الإثنين 13/10/1440 هـ الموافق 17/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
هناك في جورة الذهب(4)....د. حاتم عيد خوري

.... قام الجنود بتفتيش البيت ثم سارعوا الى تكبيل يدي عيسى وخضر وسوقهما الى سيارة عسكرية إنطلقت بسرعة من المكان، تاركةً خلفها اطفالا مذهولين يجهشون بالبكاء ونسوةً ينُحْن ويندبن ويتساءلن عن مصير الرجلين: "هل سيُعدمان؟"، "هل سيُسجنان؟"، "هل سيُبعدان الى لبنان؟" و "ماذا سيكون مصير الاسرتين؟"...

شهقات البكاء وانّات النواح وصيحات الاستغاثة التي إنطلقت من بيت عيسى، بعد ان غادرت السيارةُ العسكرية القريةَ، اثار قلقَ الجيران الذين كانوا اصلا قد تنبّهوا من نومهم على وقع هدير محرك السيارة  ولمعان اضواء مصابيحها، لدى قدومها وايابها، في عهدٍ لم يكن فيه دخول سيارةٍ غير عسكرية الى القرية امرا شائعا او حتى مألوفا، وفي زمنٍ كانت فيه كلمة كهرباء في قرى الجليل، مجرد تعبير يقبع بين دفتي كتاب العلوم أو يدرج على لسانِ من سكنَ المدينةَ او زارها... اخذ الجيرانُ بالتوافد على بيت عيسى، مستفسرين ومؤاسين وداعمين، فبدا البيتُ كبيتِ أجرٍ(بيت عزاء) افتقدَ  ليس عزيزا واحدا فحسب، إنما عزيزين في آنٍ واحد وفي ظروف يكتنفها غموضٌ مطلق يجعل اسوءَ الاحتمالات أمرًا محتمَلا..

تمكّنَ جيرانُ عيسى بعد جهد جهيد، من تهدئة خاطر زوجتيّ عيسى وخضر واولادهما، بينما بقيت ام برهوم غارقة في دموعها، تلطم خديها مولولة: " يا ويلي، غلَّطِت ابني وورَّطِت اخوي..". لكنْ كما يُخمِد الماءُ السنَةَ اللهب، فإن  دموعَ ام برهوم قد أخمَدت النارَ المشتعلة في قلبها، فاستعادت هدوءًا مكّنها من طرح سؤالٍ يطاردها: "شو العمل يا ناس؟!"... قال لها احدهم: "الصباح رباح"، فاثار هذا الردّ غضبها وغضبَ من حولها، وكأنهم يتساءلون: " ما جدوى الانتظار حتى الصباح إن لم نتداول في بلورة رأي معيَّنٍ نستقرُّ عليه"... فاخذت الاقتراحات تتوالى، فمنهم من قال: "علينا ان نتوجه صباح الغد  الى الشرطة لنستفسر عن مصير الرجلين"، بينما اكّد آخَر: "ان العنوان الصحيح هو الحاكم العسكري الذي بيده الحل والربط"، فاستقرَّ الرأيُ على التوجه الى الطرفين... ردُّ كل من الطرفين كان شبيها بالاخَر. كلاهما ادعى بان ليس له معرفة بالموضوع وانه سيتقصّى الحقائق..وذلك ممّا زاد الامرَ غموضًا وتعقيدا وجعلَ اسْرتين بل قرية باكملها تتلظى على نار القلق والانتظار يوما بعد الاخر...

