الإثنين 13/10/1440 هـ الموافق 17/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
لم تتحققْ الأرباح...فزحفن....ناريمان شقورة

شابات جميلات يزحفن على أطرافهن الأربعة في مشهد غير مسبوق في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين، وذلك أمام الملأ وفي وضح النهار، وهن يرتدين زياً رسميا موحدا، ليتبين وكما عرضته نشرة الأخبار، أنه نوع من العقاب الذي فرضه عليهم مدير الشركة اللاتي يعملن فيها، بسبب عدم تحقيق أرباح للشركة بالحد الذي توقعه أو خطط له، وكان من اللافت أن جميعهن نساء ولست متأكدة أن هذا القسم المعاقب أو كل الشركة موظفيها من بين النساء، لكن هذا ما كان واضحا في النشرة.

 

نعم ربما اعتاد المشاهد على المناظر القاسية واللاإنسانية في كل بقاع الأرض خاصةً جراء التنظيمات الإرهابية في دول مختلفة، ومن بينها داعش وجرائمها التي لا تمت للآدمية بصلة من حرق وتصفيات وقطع رقاب وغيره، كما ما انفكت فيديوهات دفن مسلمي بورما أحياءً وإبادتهم في ميانمار وتهجريهم وتروعيهم عالقة في أذهان من شاهدها، ولم يمر أحدٌ ما قراءةً أو مشاهدة  لطرق تعذيب غريبة كتلك التي حدثت في سجن أبو غريب في العراق  ومعتقل غوانتانامو في خليج غوانتانامو  دون أن يشعر بالغثيان والحسرة والقهر والرغبة بالانتصار للمسجونين مهما بلغت خطورتهم فقط لتخليصهم من تلك العذابات، وتنشر بعض مقاطع الفيديو أحيانا لطرق تعذيب ابتكرها كيم جونغ أون زعيم كوريا الشمالية والتي فيها من الغرابة والقسوة والمبالغة ما يخطر ببال، أما عن تعذيب الحيوانات والظلم بشكل عام ومآسي العباد في كل أنحاء المعمورة فحدث ولا حرج، ومنها من نتعاطف مع ضحاياه إلى حد تقلب المزاج والتأثر لفترة من الزمن، ومنهم من نحاول الوصول إليهم ومساعدتهم، ومرات وبعض الاستماع لأكثر من جهة تتغير مواقفنا التعاطفية إلى حيادية مع الاحتفاظ بآرائنا أن ذلك العقاب الذي يستحقه البعض غير آدمي.

 

لكن أن تزحف شابات عشرينيات بهذا المشهد المستفز جدا في الشوارع الرئيسية على الأطراف الأربعة أمام كل المارة بسياراتهم وأرجلهم ودراجاتهم، فهو أمر بمنتهى الحيوانية والبشاعة، فما هو ذلك الذنب الذي أصلا يتخطى قدراتهن، فموضوع تحقيق الأرباح قد يبذل فيه الموظفون أقصى مجهوداتهم ولا يحدث بأسباب تتعلق بالطرف الآخر(المستهلك، الجمهور) أحيانا وليس بالشركة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كيف يعتقد أحدُهم أن له الحق في تعذيب الآخرين والتلذذ بجعلهم سخرية للآخرين وامتهان كرامتهم الآدمية التي يكفلها قانون الإنسان الدولي وكافة القوانين؟؟؟؟؟؟؟

والأمر الآخر الذي تشير إليه هذه الفِعلة المقيتة بلا ريب هو استغلال حاجة البشر للعمل وللوظيفة والمال، فمن المؤكد أن ذلك المدير أو حتى صاحب الشركة لو كانا على يقين بأن ردة الفعل لهكذا أمر ستكون بالاستقالة الجماعية لما تجرأ أحدُهما على مثل ذلك الطلب بإجبار الشابات على الزحف في الشوارع.

 

كل ما سبق والحوادث الأخرى التي تمس كرامة الإنسان وتمتهنها شر امتهان، إنما هي مؤشرات لانعطاف الإنسانية انحداراً خطيراً، سندفع كلُنا ثمنه يوما ما، لذلك على الجميع رفض الممارسات القمعية بحق إنسانيتنا والثورة عليها وإن كانت لا تمسنا بشكل مباشر، فهي أيضا تنال منا بطريقةٍ أو بأخرى، فعندما نشاهد ذلك ونثور مرة واثنتين وبعد ذلك نتقبله فهذا يعني أننا بدأنا لا نتفاعل مع الأحداث بما يحفظ كرامتنا ويصون إنسانيتنا.

وإنما استفزازي هذه المرة ليس فقط انحيازاً للنساء رغم أنهن يستحقنّ الانحياز انتصاراً لحقوقهن المهضومة بشكل عام في العالم باختلاف تلك النسب وفقاً للدولة اللاتي يعشن فيها، لكن المشهد مرفوض لأي إنسان، واعتقد أنه حتى لو كان المعاقبين من فئة الحيوانات لوجدنا جمعيات حقوق الحيوان ضجت الدنيا مطالبةً بمحاكمة من فرض العقاب.

في تقديري ورأيي الشخصي محاكمة صاحب العمل ذلك أصبح ملحاً من جهة، وتجميع اعتراضات من كل العالم لو من خلال حملات الكترونية اجتماعية مناهضة لمثل تلك التصرفات على الأقل أنجع من حملات الإعجاب التي يروج لها البعض أفراداً وجماعاتٍ وشركات نحو تصرف تافه كإحراق سيارة أو المخاطرة بالقفز من مكان معين أو أي عمل مغامر على صعيد الأفراد، وعمل مربح على صعيد الشركات خاصة التجارية، لأنه ومن خلال الإنسانية السامية والسوية تنطلق كل الأعمال الأخرى الناجحة.

 

ناريمان شقورة

2019-01-26