الإثنين 13/10/1440 هـ الموافق 17/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
ملاحظات حول القانون الأساسي الفلسطيني المعدل ....بقلم محمد عودة الله

لا يوجد دستور فلسطيني نظراً لعدم تحقق الحلم الفلسطيني بالدولة أو ربما لأن الإستعمار يطمح أن تكتب "طالبان" فلسطين دستورنا، فالنموذج موجود ومعمم وإن تم تأجيل تتويجه لصمود سوريا ودواعي مواجهة إيران، المهم لدينا بدل الدستور ما أطلق عليه القانون الأساسي الفلسطيني المعدل، والذي يعمل أحياناً كمرجعية ناظمة للسلطة الفلسطينية ويحدد طبيعة النظام والحقوق والحريات وصلاحيات السلطات، ونظراً لأهمية الدستور في الدول التي تلتزم بسيادة القانون وبكونها دول تعي أولوياتها وقيمها المركزية وتحافظ عليها بالقانون وعلى الدولة (إذ لا يوجد دولة بدون سيادة القانون، فبدون سيادة القانون كل ما هنالك عصابات (واللبيب بالإشارة يفهم). لذا سألقي هنا بعض الإضاءات على القانون الأساسي الفلسطيني المعدل والإلتزام به كنوع من العناد الذي لا يفلت المستقبل.

تتحدث المادة الأولى عن عروبة فلسطين والشعب الفلسطيني، وهو أمر يكاد لا يختلف عليه اثنان، وهي مادة يقبلها العقل والقلب وتتفق مع التاريخ والجغرافيا والمستقبل، عروبة فلسطين هي ما دفع ويدفع الغرب إلى ذبحها أمام العالم أجمع ليخلق وحشاً على شاكلته يسمى الإسلام الأصولي، وهي الباقية بعد أن يخرج النازيون من المنطقة كلها في سيارة الموتى. إن الرد على قومية الجيتو الغربي المفبركة والعنصرية، قومية الأف 16 الهاجمة على آبار النفط، هو بقومية عربية منفتحة لا شوفينية وعلى أساس ثورة المسحوقين إلى الحياة.

يلي ذلك وليس بعيداً مادة 4(1) ومادة 4(2) "الإسلام هو الدين الرسمي في فلسطين ولسائر الديانات السماوية احترامها وقدسيتها، مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع"، وحتى لا نقع في الغموض لا يوجد أدنى إشارة إلى العلمانية لا سمح الله! هذا في الوقت الذي ترفض فيه السلطة الفلسطينية الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية بدعوى صحيحة أن ذلك شرعنة للتمييز العنصري الذي يعانيه غير اليهود في الكيان، حلال عليك حرام على غيرك؟ ماذا عن التمييز الذي يعانيه غير المسلمين من "الكفار والمسيحيين" في ظل هذا القانون؟ وما دخل الدولة بالدين؟ لم يترك صانع القانون للإسلام الأصولي عمل يؤديه عندما يتسلم الحكم باعتباره المشروع الأمريكي للمنطقة عملاً، كل ما على حزب التحرير (حزب أصولي إسلامي ومدرسة لتوحش رأس المال الفلسطيني وارتباطاته) فعله هو شطب عروبة فلسطين وعلى أرضية جاهزة والباقي تفاصيل مملة ومقرفة ومعروفة سلفاً. إن ربط السياسة بالمقدس لدى الناس هو وصفة للدمار، لأن السياسة هي فن الممكن وشأن دنيوي بحت وربطها بالدين وبالمقدس يغلق الباب أمام الحوار والنقاش ويصبح رأي صانع القرار منزل من السماوات العلا، لقد دفعت أوروبا ثمناً باهظاً في عصور الظلمات نتيجة الخلط بين الدين والسياسة، وتدفع منطقتنا أثماناً باهظة في هذا الزمن نتيجة هذا الفيروس، "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، وليعلم المتنفذون والطبقة المخملية التي يلهثون خلفها أننا لن نخر ساجدين لإله يدافع عن فحش الثراء وعن بطاقات VIP حتى لو وعدنا بالجنة، لا يوجد في الإسلام ممثل لله على الأرض بعد انقطاع الوحي، كفوا عن النفاق والاستخفاف بعقولنا، نحن بحاجة إلى الحرية وكرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية والمساواة والعمل الشريف ولقمة الخبز والتعليم دون تسول، والخدمات الصحية التي تتهربون منها إلى مشافي إسرائيل وأمريكا، هذا ما نحتاجه، عندها سينظر الناس إلى الدين بإقبال على الحياة لا هربا منها.

