وجهي شطرها ، كانت جالسة القرفصاء تبكي سعيها .
تقدّمت نحوها ، حدجتني بنظرة منكسرة ، ورسمت على ثغرها ابتسامة جرداء قائلة : 
" هذا الخلاء هباء ، وهذه الصخور في ساحات الزور شهداء ، وهذه الجبّانة منذورة للغياب ، وأنا كما أنا على الطريق أفتّش في أركان الكون عنّي لعلّني أظفر بي نخلة ، أو ماء ، أو نارا تخرج من بطون القبور ، سأسعى حتّى أبعث فيهم العصفور قولا سويّا " .
طوّقت بذراعيّ أحلامها ، ولثمت على خجلي أمنياتها ، فتفتّحت بين يدي كزهرة الصباح ، حملتها على مغادرة المكان ، وسرنا والصخر ننشد أرضا غير الأرض ، ومكانا غير المكان .. لا ليل فيه ، سرنا مطرقين ، والجبال من شرفة الزيف تحرسنا ، وتبارك رحيلنا ، والقبور من وراء كثبان الموت تحثّ خطانا في الخلاء ، مشينا زمنا لم نقدّره ، حتى نال منّا الإعياء ، وعند مجرى دمعة توقفنا وحططنا الرحال ، جلسنا على حافة اليتم ، والسماء من فوقنا في طريقها إلى مساحات السواد ، تركت رفيقتي لصمتها، ورحت أبحث عن حطب يذهب وحشتنا ، على ان أعود إليها ، فرسمت برأسها المطرق علامة القناعة واستحسان الفكرة .
سرت والفراغ ، أخبط في أرض التوتّر خبط عشواء بحثا عن حطب يذهب وحشتنا في هذا الخلاء الممتدّ ، وبينما أنا كذلك إذ بواحة جرداء نخلها متلبّس بأجداثه تطلّ برأسها ، تقدّمت نحوها لعلّني أظفر بمأربي ، ولكن شيئا من الأنين المكبوت المنبعث من وراء الصخور شدّني إلى دهشتي ، ومكاني . شهيق متوحّش ، صداه يتردّد بين يدي الليل المحيط بالمكان وبي . وقفت في أرض مرتفعة تطلّّ على منبع الصوت ، لا بوصلة لي في زحمة الهواجس إلاّ ظنوني . صوت أنثوي مبحوح ، تداعب نسماته جفاف المكان الموغل في سكونه ، استنفرت حواسّي جميعها ، بعثت بأذنيّ هدهدا يتبيّن الأمر . أغصان الصوت ممتدّة كالنسيم في الفضاء ، وعنكبوت فضولي نسج حول صدى الصوت أساطير قديمة ، انحدرت مخيّلتي نحو قيعان اللذّة ، صوت أنثى يترنّح في الرّحب كما الثعبان ، وقد تعتعته المتعة ، فوجدتني في مكاني كسكارى الفجر أراوح مكاني بين الخوف والرجاء ، تطلّعت من وراء الكثبان بحذر.... هيكلان عظميّان متعانقان تحت شجرة البوح تحرسهما شمعة كسيحة الضوء ، تنبعث منها رائحة الموت العتيق ، يتهامسان ، يداعبان ضحكة متغنّجة ، حديثهما كدبيب النمل ، أو قاب قوسين أو أدنى من النجوى كلامهما ، وعظامهما في زورق المضاجعة كأمواج البحر في يوم مطير ، شدّني تمايل الجمجمتين تحت ضوء الشمعة الجريح ، يراقصان موسيقى الفناء ، ويعزفان لحن عشق سرمديّ على حافة متعة مهرّبة . 
بقيت على لوح الرحلة زمنا لم أقدّره أتابع رقصة العظام النخرة تحت جدار التقيّة ، ومن حين إلى آخر يبعث فيّ هديل التأوّه أسباب الحياة .... 
تملّكني شيء من الفضول الزئبقيّ ، فتمسّكت بقارب شجاعتي ضعيف الحيلة لأتابع بقيةّ مراسم الفرح في محراب الموتى الأحياء . نسيت صاحبتي المنذورة للوحدة والانتظار هناك وراء ظهري في ساحة الهزيمة ، تلك الجالسة منتظرة حطبي ، وناري في العراء ترسم بريشة يتيمة في خيالها المحموم عصفورها المنتظر .
بقيت أتابع المشهد وكأنّ الجمر تحتي ، وفجأة تنحّى الهيكل العظمي الراكب متعبا وألقى بعظامه قرب الهيكل المركوب يسترجع أنفاسه .
اقتلعت جثّتها من فراش اللذّة وأشواك المخاض ، نهضت من مضجعها متثاقلة ، منهكة ، طالبة ماء لتغتسل . جالت ببصرها في فلاة الدّجى ، استرقت السّمع لعلّ صوت الخرير يدلّها على مكان الماء ومصدره ، ذرعت اللّيل جيئة وذهابا ، توسّلت بالتّراب ، بالصّخر ، بالجبال ، بالسّماء ، لا ماء هنا إلاّ صدى القحط يبعث بزئيره في أرجاء المكان ، ويسقي شجر الذّعر المتطاول بين جنبيها ، انفدر صياح وليدها وبكاء مزّق ستائر السكون ، فعدلت عن البحث ، وعادت غلى رضيعها ، فوجدته يسبح على حافة عين انفجرت من تحت قدميه ، اغتسلت ، وأرضعته ، سحبت هيكل زوجها العظميّ نحو جدثه ، وأحكمت إغلاق الرّمس ، وأنا من وراء صخرة دهشتي اتتبّع المشهد بذهول وحيرة متنمّرة ، ابتسم ولدها بعدما حلّ به الرّواء بعد عطش ، وحطّ على ثغره عصفور نورانيّ الجناحين ، حسن اللّون ، عذب الصّوت ، فأطقلت قدمي لأخبر صديقتي بما رأيت

