الإثنين 13/10/1440 هـ الموافق 17/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
اطلعوا برة .. وجاء أبو عواد وقال : آه يا ديسكي ....شوقية عروق منصور

تعلمت المشي ، لكن لم أتعلم الهروب ، لكن تلك الليلة هربت ، من المضحك أن أقع في حالة من الذعر دون تأمل ، وبعد الذعر تموج الضحكات وأكتشف أن العمر أقرضني تجربة تستيقظ كل فترة على صوت غليان الأحداث .
كان الاتفاق أن نسافر الى الأردن ، وفد أدبي نسائي ، قبل الدخول الى المعبر اكتشفت أنني وقعت في مصيدة التعايش اليهودي العربي ، لأن الذي شكل الوفد لم يقل لي أن هناك عدة نساء يهوديات قد التحقن بالوفد الأدبي ، وما هو اتجاههن ؟؟! حاولت الاحتجاج ، لكن شفرة السكين كانت تحز رقبتي ، التي كانت تهمس لشبابيك الباص بحنان لعل الزجاج يفتح وتهرب روحي .
خلال السفر شعرت أن هناك شيئاً ليس طبيعياً ، لكن قلت بيني وبين نفسي ، لعل احساسي قد أصيب بعطب من شدة عدم الثقة التي حرثت أرضه وزرعت في تراب الاحاسيس صوراً وخيالات شيطانية ، ولعل قلبي الذي طار بفضاء الواقع يحمل خريطة الخوف من الآتي .
ولأنني أعرف جيداً المواقف السياسية لإتحاد الكتاب الأردنيين ، وأقرأ تصريحات الأدباء ومقاومتهم للتطبيع ، كانت الزيارة تخلع ضباب تفاصيلها على مقاعد الباص .
وصلنا العاصمة عمان وبعد الاستراحة في الفندق، جاء موعد الذهاب إلى مقر اتحاد الكُتاب الأردنيين ، كان الاستعداد للقاء بعض الأدباء الذين قرأت لهم ..وضعت الكثير من الأسئلة لبعض الأدباء الذين كانت رواياتهم وقصصهم قد أخذت تحتل المكانة الهامة في الوطن العربي .
تقع بناية اتحاد الكُتاب الأردنيين في الطابق الثاني في إحدى الأحياء الراقية ، تسلل الي شعور أن هناك شيئاً سيحصل – تذكرت الممثل نجيب الريحاني وهو يغني لليلى مراد حاسس بمصيبة جياني .. يا لطيف يا لطيف – !!
لذلك قررت أن أبقى آخر واحدة في الوفد الصاعد إلى فوق ، وفي منتصف الدرج وإذ بأصوات صراخ وصياح .. والنساء اليهوديات يهرولن هاربات ، ويقف أحد الرجال أعلى الدرج ويقول لنا بصوت جهوري صاعق : برا .. اطلعوا بره ..!!
لحسن حظي وجدت نفسي أقف خلف أحد الأعمدة .. والنساء يهرولن بسرعة ويتعثرن بعضهن ببعض ، لجأت إلى الصمت حتى فرغ الدرج من خطوات النساء .. صعدت الى المقر وبعد التعريف بنفسي كان اللقاء الجميل مع أدباء قرأت لهم ، والحوار كان يتحدى خط التوتر العالي .
أحد الأدباء قال لي : اعتقدت انكم أديبات عربيات .. لكن ما أن دخلوا وقالوا " شالوم " حتى شعرت أن أعصابي لا تتحمل ، فقمت بطردهم .. وهمست إحدى الكاتبات قائلة : لا أصدق أنني قد سلمت على شخصية يهودية ..!!
في صباح اليوم التالي .. وعلى مائدة الفطور كان الابتعاد عني ، لم أهتم ؟! لكن المرأة التي تقود النساء اليهوديات قالت لي أنا عاتبة عليك ؟! لماذا لم تتضامني وترجعي معنا ، فقد سمعنا أنك بقيت هناك .. لم أجبها لأن كمبيالة الوطن ومأساة شعبي لا أستطيع صرفها بحديث عابر .
اتصلت بي أديبة أردنية وقالت لي أني ادعوك لمسرحية " آه يا دسكي " للفنان الأردني " نبيل المشيني " أبو عواد" ، وقد كنت من أشد المعجبات بمسلسل " حارة أبو عواد " ، من حيث الأفكار الاجتماعية التي كان " نبيل المشيني " يطرحها ويحارب بواسطتها التصرفات والسلوكيات التي كانت تعيق تطور المجتمع ، حيث كان يسعى دائماً للتغيير .
شاهدت المسرحية لكن لم أجد " نبيل المشيني " صاحب المواقف الاجتماعية التي كان يبرزها في مسلسل " حارة أبو عواد " ، فقد كان المسلسل علامة فارقة في الفن الأردني من حيث الموضوع الاجتماعي والحوار الفكاهي في التعامل بين الجيران في الحارة .
وحين قلت للصديقة الأديبة الاردنية أن " أبو عواد " خيب أملي في المسرحية . فما كان منها إلا أن ذهبت وراء الكواليس وقالت للفنان " نبيل المشيني " هناك من يخالفك الرأي ولم تعجبه المسرحية - وتبين أنها صديقة عائلة الفنان نبيل المشيني – .
واقتنع بوجهة نظري أن المسرحية كوميدية فارغة من المضمون ، ولم أجد فيها شخصية " أبو عواد " صاحب الموقف الاجتماعي الحاد ، لكن قال بألم أن الفنان العربي قد يصل به الوضع لقبول أي عمل حتى يبقى في الصورة ، وقد يتنازل كثيراً ، ولكن خلال التنازل يجد عملاً جيداً يحمل ملامح شخصيته وتفكيره ، وعلى وقع الألم .. !! أضاف أن العالم مصاب الآن بديسك ، ظهر العالم الذي من المفروض أن يحمي الحق ، أصيب بكسر واعوجاج ، والفقراء والمظلومين يعيشون بين الاعوجاج ويمارسون لعبة التحدي ، والتصميم على البقاء ، وعندما حدثته عن حكاية الطرد التي جرت في اتحاد الكتاب الليلة الماضية ، ضحك وقال بأعلى صوته " آه ... راح ديسك ..خلص .. "
تذكرت هذه العبارات عندما سمعت عن موت " أبو عواد " – الفنان نبيل المشيني - شعرت أن العالم قد خسر صوتاً فنياً كان يحاول أن يقدم من خلاله النصيحة بأسلوب فكاهي مبطن ، يذوب في حارة كان رجالها يتذوقون طعم التشفي والشماتة والرصد والقال والقيل ، والزوجة أم عواد- الفنانة رشيدة الدجاني – والأبناء عواد – ربيع شهاب – والأبنة عبير عيسى – نجاح – يحاولون التسلل إلى المشاهد من خلال مسلسل " حارة أبو عواد " الذي يقدمون فيه النصائح والتوجيهات للأسرة العربية والمواطن العربي ، مسلسل " حارة أبو عواد " كان يحمل لنا براءة الأيام .

2019-03-04