كل شعوب العالم تؤمن بقيم العدالة والمساواة لبني البشر، حتى أعدائنا في الكيان الصهيوني يؤمنون بنسختهم الفوقية من هذه القيم ومشكلتهم أن عقدة التفوق العنصري تمنعهم من رؤيتنا كبشر، وينحصر التعاطي بهذه القيم في ثنائية اليهودي والأبيض حالياً، وعليه جاءت مادة 9 "الفلسطينيون أمام القانون والقضاء سواء لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة"، إذاً القانون الأساسي يرى المساواة بما لا يتعدى مستوى القضاء والقانون، ولا يمكننا أن نحلم بالمساواة في الفرص والتعليم والصحة والإمكانات، فهذه مجالات مخصصة للنخب وأبناء وبنات النخب، وحتى أمام القانون، من منا يملك المال ليوكل محام ليرد له حقه المغتصب أو كرامته المسلوبة؟ قلائل، فهذه الأمور تصغر أمام تحدي لقمة العيش في ظل السلطان الأعظم، من يملك المال لديه جيش من المحامين ومن لا يملك له الله، والقضاء دمية في يد الأجهزة الأمنية، أي أن من تتولاه أجهزة المخابرات عليه أن لا يحلم أن يستمع له قاض وظفه جهاز الأمن، وهذه من خصائص الأنظمة البوليسية العتيدة التي تحمي العرش بأي ثمن فما بالك بنظام بوليسي يشتغل على أجندات الاستعمار من تل أبيب إلى واشنطن حتى على حساب نفسه. مما لا شك فيه أن العدالة والمساواة ليستا على سلم الأولويات بل على حذاء الرجل الأبيض، وعليه أقترح إضافة "بموافقة المخابرات" على هذه المادة لمقتضيات الشفافية! وملاحظة أخيرة، ماذا لو تعارض هذا البند مع الشريعة الإسلامية مثل أن للذكر ضعف حظ الأنثى من الميراث؟ مؤكد أن الأولوية في التأويل والنفاذ للحكم الشرعي حتى تظل فكرة المساواة حبراً على ورق، ولا تتخلخل أركان العنصرية الغربية والصهيونية بممارسات تتفوق أخلاقياً على الاستعمار المنحط. 

مادة 19 "لا مساس بحرية الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام القانون"، وعليه تظل حرية التعبير التي هي الأساس الضامن لكل الحريات والحقوق مشروطة بالقانون، وجاء قانون الجرائم الالكترونية ليضع حداً لوهم حرية التعبير، وفي كل الأحوال يمكنك أن تعبر عن نفسك إذا كنت مستعداً لدفع الثمن، وبتلاشي مساحات حرية التعبير لا يمكن للمتغيرات والتي تحدث دائماً وفي كل مجتمع أن تجد متنفساً لها إلا على شكل إنفجارات، وبالتالي يكلفنا منع شتم الرئيس وحشمه سلامة المجتمع وحيويته وقدرته على التعبير والدفاع عن حقوقه وقضاياه وانخراطه في تحديد مصيره، ليس ثمناً باهظاً!