نافذة 
وقف الفجر على حافة الحلم مؤذّنا في الناس ، وفتح بصوته الزلال باب الصهيل على ساحات الرحيل نحو واحات من بياض ، ونسلت القوافل من بين أصابع المداد محمّلة بصباحات مكلومة ، وأفئدة مشتعلة شوقا للمرافئ القابعة في الأرحام .
تدافع الناس نحو فلك الحياة ، وألسنتهم ترمّم بالذكر في بساتين النجوى طيورا ونخيلا وماء ، وعلى جبين الأفق البعيد ترفرف الزغاريد ، وضجيج الأطفال من حول صبايا الرحيل يدندن على أوتار السير موسيقى التحليق في غفلة من خرير الشجون ، وصوت المؤذّن من حين إلى آخر يدفع بلوح الهجرات دفعا جميلا ، اطلّت شمس ذاك الصباح من وراء ستائر الضباب الشوكيّ تراقب أعراس الموجّهين وجوههم نحو الأرض المنذورة للولادة ، هكذا حدّثتهم صحف الأوّلين ، ووعدهم كهّان المعابد ، هكذا حدّثهم العصفور التائه في الأمنيات . 
اللوحة الخامسة :

سرنا في منعطفات الليل نتهجّى الصخور ، مرتّلين آيات الحذر بين يدي الشّعاب ، وكانت أصوات الحفيف ، والفحيح ، والنقيق ، والعواء ، والهديل تسيّج طريق رحلتنا نحو المكان المنشود .
حدّثت رفيقتي في الطريق عن الهيكلين العظميين ، وعن العصفور ، لأذهب بعض وحشة ، ولأبعث بصوتها يحادثني بعض هدوء. 
كانت تمشي بجانبي منطلقة ، مصعّرة خدّها لليل ومخالبه ، وللغياب وغربانه ، تدندن بين الحين والحين كلمات تبعث فينا حماس السعي ... سرنا ، والنجوم نوارس تسبّح في ملكوت السكون فوق رأسينا ، تتابعنا ، والقمر كوّة يطلّ منها بعض ضوء خافت ... مشينا على الطريق نتحسّس المكان في كثافة الظلام بقلبينا تارة ، وبعيون تمزّق بشراهة ستائر السّواد أطوارا ، ولمّا بلغنا المكان طلبت منها بيميني أن تتوقّف عند المنحدر، وفعلت .
نزلت نحو الحفرة أبحث عن الموضع المنشود ، استنفرت أذنيّ لعلّ نشيج رضيع يدلّني ، أو همس امرأة يقودني ، أو خرير ماء يفتح لي الطريق ، تجاهلت خوفي وحذري ، تفحّصت المكان ، تصفّحت الأشجار وجذوعها ، قرأت التراب حبّة حبّة ، لا أثر للأمّ ورضيعها ، وللعين الجارية وتدفّق مياهها ... وكانت رفيقتي في شرفات التيه مذهولة الكلمات ، على شوك الانتظار تنظر معانقة العصفور حلمها في العالمين ، واقفة كما نخلة ضائعة في المدى في رأس المنحدر يلفّفها الظلام من كافة أقطار بدنها ، تطوف بين لحظة وأخرى بعين قاحلة في مساحات الوباء ، ومن حولها جدران وجدانها متلبّسة بضباب عتيق ، ومن بعيد تلوح الجبال كرسم دمعة قديمة على وجنتي الوجود تتابع اضطرابها في صمت ، وخرفان منتشرة كما الرذاذ في الرحب بلا بوصلة ، تمرح في مناكب الشجن ، وصوت ناي منبعث من عمق السكون من وراء الجبال ، يرسم بلحن ضنين موسيقى جنائزية الهوى ، والريح تعبث بستائر الروح ، والواقفة على المنحدر كعجوز في صحراء العبث ، يتردّد أنينها صدى في قاع الغياب . 
أطلقت العنان لحواسيّ أبحث عن الهيكلين والعصفور في المنحدر ، كنبيّ أتهجّى بعصاي الدروب ، والشّعاب ، والأطلال ، والحفر ، أتلمّس آثار الطّريق إليهم ، زادي حفنة من الأفق ، وتعويذة ، والأسماء التي علّمتنيها الجبال ، وشوق صاحبتي الواقفة هناك في الوحدة ... سرت بين الأشجار ، والأشواك ، والجداول الشاحبة ، والهمّ بين الجنبين شاسع كجبّانات الأحلام ، والمشاعر حطب لنار الوجد ، وعلى باب الغربة تأكل الحيرة بألسنتها آخر ذرّات سكينتي ، ووجهي مكبّ على