الإثنين 13/10/1440 هـ الموافق 17/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الجزء الأول - سفاح نيوزيلندا – وأوروبا/ميشيل كلاغاصي

 مقدمة ...

ما من شك أن ما حدث في كرايست تشيرتش في نيوزيلندا, جريمةٌ مروعة صادمة, اهتزت لها أعمدة السماء والأرض, وستبقى وصمة عار على جبين الإنسانية, مهما كانت دوافعها وأهدافها ... فقد حملت رغم البيان الضخم الذي نشره القاتل ومنفذ الإعتداء الإرهابي "برينتون تارانت" على المسجدين في نيوزيلندا, رسائلَ غامضة تجاوزت الأسطر والكلمات وعديد المواضيع التي ذكرت فيه ... رسائل وجهها القاتل إلى جهات عديدة وأسهب بتوضيح بعض أسبابه التي خص بها بعض الدول, فكانت رسائل خاصة للولايات المتحدة الأمريكية كممثل للجنس الأبيض الذي أسس أمريكا, ولتركيا الدولة الحالية كممثل لدولة الخلافة العثمانية, ورسائل خاصة لمن دعاهم بالأوروبيين البيض. وانطلق من خندق "القومية البيضاء"، خائفا ً من "الإستبدال العظيم"، متأثرا ً ب "الإبادة الجماعية الكبرى"، رافضا ً لنظرية "الإنصهار"، والتعددية والديمقراطية الأمريكية، وقارب الملفات الكبرى التي تعامل معها، من خلال مسارين الأول عرقي عنصري إنتقامي، والثاني ديني متطرف بحت، وذكر تواريخَ ومعارك، وزيارات إلى بعض الدول، ساهمت بتغيير نظرته لبعض الأحداث التي شهدها العالم الذي يخصه ويهتم لأمره، وجعلته يرى الحقيقة – كما يدعي-. لا شك أن الموضوع يحتاج لدراسةٍ عميقة وتحليلٍ دقيق يمكنه تفسير الإعتداء، ويستشرف أحداث القادم من الأيام لما قد يكون "برينتون" قد قرع أجراسه، أو كُلف بإطلاق صافرة بدايته. ولإلقاء الضوء على هذا الموضوع، ومقاربة عشرات المواضيع التي طرحها في بيانه وعبر ما يُقارب الثمانون صفحة ... لذلك سنحاول معا ً، مقاربة الموضوع عبر مقالٍ من ثلاثة أجزاء، نستعرضُ في جزئه الأول ما يتعلق بأوروبا، والثاني ما يتعلق بتركيا، والثالث ما يتعلق بأمريكا ... دون إغفال أهمية كل جزيئية أشار إليها صراحة ً أو بشكل غير مباشر، وكل ما يرتبط بصلب الموضوع، وذلك للإختصار ما أمكن. الجزء الأول – سفاح نيوزيلندا وأوروبا ... من هي أوروبا بنظر برينتون "تارانت"؟، فمن خلال ما جاء في بيانه، أن أوروبا هي دول الأوروبيين البيض، والتي لا تقتصر على الدول داخل الحدود الجغرافية للقارة الأوروبية فقط، إذ يعتبر أن دولا ً كالبرازيل والأرجنتين واستراليا ونيوزيلندا، هي دول أوروبية بيضاء أيضا ً. بالإضافة لما ذكره في بيانه وعبر التويتر، وما تحدثت عنه وسائل الإعلام، عن زيارته إلى فرنسا في 2017، والتي أقنعته بأنها تواجه "غزوا ً من غير البيض"، وأنه تأثر بأفكار أحد المثقفين الفرنسيين المتطرفين، وألهمته للقيام بالهجوم ... إذ يقول إنه اعتقد أن الإرهاب الذي تعرضت له المدن والبلدات الفرنسية، مبالغٌ فيه، لكن الزيارة كشفت له أن ما سمع به هو أقل بكثير من الحقيقة. ومن الواضح تأثره بنظرية "الاستبدال العظيم" للغالبية البيضاء بغيرهم من السود والمهاجرين والأقليات ومن بينهم عدد كبير من المسلمين ... هذه النظرية التي يتجمع حولها اليمين المتطرف في فرنسا، وفي عموم أوروبا , وتتصاعد أكثر فأكثر مع إنتشار ووصول المد اليميني إلى السلطة في بعض الدول الأوروبية, ويجد أصحاب هذا التوجه أن الهجرات الجماعية ستؤدي إلى صدامٍ ثقافي بالحد الأدنى, قبل أن تتطور لتأخذ أشكالا ًصدامية أخرى, كذلك يعتقدون أنها شكلٌ من أشكال "استعمار أوروبا", لذلك يعولون على كل ما من شأنه تعزيز قوة الدول الأوروبية البيضاء. لا يبدو "تارانت" وحيدا ً بحمله هذه الأفكار, ولا يمكننا حصر عدد اللذين يشبهونه في أوروبا, ولكن يمكننا الإستدلال عليهم من خلال إنتشار الأحزاب اليمينية في جميع الدول الأوروبية, ومن خلال عديد الأحداث الوحشية والإرهابية التي ارتكبها المتطرفون البيض, وعبر عشرات المدلولات والرموز العنصرية التي تعبّر عن مكنوناتهم الداخلية وكراهيتهم للسود والمهاجرين وغير البيض الأوروبيين بما فيهم المسلمين, وعن تمجديهم للنازية الألمانية, وبقمصانهم السوداء المميزة بالرسومات والكتابات الصارخة بعنصريتها, كالصليب المعقوف أو شعارات منظمة القوى البيضاء مما يدل على توجهاتهم الإيديولوجية القومية المصبوغة بالعنصرية والكراهية , والتي تؤكد ميلهم للعنف والإجرام. مالذي يحدث؟ هل هذه هي أوروبا القارة القديمة العجوز الضاربة في التاريخ جذوراً لا يمكن تجاهلها... كيف يمكن لأقدم قارة في العالم أن تبقى بهذه العقلية والتطرف والعنف وهي التي عاشت آلاف السنين وراكمت الكثير من المعارف والعلوم والاختراعات والتطور العلمي والنتاج الإنساني من شعر وأدب وفلسفة! ‏.. من الواضح أن للموضوع جذورٌ قديمة، فقد اعتمدت النظرية العنصرية منذ ما قبل القرن التاسع عشر على تقسيم البشر إلى مجموعتين، الأولى تمتاز بالتفوق بسبب العرق أو اللون أو الدين أو الجنس، والثانية أدنى من الأولى وفق كافة المعايير، وبالتالي يحق للعرق المتفوق أن يتمتع بامتيازات على حساب الاّخرين، وبما يقود إلى الفصل العنصري بينهما... ويجدر بنا استحضار بعض الأمثلة: فقد أطلق المفكر الإنجليزي جوزيف كبلنج 1865-1936, بيت الشعر الذي يحمل في معناه أن الشرق شرق والغرب غرب, وأنهما ثقافتان لا تلتقيان .. فيما يقول المؤرخ البريطاني "آرنولد توينبي": أن اللون هو الصفة الأساسية التي يعول عليها الأوروبيون في دراسة الجنس أو العرق كعامل منتج للحضارة، وفي الدفاع عن نظريات العرق الأبيض المتفوق، أما "أرنودي جوبينو" 1816-1882 مؤلف كتاب "عدم التساوي بين الأجناس البشرية"، فيقول: أن "الإختلاط بين الأجناس الراقية والأجناس السفلى سببٌ رئيسي لتدهور حضارات أوروبا السابقة".‏.... وبإلقاء نظرةٍ على واقع المجتمع الأوروبي يتضح، أن العنصرية تطل برأسها الأخطبوطي في معظم الدول الأوروبية.... * ففي بريطانية تأسس اتحاد الفاشيين البريطاني عام 1933حيث كان أصحاب القمصان السوداء يهاجمون الأقليات المهاجرة في لندن على قاعدة "واحد يسقط ضحية لكي يغادر مليون إنسان هذا البلد"‏, كما ظهرت في لندن جماعة يمينية متطرفة أطلقت على نفسها اسم "الذئاب البيضاء" التي تبنت مسؤولية الهجمات على الجاليات السود بالقنابل وبعثت برسائل كراهية إلى برلمانيين سود ومجلات آسيوية. ‏ * وفي فرنسا حيث يعتبر فولتير الرمز الأكبر للتنوير الفرنسي في العصر الحديث، نراه يرسل إلى كاترين الثانية قيصرة روسيا رسالة يقول فيها: "أتمنى لو كنت قادرا ًعلى مساعدتك على الأقل بقتل حفنة من الأتراك والمسلمين". ‏ * وفي ألمانيا يقوم المتطرفون البيض بدفع غير البيض إلى الأعمال التي يأنفون منها مثل المناجم وشق الطرقات والأعمال الخطرة، ويطبقون شعار "طرد الأجانب" ... ويعتبرونه وسام الإستحقاق الأكبر على طريقة النازية.... ‏كما سبق لمجلة دير شبيغل أن نشرت نماذج من رسائل قرائها جاء فيها: "هؤلاء الجرذان"، "الحثالات"، "اجتاحوا بلادنا كالجراد وحولوا ألمانيا إلى مستعمرة إسلامية"، ويجب أن "نُخصي رجالهم ونستأصل أرحام نسائهم إنهم أنصاف قرود وليسوا بشرا ً، لقد آن الأوان لظهور هتلر جديد".

‏ يبدو أننا أمام صفحات لا تنتهي، علّها قدمت لنا الإجابة عن بعض التساؤلات، والتي جعلتنا نعجب من هرولة أوروبا العريقة (بلاد البيض الأوروبيين بمفهوم سفاح نيوزيلندا وأمثاله)، والتي مازالت تغرق في غياهب الحقد والكراهية والعنصرية، لأن تنجب من يحمل سلاحا ً أوتوماتيكيا ً ويطلق النار على مصلين في مسجدٍ في نيوزيلندا وغيرها. نلقاكم في الجزء الثاني بإذن الله  .

2019-03-17