الإثنين 13/10/1440 هـ الموافق 17/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
مدرّسون عرب يعملون داخل أتون العنصرية....تميم منصور

اعتدنا أن نسمع ونتعايش مع وجود معلمون يهود يعملون في المدارس العربية ، وقد بدأت هذه الظاهرة في السنوات الخمسين والستين من القرن الماضي ، حيث تواجد العشرات من المعلمين اليهود كانوا يدرّسون في العديد من القرى والمدن العربية ، خاصة في قرى المثلث – الطيرة ، الطيبة ، جلجولية ، كفر قاسم ، ومدينة يافا ، غالبية هؤلاء من اليهود الذين قدموا من العراق وبعضهم من يهود مصر .

كان الحكم العسكري هو المسؤول الأول عن هؤلاء المعلمين ، إضافة إلى القسم العربي في وزارة المعارف ، ومنهم من عمل في مهنة التفتيش كما شاركوا في كتابة مناهج التدريس للمدارس العربية ، وكانت هذه المناهج موجهة من قبل أجهزة المخابرات ، هدفها اسرلة الطلاب العرب والعمل على انتزاع هويتهم الوطنية والقومية .

لقد أجبر الطلاب العرب على استخدام كتب التاريخ المزيفة ، ففي كتب الموطن تم استبدال أسماء الأماكن والأنهار والجبال بأسماء عبرية ملفقة ، بدلا من الأسماء العربية ، وكذلك في كتب التاريخ ، فقد تم تزييف الأحداث وربطها بتاريخ اليهود ، مثلاً فيما يتعلق بموضوع فتوح الشام ، كما ورد في كتاب الواقدي أو الأزدي ، أو أبن حبيش ، ورد في الكتاب المخصص للمدارس العربية جملاً كانت غريبة وغير مقبولة على المدرسين والطلاب مثل : قامت الجيوش العربية الإسلامية بغزو إسرائيل ، بدلا من فلسطين وذكر أيضاً فتح أورشليم بدلاً من فتح بيت المقدس .

لم يستخدم الحكم العسكري ووزارة المعارف هؤلاء المعلمين خدمة ومحبة في المواطنين العرب ، بل استخدموا لسببين : الأول توفير أماكن عمل لهم كي يعتاشوا منه ، فلم يجدوا سوى المدارس العربية ، تم تعينهم رغم أن معظمهم لم يعملوا في مهنة التدريس قبل هجرتهم الى فلسطين ،وقد اتضح ذلك من تدني مستواهم العلمي ، أما السبب الثاني لاستيعابهم في المؤسسات التعليمية العربية والأهم هو : تطبيق سياسة تجهيل الطلاب العرب لبقائهم حطابين وسقائين كما أرادهم العنصري " لوبراني " .

لقد استغل الحكم العسكري والأجهزة الأمنية هذه الشريحة البائسة من المعلمين اليهود وحول بعضهم إلى مخبرين لمعرفة ماذا يدور في المدارس العربية ، كما كانوا أول المشجعين والمتطوعين على المشاركة بإحياء ذكرى يوم الاستقلال ، عندما كانت وزارة المعارف تجبر مدارسنا إحياء هذه الذكرى بالاحتفالات وإقامة المهرجانات الرياضية والغنائية .

لقد تنفست مدارسنا الصعداء بانتهاء وجود هؤلاء المعلمين ، بفضل خروجهم الى التقاعد ، وللأسف نقول بأنهم لم يتركوا أية بصمة إيجابية في المدارس التي عملوا بها ، الابتدائية منها والثانوية ، لم يحاولوا إقامة علاقات ودية أو تربوية مع المواطنين أو مع طلابهم في القرى والمدن التي عملوا فيها ، ، لم يعد أحداً يذكرهم إلا من خلال دورهم في تجهيل الطلاب ، خاصة في مدينة يافا وكفر قاسم وغيرها .