أمنياته يمشي في أرض متبرّمة ، وفحيح الرحيل يلقي بظلاله على المكان ، وبعد بحث أشرفت فيه على الهلاك لم أجد للعصفور أثرا ، ولا للهيكلين رسما ، وصوت رفيقتي المبحوح يحثّني من هناك ، من أعلى رأس المنحدر لمواصلة الرحلة والبحث ، وبعد زمن لم أقدّر مسافاتاته وحجمها ، سمعت نشيجا ، وعويلا يمزّق صمت المكان ، ويبعث في أرجاء السكون صدى بكاء ، فغادرت المكان مصعّدا نحو الطريق حيث تركت صاحبتي في انتظاري ، وأطلقت العنان لرجلّي ، وخوفي ، فوجدت على قارعة الحزن صاحبتي تلطم الخدّ ، وتشقّ الجيب ، وتبكي جثّة عصفور ينام بين يدي الليل نومته الأخيرة . جلست بجانبها أخفّف من جحافل ألمها . رفعت رأسها ، ونظرت حولها ، وحولي بعينين غارقتين في بركتي دموع آسنة ، قائلة : " مات أملي ، وطوى الخراب صحف الأمنيات " ، وحاولت أن أهوّن عليها بلمسة من يدي المرتعشة ، ولكن طوفان الشجن لم يترك في أرضها نقطة ضوء ، تطلّعت مأساتي كما الأفعى برأسها نحو أفقي ، وحزمة من حروف بين يدي مرتعدة الخطوات ، ضنينة الكلام ، وأفكاري في صحراء السؤال مبعثرة على طريق الحيرة ، وأنا في سفح الأحلام أتهجّى ليلي والسراب ، وبالقرب منّي بكت رفيقتي بدموع غزيرة عصفورها المسجّى على أديم التّيه ، والمداد بين أصابعي كما العيال المشرّدين في مناكب الشجن يخبط خبط عشواء ، وقافلة رميم في مهبّ العبث على رمل الخيال تسير ، تتحسّس بأناملها خرائط الأوّلين ، وخرائطي ممزّقة ... أخذت بيد رفيقتي ، وأمل في جرابي يدفعني دفعا جميلا في رحلة الصعود ، وهديل فجر يبعث فيّ خيوط الصباح بترتيله في صحف الحبر ترتيلا . أخذت بيدها ، وحملنا العصفور في الفؤاد قبل أن تحمله اليمين ، وسرنا نحو الشاطئ ، مشينا وقتا لم ندرك طول مسافات الخيبات فيه ، ومسافات الخيبات المقيمة فينا أطول وأقسى .بلغنا الشطئ المتدثّر ببحر كما الجثّة بين يدي الوجود ، افترشت الرمل ، وجلست ، وكذا فعلت من بعدي رفيقتي ، فوقعت عيني على زورق في الوحدة مفردا باسطا ذراعيه ، فزادني المشهد رهقا ، وتذكّرت أبي وزورقه الذي خرجت بحثا عنه في مناكب السؤال . امتطيته في خيالي ، وأبحرت في يمّ الذكريات ، فرأيت فيما يرى النّائم نملة على كثبان الليل تحاول رفع حبّة قمح ، وبين الرفع والسقوط وقف أبي بملامح يكتنفها الضّباب في شرفة الأفق يحثّ النملة على الإصرار في رفع الحبّة ومعانقة المحاولة مرّة بعد مرّة ، ومن حين إلى آخر يمسح بيمينه المخضّبة بنور الفجر على رأسها ، ويشجّعها على صعود الهضبة تحت قدميه ، حيث ينام زورقه ، ويبارك خطواتها من وقت إلى آخر بابتسامة عريضة تبعث في النملة بشائر الكدح وبلوغ المآرب ، وأنا بينهما أتابع المشهد بدهشة من فقد حواسّه كلّها وذاب فيهما ، ولمّا بلغت النملة ظهر الهضبة بعد جهد جهيد ومحاولات عديدة ، حفرت في الأرض حفرة وحثّت التراب على الحبّة ، ونامت بجانبها قريرة العين تحرسها ، وعين أبي تراقبها كما القمر من عليائها ، ومع بزوغ الفجر أشرقت من بين شقوق الهضبة أشجار ، وواحات ، وبساتين ، قصدها النّاس من كلّ فجّ عميق لياكلوا من ثمرها ، وممّا عملت يدا النّملة ، وفجّرت العيون من حولهم تفجيرا ، وحطّت عذارى بأجنحة كما أجنحة الملائكة على فنن الماء ، كانّهنّ الزمرّد ، والإبريز والياقوت ، و فوق رؤوسهنّ سرب من الولدان يرتّلون بصوت شفيف :

