الإثنين 13/10/1440 هـ الموافق 17/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
رقصة الألوان والمعنى في لوحات التشكيلية سناء علمي مجاطي....د. حميد لشهب

يعتبر اللون من أجمل وأهم ظواهر الطبيعة لما يتضمنه من دلالات نفسیة ورمزیة وفنیة ودینیة واجتماعیة وأسطوریة إلخ. واللّون هو شكل من أشكال اللغة الغير المنطوقة. وهو في الفيزياء عبارة عن حزمة من الأمواج الكهرومغناطيسية، تمتلك طاقة وطول موجي محددين. ووظيفة هذه الحزمة هي تنبيه المواد الكيميائية الموجودة في العين وتحفيزها على إطلاق رسائل عصبية إلى مراكز معية في المخ من أجل تنظيم إفرازات هرمونية وأجهزة حيوية في الجسم. وقد كان الفيزيائي الشهير نيوتن من أبرز فيزيائي الألوان، كما اهتم الأديب الألماني الشهير جوتي بالألوان كذلك، وبالخصوص في جانبها النفسي.

 

إن المتأمل للوحات الأربعة التي اخترناها هنا من أعمال التشكيلية المغربية سناء علمي مجاطي، يجد نفسه مضطر بداية إلى فهم دلالات الألوان الخمسة التي اعتمدت عليها في إبداع هذه اللوحات: الأزرق، الرمادي، البنفسجي، الأخضر، الأبيض. وسنقدم باختصار شديد بعض خصائص هذه الألوان، قبل الشروع بربطها بدلالاتها في لوحات الفنانة، والرسائل التي حاولنا التوصل إليها من خلال هذه الدلالات، فليس هناك عمل تشكيلي لا يحمل رسالة ما، ولا يرتكز على الرموز.

 

يتشكل اللون الأزرق من البنفسجي والأخضر في الطيف الضوئي، ويُعتبر فيزيائيا من الألوان الباردة. إذا كان غامضا مثلا فإنه يدل على الثقة والكرامة والذكاء والسلطة والسيطرة. والفاتح يدل على النظافة والقوة والاعتمادية. ويدل السماوي على السلام والصفاء وهو أثيري وروحي ولا نهائي. مجمل القول يعبر هذا اللون عموما على السلام والهدوء وتعزيز الاسترخاء الجسدي والنفسي والحرية والتعبير عن الذات وينمّي القدرة على التواصل والإلهام والإبداع. وهو بهذا لون الروح والتفاني في كل مجالات الحياة.

 

يعتبر الرمادي لون محايد، فلا هو أبيض ولا هو أسود، بل ناتج عن دمجهما معاً. ويرمز الرمادي الغامق إلى الغموض والمأساة، بينما يرمز الرمادي الفاتح إلى الحيوية والنور. إنه ساكن وخال من المشاعر. باختصار شديد، وككل الألوان، فإن للرمادي جانب إيجابي: الرسمية والحياد والنضج والذكاء والكلاسيكية والاستقرار والأناقة والمهنية والهدوء. وجانب سلبي: عدم الحسم وغياب العاطفة واللامبالاة والملل والحزن والاكتئاب والوحدة والعزلة.

 

يرتبط اللون البنفسجي، وهو مزيج من اللونين الأحمر والأزرق، بالخيال والروحانيات. يحفز الخيال ويلهم الإنسان للوصول للمثل العليا، وهو لون الاستقراء والتركيز بحيث يسمح للإنسان بالوصول إلى عمق أفكارهِ الداخلية، يوسّع آفاق تفكيره ويزيد من وعينه، يجمع بين الحُب والحكمة والقوة والحساسية والتواضع، وهو مبعث للرومانسية والنعومة والانسانية.

 

الأخضر هو أجمل الألوان. فهو الأكثر راحةً لعين الإنسان، لأن كل درجاته يتراوح طول موجاتها بين 520 و570 نانوميتراً. يأتي متوسطاً من حيث طول الموجات بين موجات الأحمر الطويلة وموجات الأزرق القصيرة، ولهذا السبب أصبح اللون الأساسي في غرف العمليات الطبية وفي ملابس الأطباء والممرضين. يبعث في النفس النشاط والسعادة وحب الحياة والبهجة.

 

يوحي الأبيض بالنظافة والتعقيم والبراءة والنقاء والتجدد والإشراق والمثالية والهدوء والتصالح مع الذات ومع الآخرين والترتيب والتنظيم والاتساع والانتشار أو الوحدة والبرودة. إضافة إلى هذا فإنه لون روحاني، يبعث في النفوس الانسجام والسلام والطمأنينة.

