الثلاثاء 14/10/1440 هـ الموافق 18/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
زواج الأغنياء بالسلطة....بقلم: محمد عودة الله

 بادئ ذي بدء، أنا لا أطمح من هذا المقال إلى إضعاف السلطة سواء أكانت في مواجهة ترمب أو إسرائيل، كل ما أسعى إليه هو أن أدق مسماراً آخر في نعش السلطة لأنها غطاء لنظام فصل عنصري/تطهير عرقي، ولأنها ببساطة لا تمثلني بل تمثل الأغنياء وارتباطاتهم الاقتصادية والسياسية بالاستعمار الغربي، المقال عن السياسة الاقتصادية للسلطة الفلسطينية وكثير من المعلومات مستقاة من دراسة للصديق فراس جابر مشكوراً على موقع مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية

https://www.almarsad.ps/archives/914?fbclid=IwAR0oA3Y-K0NSGkFVUW8BDXpDsCt5PlQL1O_98TwE6L09j0FvspLZyPgTG9Q

ما هي الفلسفة خلف الضرائب؟ ضرائب مقابل أمن وحقوق وخدمات ومع الحلم تحرير وترميم وطن على أساس الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، ولأن النظام طبقي رأسمالي أي يخدم الأغنياء فمن الطبيعي أن يدفع الأغنياء مساهمة أكبر من أجل أن يردوا بعض الجميل لمجتمعهم الذي منحهم الثروة، وحتى لا تنتشر الجرائم (المرتبطة بالفجوة بين الأغنياء والفقراء أكثر من فقر الدولة وغناها)، وبالتالي تذهب أموالهم لتحرير أبنائهم من الخطف مثلاً ولا سمح الله، أذاً الكل يساهم حسب قدرته، وعندما يدفع الفقراء الضرائب فإنها تكون على حساب قوت عيالهم، أما عندما يدفع الأغنياء الضرائب فإنها في أغلب الأحيان تكون من حسابات التوفير أو في أسوأ الأحوال على حساب بعض الكماليات كعشاء شوربة تماسيح أو رحلة إلى لندن أو سيارة لاند روفر رباعية الدفع، لذلك من مقتضيات العدالة أن يدفع الأغنياء ضرائب أكثر بكثير من الطبقة الوسطى أو الفقراء حفاظاً على السلم الأهلي، ولأنهم ببساطة يملكون أكثر بكثير مما يحتاجون.

          لننظر الآن في السياسة الضريبية، يذهب نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي (35%) كضرائب للسلطة التي تعتمد على المواطن بشكل شبه كلي في الميزانية، وبالمقارنة مع الدول المجاورة كالأردن (16%) ومصر (19%) من الناتج المحلي، لذا فإن هذه النسبة مرتفعة جداً بحوالي الضعف، وربع الموازنة (25%) تذهب إلى وزارة الداخلية في الوقت الذي يعاني جهاز كالشرطة مثلاً نقص في الموارد البشرية، بمعنى أن الأجهزة الأمنية المخابراتية وأمن إسرائيل هو الأولوية، وهذا طبعاً مفهوم لنظام بوليسي يعمل على التحرير بالتمسح للاستعمار، وبالمناسبة فإن ميزانية مؤسسة الرئاسة تقترب من ضعف ميزانية وزارة مهمة وأساسية في مجتمع يكافح على الأرض كوزارة الزراعة، لا تعليق. نفهم أن العبء الضريبي على المواطن الفلسطيني كبير، الضرائب تفرض على كل السلع وبنفس النسبة، بمعنى لا يوجد دعم للسلع الأساسية كالطحين والخبز والزيت وحليب الأطفال، وبالمقابل لا يوجد ضرائب إضافية على الكماليات من سيارات فارهة وعطور ومفتح بشرة... الخ، من المستفيد من سياسة اقتصادية كهذه؟ طبعاً الأغنياء.

          ضريبة أخرى ولا تخضع لاتفاقية باريس هي ضريبة الدخل وهي كالتالي: دخل سنوي 1-75000 شيكل بنسبة 5%

دخل سنوي 75001- 150000شيكل بنسبة 10%

دخل سنوي فوق 150000 شيكل بنسبة 15%

شركات 15%

شركات احتكارية 20%

أرباح السوق المالي لا تخضع للضرائب (نصيب الأغنياء!)

مكافأة نهاية الخدمة تخضع للضرائب.