بعد وقف العمل بالحكم العسكري أزيلت الكثير من الحواجز التي كانت تحول بين التحاق الطلاب العرب بمعاهد المعلمين التي كانت متوفرة ، أو بالجامعات الإسرائيلية، أو في الخارج ، كما تم فتح أكثر من معهد عربي للمعلمين ، هذا وغيره ساعد على تخريج المئات من المعلمين العرب في سنوات السبعين والثمانين من القرن الماضي، فملأوا الفراغ الذي كانت تعاني منه المدارس العربية ، وأسسوا قاعدة صلبة للتعليم في النقب . اليوم أنعكست الآية ، فقد اضطرت عشرات المدارس اليهودية الى طلب عدداً من المعلمين العرب التدريس فيها ، باعتراف وزارة المعارف ، وقد أقيمت جمعية تحمل اسم " مرحابيم " مهمتها المساعدة في توفير المعلمين للمدارس اليهودية ، وحسب المعطيات التي نشرتها وزارة المعارف فإن عدد المعلمين العرب الذين يعلمون في المدارس اليهودية آخذاً بالتصاعد ، مثلاً في سنة 2014 عمل 465 معلماً عربياً ، وفي سنة 2015 زاد هذا العدد ووصل الى 529 معلماً ، وفي سنة 2016 بلغ عدد المعلمين 588 ، وفي السنة الدراسية 2017 وصل العدد 694 ، وفي السنة الدراسية 2018 وصل العدد الى 805 وفي السنة الحالية يعمل في المدارس اليهودية 868 معلماً عربياً . وقد اعترفت صحيفة " هآرتس " في مقال نشرته في عددها الصادر يوم 31/3 / 2019 حول هذا الموضوع ، حيث كتبت : ان تشجيع وزارة المعارف ادخال معلمين عرب في المدارس اليهودية لا يعبر عن رغبة هذه الدولة أو الحكومة بتغيير سياستها العنصرية اتجاه المواطنين العرب ، وان هذه الخطوة الهامة والحساسة لا تهدف الى خلق أجواء من التعايش بين الشعبين ، السبب الوحيد لإدخال هؤلاء المعلمين يعود الى الحاجة لهم ولقدراتهم ، لأن المدارس اليهودية تعاني من نقص عدد المعلمين ، لأن المواطن اليهودي لا يضع هذه المهنة في مقدمة أولوياته ، فهو يبحث عن مهنة أكثر سهولة وربحاً ، وهي متوفرة له :  في حين فهي غير متوفرة للمواطن العربي الاكاديمي.

هذا هو السبب الذي دفع وزارة المعارف الموافقة على استيعاب عدداً من المعلمين العرب ، مع أن هذا العدد لا زال قليلاً جداً ، خاصة وأنه يوجد حوالي عشرة آلاف أكاديمي عربي عاطلين عن العمل ، ترفض مؤسسات الدولة استيعابهم ، هذا يعني أن مسألة التعايش غير واردة .

لقد جرت محاولات كثيرة لايجاد قاعدة للتعايش ، قامت فيها أطر مختلفة مثل براعم السلام وغيرها ، وتجربة إقامة قرية واحة السلام ، لكن غالبية هذه المحاولات قد فشلت، لأن المواطن العربي فيها عليه أن يتنازل عن بعض الثوابت التي تهم شعبنا ، كما تمت محاولات في الماضي عن طريق الأحزاب الصهيونية ، فالعديد من هذه الأحزاب كانت تخصص لها أقسام خاصة للمواطنين العرب لدمجهم فيها ، مثل حزب مبام في الماضي ، وحزب مباي - العمل اليوم – أقام ما أسموه بالقسم العربي ، وكان يحلم بدمج المواطنين العرب في هذا الحزب ، دون أن يسأل نفسه ، كيف يمكن لمواطن عربي مستقيم واعٍ أن يندمج بحزب صهيوني ، ماذا يربطه بهذا الحزب فكرياً وتاريخياً؟  لا أحد يستطيع الأنكار بأن هناك حزباً  واحداً يضم ين صفوفه عدداً من اليهود الذين يؤمنون بالتعايش الحقيقي ، ويعتبرون الحركة الصهيونية حركة عنصرية كولونيالية ، لا يمكن للتعاون معها ، هذا الحزب هو الحزب الشيوعي ، أعضاءه اليهود يدعمون قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ، يرفضون الاحتلال ويطالبون بإخلاء جميع المستوطنات ، ويعارضون سياسة التمييز القومي ضد المواطنين العرب .

هناك فرق كبير بين المعلمين العرب الذين يعملون حالياً في المدارس اليهودية وبين المعلمين اليهود الذين عملوا في مدارسنا في السنوات التي ورد ذكرها ، فقد اعترفت زارة المعارف ، بأن نصف المعلمين العرب الذين يعملون في المدارس اليهودية يدرّسون موضوع الرياضيات واللغة الإنكليزية ومواضيع علمية أخرى ، والنصف الآخر يدرّسون اللغة العربية .

كما اعترفت هذه الوزارة بأن جميع المدارس التي يعمل بها معلمون عرب تشهد بقدراتهم العلمية ، ونجاحهم بالتعامل مع الطلاب اليهود ، وقد واجه هؤلاء المعلمين تحديات صعبة من قبل الطلاب لأن نظرة غالبية هؤلاء الطلاب اتجاه المواطنين العرب كافة نظرة سوداء سلبية ، وقد تلقنوا وعرفوا هذه النظرة داخل بيوتهم ومن الشارع ومن المؤسسات التي نشأوا فيها .

أما بالنسبة لوجود مدرسين يهود في مدارس عربية في أيامنا هذه ، فقد ورد في آخر تقرير نشرته وزارة المعارف عن وجود حوالي 350 مدرساً يهودياً في المدارس العربية ، أحدهم يدعى " صافي بن تسفي " متدين يميني يعمل في مدينة وادي النسور في ام الفحم ، لقد اعترف بأنه تعلم في أم الفحم معنى التسامح والأخلاق الحميدة والالتزام واحترام القوميات والديانات الأخرى ، وأنه ينصح زملاءه من اليهود المرور في هذه التجربة الاستثنائية .

2019-04-25