أنَا لستُ في الدنيا
سِوَى كلماتِي
فاقرأ على وجعي سُطورَ حياتِي

إنْ لم أكنْ
فلأنّنِي صَمتُ الرُّؤَى
لمْ أرقَ بعدُ إلَى جَميعِ صفاتي

ما زلت أبحث عن غياب كنته
ظمأً لوهمٍ
ضاء في مشكاتي

بيني وبيني
ظلّ ما وقعته بخطى الرياح
على دموع دواتي

وجهي خيالات
تعفف رسمها
أن يستعاد بصفحة المرآة

أرتاب في التشبيه
ما حاولته
إلاّ أباح جميع ممنوعاتي

لا بدّ لي ممّا يُحَسُّ
لكي أرى ما لا يزول
برحلة الأموات

لا بدّ من طين السؤال
ليبدع الوتر الغريب
طفولة الكلمات

أنصت هناك
فربّما ميّزتني
عند التباس الضوء بالظلمات

أنصت...
فصوتي ليس كلّ خطيئتي
لكنّ فيه براءة الزفرات

قد آن لي
أن أستعيد صحائفي مما شطبت
مخافة الزلاّت

فدع اليقين
لمن يحاول برده
وادخل كهوف الشكّ
في عتماتي

أطلق حمامك في رؤاي
فليس لي
غير السماء
لأستعيد سُباتي

جئني بما قد يستحيل على النوى
لأعود من سفري
ببعض ثبات

لا شكّ عندي في خطى إلياذتي
فالشكّ وشم الرمل
في خطواتي

منه انبثقت
به رسمت خرائطي
لأعود من قلقي إلى أبياتي

فيه ابتدعت لكلّ ما أدمنته
صنما
لأمحو وجهه
بصلاتي

وأعود من لغة الهشيم
إلى الرؤى
لا هاربا
بل هازئا بمماتي

بمهالك الطرق القديمة
بالقوافل
تستجير بألسن الهجرات

أنا لست منتصرا
لأكتسح المدى
فأنا رسول هزائمي للغاتي

آمنتُ بي
وجعلتني أيقونة الـحلم السجين
بقبضة الخيبات

أغفيت دهرا طامحا لبدايتي
لكنّني استيقظت
قرب رفاتي

فأعدت تشكيلي
لينتصر الغناء على المشانق
في قديم سماتي

ما في الحياة رسمت كل ملامحي
لكنّ وجه الموت
أيقظ ذاتي

آت لكي تنسى القصيدة صمتها
ولتوصي الثورات
بالثورات

آت
ولي فيما أعدّ من المنى
ما يحبس المأساة
في المأساة

أرضي
سماء العابرين لحلمهم
وأنا أنا
سفن بلا مِرساة
ولمّا حلّ السكون بالفضاء ، وجّه أبي وجهه شطر دهشتي وذهولي قائلا : " اضرب في الأرض مع صاحبتك وذويك ، وادفع بزورقي نحو الآفاق يتهجّى آيات الصباح بين القبور النائمة لتزرع في الناس لغة الطّير ، وهذي جمجمتي بين يديك ، اجعلها زادك ، ومطيّتك ، وبوصلتك على طريق القوافل ، وانفخ في الليل من روحي ، وفي الموت من آياتي فتدرك خيرا كثيرا

***
نافذة :

ونكتبنا على جدار الصمت صيحة في الآفاق

اللوحة السادسة :


- يتبع -

2019-01-01