الثلاثاء 14/10/1440 هـ الموافق 18/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
'قصة قصيرة'..عودة اسماعيل الهايم... عبدالرزاق اسطيطو

كنت جالسا قبالة البحراستمتع بدفء الصيف، وكان صوت المصطافين خاصة الصغاروالمراهقين منهم، يزيدالشاطىء صخبا مما غيب معه صوت البحر والنوارس وسحر الغروب ...حاولت أكثر من مرة أن أغوص من جديد بين صفحات الرواية التي بين يدي في محاولة لإنهائها،لكن هيهات!. ولمت نفسي لأنني لم أحسن اختيارالرواية أثناء شرائها، ثم أرجعت الأمرللصخب، والحرارة المفرطة، وأنا أبحث عن تبريرلكسلي هذا أثناء القراءةوقف قبالتي شاب وسيم، طويل القامة بشعر أسود مصفف بشكل أنيق، يرتدي قميصا أبيض اللون وسروالاقصيرا، وينتعل حذاء رياضيا، وبيده هاتف نقال. مد إلي يده مصافحا فتركت الرواية جانبا، ووقفت أسلم عليه فمن محياه ونظراته يبدوأنه يعرفني تمام المعرفة.عانقني بود... وأنا أرحب به استرجعت صور التلاميذ الذين درستهم فيما مضى عساني أعثر على ما يذكرني به ...دعوته للجلوس ففطن بدهائه أنني لم أتذكره، فعرفني باسمه قائلا :"اسمي اسماعيل الهايم ، كنت أدرس عندك ألا تتذكرني أستاذ..!.فأجبته بلطف :" نعم.. نعم.. تذكرت التلميذ الهايم المشاغب الذي كان يشتكي منه الكل إلاأنا طبعا" فقاطعني وهويربت على كتفي" طبعا إلا معك لأنني كنت أحبك وأحترمك" .

وأثناء جلستنا حدثني عن هجرته، وحياته باسبانيا وعن فرص النجاح هناك وعن الفرق الشاسع بيننا وبينهم قائلا "هنا الذل والهوان كل شيء يقاس بالمال والجاه والحسب "وهناك كل شيء يقاس بالكد والاجتهاد والتعب، هناك منحتني الحياة كل شيء العمل، والزوجة،والبيت  واللغة ..هناك أستاذي ولدت من جديد. وهو يتحدث عن رحلته وسعادته بدا شابا طموحا، وناجحا وصاحب مقاولة للبناء. غير التلميذ الذي  كان يصرخ في وجهه حارس المدرسة، ويطرده الأستاذ من فصله بداعي الشغب. لما ودعني بعد غروب الشمس عادت بي الذاكرة من جديد إلى أيام خلت حيث كنت أدرس بثانوية "المجد للعرفان " واستحضرت ذلك اليوم البارد من أيام الشتاء عندما انتهت حصة الصباح وخرج التلاميذ من الفصل ظل إسماعيل واقفا قبالة باب الفصل المشرع على أشجارالحديقة التي تزين الساحة بدا قلقا، وحزينا ومرتبكا، وهو يبحث عن كلمات تليق بتوديعي . بكلمات مقتضبة شجعته على الحديث... نظر إلي بعيون منكسرة قائلا "سوف أهاجر إلى اسبانيا هذه الليلة عبرقارب من قوارب الموت .ولأنك عزيزعلى القلب أردت توديعك" حاولت أن أغير فكرته، ووجهته، لكنني وجدته مصراعلى الهجرة حتى وإن كانت على كف عفريت.عانقني بود وضغط على يدي ورحل.

 ظللت طوال اليوم أحدث نفسي تارة، وأصمت تارة أخرى كمن أصابته ضربة شمس.. عفت الأكل والموسيقى والقراءة، ولذت بالبحر كعادتي، وبداخلي أسئلة كثيرة تتلاطم كالأمواج الصاخبة على حجارة صماء لميناء مهجور، لأنني فشلت في إقناعه وإقناع الآخرين بالعدول عن فكرة الرحيل . فهل حقا كنت صادقا معهم في هذا القول، وأنا الذي كنت أجهزأوراقي، وحقائبي للرحيل إلى الضفة الأخرى؟! 

2019-01-22