مادة 21 (1) "يقوم النظام الاقتصادي في فلسطين على أساس مبادئ الاقتصاد الحر" ومادة 25 (1) "العمل حق لكل مواطن وهو واجب وشرف وتسعى السلطة الوطنية إلى توفيره لكل قادر عليه"، إن فهمي المتواضع للاقتصاد الحر هو الخالي من الضرائب ومن التدخل الحكومي، وهكذا وصل لهاث القيادة خلف رأس المال من الغلو إلى حد لم تصل إليه أمريكا نفسها في ظل الجمهوريون كأعتى المدافعين عن الرأسمالية، وبالنسبة للحق في العمل فإن نسب البطالة في الضفة تصل أكثر من 30% ناهيك عن من الذين ملوا من البحث عن عمل على شاكلتي، وعن آلاف العمال الفلسطينيين في الكيان الصهيوني، ويكاد العمل في السلطة الفلسطينية يكون حكراً على أزلام النظام وعائلاتهم، وقد أوردت هاتين المادتين معا لأبرز التناقض، إذ أن البطالة هي جيش الاحتياط للرأسمالية والتي تتكسب من عرق العمال بابتزازهم بجيش المعطلين، والسلطة الفلسطينية ليس لديها أي مخصصات للبطالة والمعطلين عن العمل، ولم تفتتح أي مشروع إنتاجي لتشغيل الناس منذ مجيئها، وعليه يمكن الجزم بأنها على الأقل غير جادة في التعاطي مع العمل كحق بل كامتياز أمني على الأكثر، المهم أن رأس المال لديه الكثير من الامتيازات ويمكنه بسهولة مغادرة البلد ليتتبع أمواله في مصارف الغرب في حال عم الحريق.

مادة 24 (1) "التعليم حق لكل مواطن، وإلزامي حتى نهاية المرحلة الأساسية على الأقل ومجاني في المدارس والمعاهد والمؤسسات العامة"، كلام جميل، منذ مجيء السلطة قفزت أسعار التعليم الجامعي المحلي إلى السماء وفتحت أبواب التعليم الموازي لأبناء الأغنياء لدراسة تخصصات لا تؤهلهم معدلاتهم الثانوية (وهي بالمناسبة ليس مقياس موضوعي لأكثر من مهارة الحفظ) لدراستها، التعليم الجامعي أصبح باهظ الكلفة لمعظم الأسر، حتى أن بعض الأغنياء أخذوا يتبرعون لبعض الطلبة المعسرين لتغطية نفقات تعليمهم الجامعي، والسؤال: إذا كان التعليم حق في القانون الأساسي فهل يرى سيادة الرئيس المنتهية ولايته وحاشيته وسيلة غير التسول لتحقيق حلم العائلات البسيطة في تعليم بناتها وأبنائها؟

لن أتحدث طويلاً عن سلطات الرئيس والمجلس التشريعي والقضاء ومبدأ فصل السلطات الذي يشكل ضمانة الحقوق وسداً منيعاً في وجه الطغيان، ولن أتحدث عن التداول السلمي والديمقراطي للسلطة لأن الجميع يعلم ما فعل الحزب الحاكم بنتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة وما زال ينافخ بأن "ديمقراطيتنا سكر زيادة" مع التفنن في إغراق البلد في سياسة الإقصاء والتنكيل بالمعارضين كوصفة مجربة للحرب الأهلية، مشكلة السلطة الفلسطينية أنها تسعى إلى جعل أوسلو وتبعاته سقفاً سياسياً لجميع الفلسطينيين، في حين أن أغلب الفلسطينيين ضد أوسلو لأنه مبني على أن الإنسان الفلسطيني بكل تاريخه في هذه الأرض أرخص من أكياس القمامة في نظر الاستعمار والاتفاق، وحول بعضنا إلى حراس لمغتصبينا كل يوم بالمعنى الحرفي والمجازي للكلمة، لقد قام الرئيس مديد العمر مؤخراً بحل المجلس التشريعي بجرة قلم، وهو يعين القضاة ويعزلهم كما شاء بعطفه، بإختصار تم إختزال الوطن في شخصه الكريم لأنه خائف ممن حوله، وبدل مبدأ فصل السلطات وتداول السلطة ديمقراطياً لدينا رئيس مستبد وأتباع في غالبهم طبقة من المترزقين من التبعية للاستعمار والمنتفعين من الهتاف للنظام البوليسي تحت شعار "مصلحة الشعب الفلسطيني" أي مصلحة الأثرياء والبيروقراطيين، هذا وربما لن يتوفر أبداً أغلبية من ثلثي المجلس التشريعي اللازمة لتعديل أي مادة في القانون الأساسي والذي صيغ بعناية تناسب المنظومة وينضح بالمتناقضات، إلا أذا تم انتخاب مجلس جديد على مقاس الرئيس، حينها أيضاً لن يعدل القانون الأساسي.

2019-03-12