هنا عدة ملاحظات، أولاً إذا كان دخل الفرد تحت خط الفقر مثلاً 15000 شيكل سنوياً فعليه أن يدفع ضرائب 5%، باستثناء إعفاء 3000 شيكل شهرياً، لقد نسي أبو مازن من إعفاء ذوي الدخل المتدني من ضريبة الدخل حتى لو كانوا عمليا تحت خط الفقر، والملاحظة الثانية أن شخص دخله 151000 شيكل لا يدفع ضريبة 15% على كل المبلغ بل 5% على 75000 شيكل و10% على 75000 أخرى و15% على 1000 شيكل فقط! أي أن المبلغ أمام الضريبة يعامل نفس المعاملة حتى لو اختلفت درجة الحاجة إليه. والملاحظة الأخيرة أنه كان هناك فئة 20% لضريبة الدخل للأفراد، قام صانع القرار الفلسطيني (لم ينس هذه المرة) أي الرئيس بإلغائها عام 2015 وبكل هدوء، في الكيان الصهيوني تصل ضريبة الدخل من حكومة اليمين (من يتساهلون مع الأغنياء) على الأغنياء إلى 50%، وفرنسا 45% وبريطانيا 38% وأمريكا حتى 40%، وهي دول لديها مخصصات بطالة وإعاقة وشيخوخة وبحث علمي...الخ، بالمقابل فإن السلطة الفلسطينية فتحت لنا الجوامع لنشكو إلى الله سوء الحال، لان القيادة تخجل من مد يدها على مدخرات الأغنياء ولا تخجل من قسمة رغيف الخبز من يد الفقراء.

          من قال أن السلطة لا تهتم بالفقراء فإليه المفاجأة، فالسلطة الفلسطينية لديها وزارة التنمية الاجتماعية التي تعنى بشؤون الفقراء والمعوزين، تخصص الوزارة مبلغ 750 شيكل كل ثلاثة أشهر لكل أسرة بغض النظر عن حجم الأسرة (لاحظوا العدالة في التوزيع: نفس المبلغ لشخص في مقابل أسرة من 7 أفراد مثلاً)، لو فرضنا أن هذه الوزارة هي المعيل الوحيد لأسرة من 5 أفراد تريد أن تعيش على الخبز فقط، أعتقد أن الأسرة ستحتاج ثلاثة أكياس خبز يوميا بتكلفة 12 شيكل، 12 مضروب في 30 يوم في الشهر في 3 أشهر، المجموع 1080 شيكل، أي أن مبلغ 750 شيكل كل ثلاثة أشهر لا يكفي الأسرة لتعيش على الخبز فقط.

إليك عزيزي القارئ واحدة أخرى، تحتاج البنوك إلى 3 كفلاء لإعطاء عميل واحد قرض ما، وإذا تخلف العميل عن تسديد القرض يقوم البنك بسحب مبلغ السداد من حسابات الكفلاء، وبالتالي فان البنوك تحقق أرباحاً مضمونة في مجال القروض، وإذا غرق أحد العملاء في الديون يغرق معه ثلاثة كفلاء في سداد القرض مع الأخذ بعين الاعتبار محدودية الدخل لدى أغلب الكفلاء، وهذا نظام ربما فريد من نوعه في بلدان العالم، يبدو أن البنوك والمستثمرون فيها لا يعون أن المغامرة والمخاطرة بالخسارة هي أحد المبررات التي تستخدمها الرأسمالية في تبرير الأرباح الطائلة التي يجنيها المستثمرون، هذا إلى جانب الفردية في تحمل المسؤولية وهي ركيزة أخرى من ركائز الرأسمالية وأن "العقوبات الجماعية" سياسة احتلال، يبدو أن لدينا في فلسطين رأسمال لا يسعى إلى الحد الأدنى من المشروعية في جني الأرباح ودون رادع قانوني.      

          خلف الشعارات، شعارات فلسطين عربية وبناء الدولة والتحرر وما إلى ذلك، هناك واقع حول تضحيات الشعب الفلسطيني إلى حسابات في البنوك لفئة قليلة، وأدار الظهر للمهمشين ونحن الأغلبية الساحقة من المجتمع، ويطالبنا بالمزيد من الصبر والثبات ونكران الذات في سبيل ما يسمى بالمشروع الوطني أو ما تبقى منه، حالة تذكرني بالفاشية، وفي رأيي المتواضع أن حصة الفقراء في مال الأغنياء يجب أن تكون وستظل ركن أساسي من المشروع الوطني لكل من يقف لحظة صدق مع العدالة الاجتماعية.

          الشعب داخلياً منهك بين مطرقة السلطة الفلسطينية وسندان الأصولية الإسلامية ناهيك عن الاستعمار الغربي الكولونيالي، كلاهما أي المطرقة وسندانها اليد اليمنى للأغنياء، ونحن عامة الشعب تركنا نهبا لذوي اليمين وأسياد ذوي اليمين!!         

 

2019-02-03