الأربعاء 15/10/1440 هـ الموافق 19/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الأحزان من الأحزاب..!؟.... بقلم : د . محمد عبد اشتيوي

 لم يكن الوطن للحظة مرتعاً للعابثين، بل حضناً حانياً لكل منتمِ صادق لترابه المغتصب، ولم يفرق الوطن للحظة بين ابنائه بعطائه وجوده، فيشكل الوطن اطاراً للوحة وطنية مشرقة تخلقت مكوناتها من كل ابنائه وفصائله واحزابه التي تدافع عن كينونته، فتعددت الالوان حتى اصبحت تسر الناظرين، وهنا حق ان نؤكد على مبدأ التكاملية بين الالوان، وهو مبدأ يتنافى مع الفردية المطلقة، ويتوافق مع ما خلق الله من قوانين الطبيعة، حيث اثبت العلم بانه لا يوجد ما يسمى حالة التضاد المطلقة بين الاشياء ولكن يوجد حالة تكامل بين الاشياء لتظهر بعضها بعضا، فلولا الليل ما عرفنا النهار، ولولا الابيض ما عرفنا الاسود، ولولا الشر ما عرفنا الخير، واعتقد ان ذلك يكفي ان تدرك الاحزاب الفلسطينية، انها لن تحقق شيئاً بمفردها وانما يتوجب عليها ان تتكامل مع قريناتها من الأحزاب الاخرى لتحقق اهدافها، وجدير بالذكر بان الهدف العام لجميع الاحزاب والكيانات الوطنية المتعددة هو تحرير ارضنا الفلسطينية، ولكن كل حزب يرى عملية التحرير يمكن ان تتم من وجهة نظره الحزبية والتي بنيت اصلا على معتقدات وافكار وتوجهات مختلفة فمنها الوطني ومنها اليساري ومنها الاسلامي ومنها غير ذلك، وهنا يمكن الاشارة الى ان الهدف واحد مهما تعددت الوسائل او الطرق او حتى الافكار والمعتقدات نحو التحرير،
ولكن بمتابعة صفحات التاريخ نجد بان الاحزاب انغلقت على نفسها الى حد كبير وباتت لا تفكر بكيفيه الوصول الى الهدف الكبير بقدر ما تفكر في كيفية تعزيز ذاتها وقدراتها امام الاحزاب الاخرى انطلاقاً نحو المنافسة الوهمية على الغلبة والنفوذ والحكم والسيطرة، وللأسف تناست الاحزاب ان تحرير الوطن هو الهدف الاكبر لها. 
فباتت الاحزاب تنهش في جسد الوطن حتى انهكته من قسوتها، فكل حزب يقضم بحسب قوته وسيطرته من جنبات الوطن وللأسف لا يعلم بان ذلك على حساب الالوان الاخرى التي بهتت امامه، للأسف تشوهت اللوحة الوطنية بأنانية الاحزاب.
كما ادخلت الاحزاب الاحزان تلو الاحزان للوطن، ادخلتها في كل حناياه التي يحمل، حيث استغلت اهم مقوم من مقومات التحرير وهو المواطن، حيث يفكر الحزب بكيفية جلب المواطن له مهما كان الثمن، فعمدت الاحزاب ان تتلقف الاطفال منذ سن حضانتهم عبر الاهتمام بهم وانتسابهم لحضانات الاطفال التابعة للحزب، ومن ثم ينتقل الطفل الى مرحلة الروضة فيدخل الروضة التابعة للحزب، ومن ثم المدارس وحتى الجامعات، وبذلك يكون الطفل قد تغذى فكره ومعتقداته بما املاه عليه الحزب في مراحل حياته المتعاقبة، فجعل من منظومة السلوك التي يتبناها المواطن متأثرة وخاضعة لتلك المعتقدات والافكار التي سكنت عقل وفؤاد ذاك المواطن، فانطلى ذلك على علاقاته مع الاخرين حيث يتقبل من يتوافق مع افكار حزبه، ويدرأ من دون ذلك، فتخلق الخلاف بين الاخ واخيه، والاب وابنه، والجار وجاره، حتى المصلي والمصلي، ولم يقف الحزن عند ذلك بل دخل الى اغلب مناحي حياتنا، فالمشتري لا يشتري منويائع يختلف معه حزبياً، والزوج لا يقبل بزوجة تختلف معه حزبياً، حتى الراكب لا يركب بسيارة عامة سائقها يختلف معه حزبياً.
عمّت الاحزان من الاحزاب، وصوت انين الوطن لم يخفت للحظة، الوطن يتوجع من الوانه التي بهتت وتخالفت حتى تشوهت صورته الوطنية، عمَت الاحزان من الاحزاب التي فقدت بوصلتها نحو الهدف معتقدة بانها لوحدها قادرة على تحقيقه، ولم تدرك بان تكاملها مع الاحزاب الاخرى يجعلها اكثر قوة ، ويحسن من الوان اللوحة الوطنية بكليتها، فالاحزان تجذرت بجنبات الوطن والاحزاب منبعها، الاحزان جابت ازقة الوطن والاحزاب منبعها، الاحزان تجلت في كل مناحي حياتنا، والاحزاب منبعها.
الوطن كبير بمكنته ان يجمع الاحزاب كلها بين اضلعه، والتحرير يحتاج الكل مجتمع، ولا يريد الكل احزابا.

 

2019-01-19