الثلاثاء 14/10/1440 هـ الموافق 18/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
مدينة لا يضل فيها عابر !! .... عبد الهادي شلا

 بعد غياب ثلاثين عام ..

كنت أظن أنني سأجد بقايا ذكريات جميلة على جدران شوارع المدينة العتيقة..أو في حدائقها التي كانت جميلة،لكنني صدمت حين رأيت الحجر الصلب ممد بقسوة  ليغطي كل فسحة كانت ملاذا للعشاق والأحبة وقد رصت عليها مقاعد خشبية ازدحمت بالجالسين من كل الأعمار يزاحمهم فيها باعة متجولين و أطفال وشيوخ متسولين.

           
كان الضجيج أعلى من أن أسمع زقزقة العصافير ..شغلني عن مشاهد كنت أظن أنني سأجد بعضا من أثرها..كل ما وقعت عليه عينايا أشياء تزاحم بعضها وتصطدم ببعضها وتتصارع على وهم في صورة قد تأتي وقد لا تأتي ..

الأمنيات دفينة القلوب على وجوه عابسة غادرتها البسمة،وغلفها صمت مريب لم أفهم كنهه إلا بعد أيام.

السماء ملبدة بالغيوم  تنبئ عن مطر قادم ،وضباب يزيد من قتامة اللون الرمادي الذي كسى المدينة العتيقة وتربع على أكتافها بقوة أكبر مما تحتمل.

غياب ثلاثين عاما عن قاهرة المعز التي احتفظت بصورتها البهية أحدث فيها تغييرا شاملا لم يبق من أثر الأيام إلا ملامح باهتة أصابتني بصدمة قوية ولولا رباطة جأشي وإصراري على أن أراها كما كنت أتمنى لغادرتها في نفس الوقت التي استشعرت فيه كل هذا التغيير الذي لم أحب.!

هذه المدينة مرت بأحداث عظيمة تغيرت فيها صور الحياة في مجملها ..انقلبت معايير واختفت قيم حل مكانها قيم جديدة بقوانين منفلتة عن الأصل وبعيدة عنه..

هكذا يستطيع القادم من البعيد أن يرى هذا التغيير والتحول الذي لم يترك مكانا إلا وقد حل به وأحدث فيه فعلا جعل منه شيئا أخر.

الشوارع التي اعتدت السير فيها..

نصبت على ناصيتها محلات وأكشاك تزاحم بعضها ،وبشر يقطعون الطريق مزاحمين العربات التي لا تأبه لإشارات المرور ولا لعابري الطريق ..

الأمر العظيم الذي استوقفني وأثار انتباهي أن أحدها لا يصطدم بالأخر وكأن في داخل كل منها جهاز استشعار ينبه الآخر فيفسح له الطريق وسط تعالي أبواق المركبات التي لا تهدأ وحافظت على بقائها صانعة سيمفونية ألفتها الاذان ولا يمكن سماعها إلا في القاهرة..!!...

ضحكت في سري..

هذه الأبواق التي أعرفها لا تسكت فهي تنبعث بسبب وبدون بسبب من المركبات و هي الأثر الوحيد الذي احتفظت به هذه المدينة العبقرية في كل شيء،رغم كثافة الصورة القاتمة التي تغلفها.

في الأماكن البعيدة والجديدة عالم أخر يكاد المرئ يحار في وصف الصورة بشقيها..

حياة مختلفة ببذخ ظاهر وبشر كأنهم من مدينة أخرى رغم التداخل والربط بين شوارع ازداد اتساعها وازدحمت أيضا بكل ما هو جديد ومغاير جعلتني أشعر بأنني في مدينة لها أبواب كثيرة وتقاطعات عدة كل منها يؤدي دورا في تشكيلها الذي امتزج فيه الضجيج مع الضجيج والازدحام تداخل مع الازدحام في كل شق منها.

تبقى القاهرة...مدينة يأخذنا الحنين إليها..نعشقها لما فيها من منارات كثيرة تبعث الأمل في الروح العطشى التي طال انتظارها لترتوي من كل جديد مبهر في عالم الأدب والفن والإبداع .

المتاحف وقاعات عرض اللوحات والمسارح والندوات الأدبية ومعارض الكتب والمؤتمرات الإنسانية تجد مكانها وسط كل ما تقدم مما يؤكد على أن هذه المدينة عصية على الإنكسار وتأبى أن تسقط أو تترنح من أثر كل ما وقع عليها من ضربات موجعة..

القاهرة مدينة لا تشبهها مدينة أخرى ..هي مركز مفتوح على كل الإتجاهات لا يضل فيها عابر ،ويأنس  بألفة أهلها  كل مقيم.

2019-03-02