الإثنين 13/10/1440 هـ الموافق 17/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الشرذمة: المعضلة الحقيقية للحركة الوطنية الفلسطينية ' الكثرة لا تغلب الشجاعة بالضرورة وعقلية القبيلة لا تصنع ثورة'....دياب زايد

لم تشهد أي حركة وطنية في التاريخ البشري حالة من الشرذمة كتلك التي شهدتها الحركة الوطنية الفلسطينية منذ بواكير انطلاقتها الأولى.

ويأتي ذلك وكأنه ترجمة ساذجة للمثل الشعبي "الكثرة غلبت الشجاعة". فعدد فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، بات تذكرها يستعصي احياناً على الانسان الفلسطيني العادي.

وإذا ما استعرضنا أسماء هذه الفصائل، سيبدو ان من الصعب اساساً التمييز بين هذه الأسماء وتلمس ما هو الثابت وما هو المتغير في التسميات.

وهذا يذكرنا تماماً بالتسميات التي تطلق على مؤسسات العمل المدني في فلسطين والتي لا تسمح بتسجيل مؤسستين تحت ذات الاسم ولا بد من وجود تغيير، احياناً يكون التغيير في مقطع بسيط من الاسم او إضافة صفة جديدة وبالتالي تستجيب لمتطلبات التسجيل.

ولكن، هل كانت فصائل منظمة التحرير بحاجة الى "تسجيل" رسمي كي تقوم بدورها، وأي فروقات تلك التي تميز هذا عن ذاك؟

هل هناك أكثر من دين إسلامي ليطفو الى السطح عدد من الفصائل الدينية الإسلامية؟

وهل هناك أكثر من نظرية ماركسية لتتزاحم كل هذه الفصائل، التي تضيف الماركسية في مؤخرة اسمها، في الساحة الفلسطينية؟

تلك أسئلة تستفز العقل البسيط وتدفعه للعودة بعيداً في التاريخ بحثاً عن تفسير!!!

فمنذ بداية التحضير لمشروع استعمار فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية، اتسم سلوك العائلات الفلسطينية المهيمنة، بالانقسام والتناحر والتسابق لتقديم الولاءات لأقطاب المشروع الاستعماري. في هذا السياق، يشير أحد المؤرخين الفلسطينيين، الى ان الحاج امين الحسيني والذي طرح نفسه شخصية جامعة للحركة الوطنية الفلسطينية، قد اصطدم بأقطاب عائلة النشاشيبي والتي يدعي ذات الكاتب انها كانت تحمل مواقف موالية للاستعمار البريطاني[1]. وبالتالي يبدو جلياً ان الشرذمة هي الأساس في "العمل الوطني الفلسطيني"، فلكل طرف اجندته الخاصة وأصبح دفاعه عن اجندته لا عن القضية التي وجد من أجلها.

وليس جزافاً القول هنا ان هذا التناحر بين العائلات الفلسطينية هو الذي قاد الى ضياع فلسطين في بداياتها.

اما عقد الستينات والسبعينات من القرن الآفل، فقد شهد بازاراً دائماً لانطلاق الفصائل الفلسطينية المختلفة والتي جاءت في الكثير من الأحيان تعبيراً عن اجندة الأنظمة الرجعية العربية والتي تلاعبت بها بشكل مزري، ودفعتها الى التناحر وناصرت طرفاً على حساب آخر، لتكون النتيجة النهائية ضياع القضية الوطنية برمتها.

اما معسكر الأعداء المباشر، الصهيونية والامبريالية الاستعمارية، فقد وقفت موقف المتفرج في اغلب الأحيان، وان كانت الغبطة تسيطر عليها مما يجري.

الا ان ما جرى لم يكن صدفةً ابداً، فقد ايقنت الرجعية العربية ومعها الصهيونية والامبريالية، انه لا بد من إيجاد معارك ومشاحنات جانبية هنا وهناك، تتلهى بها الفصائل الفلسطينية لتستنزف بنادقها، بدل ان تتوجه هذه البنادق صوب العدو الحقيقي بتحالفاته الضمنية والمعلنة.

من هنا جاء دعم بعض الأنظمة لفصائل محددة لتكون ذراعها في مواجهة نظيراتها من الأنظمة الرجعية الأخرى، لا لتواجه المشروع الاستعماري. فقد انعكس صراع اقطاب البعث العربي الاشتراكي في سوريا والعراق على الفصائل الفلسطينية والتي اعلن بعضها دعمه لبعثية سورية بينما الآخر دعم بعثية العراق.

