الإثنين 13/10/1440 هـ الموافق 17/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
يقولون ' تكبرين وتنسين '....أفنان عرب


 ها هي عجلة الأيام تدور ، وأنا هنا..قابعةٌ في الذاكرة حبيسةٌ في ماضيها

(١)

طفولة

أذكر جيداً ابن خالتي الذي لطالما حقق أمنياتي الطفولية وصحبني في " دورة عالموتور"، بعدها كان يشتري لي " أسكاية " بنكهة الكوكا كولا، هذا الاسم الذي اعتدنا أن نطلقه على عودٍ من الآيس كريم.

في نهاية اليوم كنتُ أعودُ للحارة محملةً بسعادةٍ كبيرة تكفي لأتلقى التوبيخ الذي ينتظرني بسلامٍ وابتسامة.

اليوم

الحارةُ لا زالت فارغة

الموتور سُرق

 وابن خالتي لم يَعُد.

 

(٢)

بياض الثلج

في صغري كنتُ أرى صوراً لأمي وهي تلعبُ بالثلج في مدينتنا البعيدة، كنتُ أحلمُ أن أصنعَ رجل ثلجٍ يتوسطه أنفٌ من الجزر وشالي الأحمرُ يلفه، كانَ الحلمُ يكبر مع كل شتاءٍ يمرُّ علينا محملاً بالاغتراب والمسافات.

في عطلةٍ ما قررنا العودة، كنا ننتظرُ الثلج بشغف وكانَ الموتُ ينتظرُ جدتي

رحلت جدتي وغرقنا بالثلج.

 

(٣)

بيتٌ لقلبي

في المدرسة صنعتُ بيتاً لقلبي، مجموعةٌ من البنات تغني للمستقبل بصوتٍ حنون، كنا نرتِّل الحب فوق كل زاويةٍ نمرُّ عليها، كنا الأكثر ذكاءً والأكثر إثارةً للشغب، تعاقبنا الإدارةُ صباحاً بالوقوف تحت أشعة الشمس لمدةٍ طويلة، ونُكرَّم في الظهيرة على شطارتنا.

لم يدم هذا طويلاً،

كان المستقبلُ أقسى من أن يديم جمعتنا، لم نلتقِ منذ ستةِ أعوام، لكننا لا زلنا نغني بصوتنا الواحد.

 

(٤)

عبورٌ لا ينسى

مرةً من المرات في سنواتِ الدراسة الأخيرة، كنتُ أجلسُ في مقعدي وأحاول أن آكل بقية كيس " الشيبس " المتواري في درجي، ولسوء حظي كانت المعلمة قد لمحتني، ظننتُ أنها ستوبخني؛ لكنها كانت تحبني جداً لدرجة أنها اقتربت مني لتقول لي: " صح يا أفنان أنتِ قليلة الأدب، بس حتوحشيني جداً لما تتخرجي وتمشي، بحبك أوي عفكرة."

مرةً من المرات وفي أحد المحاضرات، كنتُ أجلسُ بمفردي وبكامل احترامي، ليدخل علينا دكتورُ المادة بثقةٍ جعلته يظن بخفة دمه، ألقى بنظرتهِ الساخرة علينا بعد أن رمقني بواحدةٍ ملعونة ليقول بعدها: " شفيكم چنكم لاجئات سوريات" تبعتها قهقهات بعضٍ من الطالبات.

 كنتُ السوريةَ الوحيدة في الصف، المنكسرةُ بضحكتهن والحاقدةُ على العالم.

 

(٥)

لعنةُ العروبة

عندما أُعلِن عن ترمب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية

كانت الشوارع قد امتلأت بخيبات العابرين، وأنا في الطريقِ إلى إحدى محاضرتي وإذ بفتاةٍ تستوقفني لتخبرني أنها متأسفة جداً وأنها تحبني رغم عدم معرفتها بي، احتضنتني بودٍّ كبير وقالت: " هذه الأرض لكِ قبل أن تكون لنا."

منذ ستِ سنوات، أحاولُ الحصولَ على تأشيرةٍ للسفر إلى أحد البلدان " الشقيقة"، في كل مرة يُرفضُ الطلب دونما مبرر واضح.

في المنافي العربية لا توجدُ تعريفاتٌ واضحة للإنسانية،   بل وهمٌ يلاحقك أينما حللت.

 

(٦)

أحلمُ كل يومٍ بأن أمتلك برنامجاً إخبارياً أقدِّم نشراته، أو إذاعةً أحاول أن أبث فيها الأمل عبرَ صوتي.

الكلُّ يقول: أنتِ طاقة، لكن لا طاقةَ لدينا لتوظيفك.

حلمكِ بسيطٌ جداً و يصعبُ علينا تحقيقه.

 

أنا حقاً أردت أن أنسى!

 لكنِّي كبرت،

ولَم أنسَ.

2019-03-06