 

انطلاقا من هذا، وكيفما رتب المرء لوحات الفنانة سناء، فإن الخيط الرابط بينها هي الألوان التي استعملتها، بحيث إنها تتكرر بدرجات متفاوتة في كل لوحة، لتعبر كل مرة عن شيء جديد. توحي اللوحات في النظرة الأولى بأنها توجد في فضاء واحد، في الوقت الذي تعبر فيه عن فضاء علوي (اللوحة 3 و4) وفضاء أرضي (اللوحة 1 و2). هناك فرحة الحبل (اللوحة 2) وفرحة الولادة (اللوحة 1)، وكأن الرابط المشترك بين اللوحتين هو موضوع الإنسان ذاته. فالجنين السابح في رحم الأم في اللوحة 1، يسبح في بياض ببراءة، محاط بالأمل (الأزرق) وبالرمادي المائل إلى الأخضر. ولربما يرمز هذا الجنين إلى الإنسانية برمتها، والرغبة الدفينة للفنانة في رؤية هذه البشرية في حال أحسن مما تعيشه الآن. والأزرق المستعمل هنا هو بالضبط ما يربط اللوحة 2 واللوحة 3، حتى وإن كان الأزرق في الأخيرة داكنا نوعا ما، لكن وسطه مُشع ببياض مُعبر. من هنا تفتح الفنانة سناء فهما آخر للوحتين، أي سباحتهما معا في عالم أماني مثالية للخير والسلم والهدوء، على الرغم من الظروف القاتمة (الأزرق الداكن والرمادي)، الذي يعيشها إنسان عصرنا هذا.

 

يتعزز هذا التأويل عندما نرجع إلى اللوحة 1، حيث نرى ميلاد فجر إنساني جديد، محاط بقيم روحانية واستقرار وتأمل (مرموز لها باللون البنفسجي) وحب للحياة، ولربما تصالح معا، ممثل بالأخضر القريب من الرمادي، الذي يعزز دلالات الأخضر هنا ويضيف لها نفحة النضج والإستقرار، وكأن الفنانة تنتظر ميلاد إنسان جديد، يتجاوز غرائزه وبطشه وعدوانيته وبشعه، ولربما بشاعته أيضا. وتعبر اللوحة 4 على هذا الميلاد الجديد على أرض سابحة في مياه بيضاء ومُحاطة من جديد بأخضر يميل إلى الرمادية، أي أرض محايدة، ليست لأحد بعينه ولا لثقافة لوحدها أو خاصة بدين ما، بل للبشرية جمعاء، ممثلة برأس آدمي تظهر ملامحه بشكل قوي (الأنف، الفم والعين).

 

إذا حاولنا جمع الخيوط الرفيعة التي تُشكل بها الفنانة سناء العلمي المجاطي بِنيات لوحاتها الأربعة هذه، فلا محاذ من التأكيد على أنها نجحت بالفعل في جعل الألوان الستة التي اختارتها ترقص يدا في يد مع دلالات يطغى عليها البعد الإنساني المحض، تتعانق هذه الألوان وتجر المتفرج على اللوحات إلى فضاءات روحية وفكرية ينبثق فيها أمل عظيم في إنسان جديد، ينبعث من بياض ناصع، كما يولد الجنين من رحم رحيم. وبهذا، فإن الرسالة المضمرة في هذه اللوحات هي رسالة أمل في إنسانية أكثر إنسانية، شاملة لكل البشر ومحتضنة لهم كلهم. إنها دعوة للتركيز على جوهر الإنسان، المتمثل في هويته كإنسان، مشدود بين فضاء علوي وآخر أرضي.

 

يبقى الإعتراف بأننا لم نستطع التعريج على كل المقومات الدلالية للوحات الأربعة، لضيق المجال، بل اكتفينا بذكر بعضها فقط. تعرض الفنانة سناء علمي مجاطي لوحاتها بانتظام، داخل وخارج المغرب، منذ سنة 2014، وما يميز مسيرتها الفنية هي انغماسها اللامشروط في مواضيع لوحاتها، بتركيز عميق وبشيء من الصوفية الفنية وبرسائل واضحة. تُبدع لوحاتها على الخشب، وهذا ما يميزها أيضا عن تشكيليين آخرين. وما يهمها أكثر هو العمل التشكيلي الهادف، وليس الضجيج والبلبلة التي يعرفها هذا الميدان في ثقافة انفتحت على مصراعيها على عالم التشكيل، واختلط الحابل بالنابل والغث بالثمين في هذا الأخير.

2019-01-15