وفي كلتا الحالتين، غاب الصراع مع العدو الصهيوني عن المشهد.

وفي ظل حالة الارتباك التي عاشتها الأنظمة العربية وتوالي هزائمها، كان هناك اتفاق ضمني بين الأنظمة المختلفة على تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية لتكون الوعاء الذي يحتوي الفصائل المختلفة ولتناط بهذا الوليد الجديد مهمة تحرير فلسطين، وتعفي الأنظمة الرجعية من كافة التزاماتها في معركة تحرير فلسطين، وليستبدل الدم العربي في معركة التحرير بالأموال التي تدفع لخزينة المنظمة، دون تردد...

وهكذا، استطاعت الأنظمة الرجعية تحييد الجماهير العربية عن معركة تحرير فلسطين، وألقت بالمسؤولية على عاتق منظمة التحرير. الا ان التاريخ شهد انخراط عدد كبير من شرفاء الامة العربية، وبشكل فردي، في معركة تحرير فلسطين ورفض الاستسلام... كما شهد التاريخ ايضاً زج المناضلين والثوار الفلسطينيين والعرب ومن ناصرهم من حركات التحرر العالمية، في سجون الرجعية العربية الممتدة من المحيط الى الخليج.

ولا يخفى ان اكثر المناضلين العرب والفلسطينيين الذي تعرضوا للقمع، هم حملة لواء القومية العربية، كون الأنظمة الحاكمة ادركت بفطرتها التابعة، ان هذا هو البديل الحقيقي لها وان الفكر القومي هو الوحيد القادر على اقتلاع عروش كافة الأنظمة الرجعية. بالتالي، كان لا بد من ان تتوحد الأنظمة العربية كافة ولربما للمرة الأولى والأخيرة في تاريخها، في مواجهة القوميين العرب وملاحقتهم هنا وهناك.

الا ان السؤال الذي لا يزال منتصباً في وجوهنا، ما هي الأسباب الحقيقية للشرذمة؟ وما هي الدوافع وراء بروز ذاك الكم من التنظيمات؟ حول ماذا كان الاختلاف؟ ولماذا هناك اصلاً اختلاف؟ فالاحتلال واحد والفضية واحدة

أي خلاف ذاك الذي دفع بعض الفصائل للاحتراب الداخلي في لبنان وغيره من الساحات؟

أي معنى لسقوط قتلى فلسطينيين في الصراع ما بين فتح وحماس للسيطرة على غزة أواسط العام 2007؟

وفي الوقت الذي يمضي الاحتلال في مشروعه الإقصائي، تمضي التنظيمات الفلسطينية في صراعاتها ومهاجمة بعضها البعض... فالصراع ما بين فتح وحماس، وصل الى الذروة، وأبدعت الآلات الإعلامية لكل منهما في وصف الآخر بأبشع الوصوف، فقوات الامن في غزة باتت تسمى "ميليشيات حماس" وقوات الامن في الضفة باتت تسمى "عصابات عباس"، الا ان كلا الطرفين لا زال يعتبر العصابات الصهيونية "جيش إسرائيل" وإن أرادوا مجاملة الشارع المحلي، يصفونه "بجيش الاحتلال الإسرائيلي" ولم يسقطوا يوماً عن العصابات الصهيونية صفة "الجيش"!

ومؤخراً، امتدت حالة الشرذمة لتطال الأحزاب العربية في الجزء المحتل من الوطن منذ العام 1948. فبعد تجربة القائمة المشتركة في الانتخابات الأخيرة (بعيداً عن قيمة المشاركة في انتخابات كنيست الاحتلال من عدمها)، تشظت تلك القائمة وأصبحت قائمتين تتصارعان وتتنافسان فيما بينهما على "أصوات الأقلية الفلسطينية، او كما يحلو للبعض تسميتها بالأقلية العربية!

وهكذا، نجح الاستعمار وعبر ادواته المختلفة في تحييد النضال الفلسطيني ودفعه صوب دوائر بعيدة كل البعد عن الصراع الحقيقي مع المستعمر!!!

 

 

 

[1]
[1] حمودة، سميح، 2011، أوراق عائلية: دراسات في التاريخ الاجتماعي المعاصر لفلسطين، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص227.

2019-04-08