كانت ام برهوم تجلس سحابة يومها، امام البيت، على كرسيّ عالٍ يمكّنها من رؤية الشارع ومن متابعة حركة الناس والمواشي، معلّلةً النفس بانها سترى وشيكا اخاها وابنها عائدين. خيباتُ أملِها  المتكررة يوميا، مسخت املَها تشاؤمًا، فباتت تتوقع رؤية سيارةٍ عسكرية قادمةً لإبعادها هي واحفادها وكنّتها عن الوطن، وما لبث هذا التوقع ان اصبح قناعةً ترسَّخت في ذهن ام برهوم... وهكذا عندما رات صبيحةَ احد الايام، سيارةً عسكرية تتحرك باتجاه البيت، انتاب امَّ برهوم ما يشعر به محكومٌ عليه بالاعدام يرى الجلاد آتيًا ليقوده الى المشنقة. شعرت  بانهيارٍ حالَ دون تمكّنِها من الصراخ او التحرك، ناهيك النزول، عن الكرسي، فبدت متجمدةً في مكانها، تاركةً لعينيها فرصة متابعة السيارة. قالت لنفسها وكانها في بثّ حي مباشر: "ها هي السيارة تقف على بعد بضع عشرات امتار من مدخل البيت، وها ينزل منها جنديان". سكتت لحظة ثم عادت لتقول لنفسها باستغراب شديد جدا: " وها هي السيارة تغادر المكان مسرعة تاركة الجنديين وراءها".  لقد بقي نظر ام برهوم معلّقا بالسيارة حتى اختفت تماما عن نظرها، فتحولت عيناها الى الجنديين المتقدمين نحوها. ولشدَّ ما كانت مفاجأتها كبيرة عندما تبين لها، عن قُربٍ،  انهما ليسا جنديين، إنما هما عيسى وخضر وقد ارخى كل منهما شعر لحيته، فتغيرت سحنتُه قليلا.

انهالت ام برهوم عليهما ضمًّا وعناقا، وانطلقت فرحتُها بعودتهما، زلغوطةً تردَّدَ صداها في الحارة، فاعتبرها الجيران دعوةً لم يترددوا  في قبولها. وهكذاعاد بيت عيسى ليغصَّ من جديد، بضيوف بينهم لاعب المجوز كامل ابو همّام وشكري الصايغ والاستاذ عصام واخرون،  وكلهم متلهفون  لسماع اخبار خضر وعيسى اللذين قالا بانهما كانا  رهينةَ معتقلِ نهلال(بين مدينتي حيفا والعفولة) في غرفتين منفصلتين، حيث خضعا للتحقيق على انفراد، من قِبَل محققٍ يتكلم العربية بطلاقة، اتّهم خضرا بتهمة "التسلل" وخالَه عيسى بتهمة "إيواء متسللين"... يبدو ان هذه التعابير لم ترق لكامل ابو همام، فانطلق على سجيته معلقا بكلام مفاده: "والله غريب  يا جماعة، وينتا (متى) صار العائد الى وطنه متسللا، ووينتا صار استقبال الاخ لاخته وابنِها إيواءَ متسللين؟!". فردَّ عليه شكري الصايغ بمثل شعبي معروف يشير الى حق القوة لا الى قوة الحق، قائلا وهو يتنهد: "الفاخوري وين ما بدو بِحُطّ ذان الجرة ".. هذا المثل، كما يبدو، قد اعجب خضرا، فتابع حديثه ليقول للسامعين ان: "هذا  "الفاخوري"  قد قرّر ان تطال اسئلتُه جوانبَ عديدةً من حياتي، شملت المخيمَ في لبنان واوضاعَ اللاجئين، وتطرقت ايضا الى جورة الذهب وما املكه هناك.. كما قرر ان يحوِّل قضيتَنا الى مكتب الحاكم العسكري القائم بجوار مركز شرطة ترشيحا، باعتباره المرجعية المخوّلة للبت بشأن بقائنا في الوطن او تهجيرنا منه ثانية.."...

رغم توقّعِ خضر بانه سيُستدعى الى مكتب الحاكم العسكري، بيد انه لم يتوقع ان يحدث هذا بعد يومين من خروجه من المعتقل وفي ساعات الصباح الباكر، كما لم يتوقع ان يصله  الاستدعاء بسيارة عسكرية تحمل ثلة من الجنود، وان يكون مطالبا بالحضور فورا في السيارة العسكرية ذاتها وبرفقته والدته واسرته... هذه المعطيات اثارت قلق خضر لكنه حاول ان يتمالك نفسه، لئلا يثير فزعا في الاسرتين. لم يكن امامه من  مفر إلا ان يذعن للاوامر العسكرية... ساعد امَّه وزوجته اللتين كانتا تذرفان الدموع ،على الصعود الى السيارة، ثم ناولهما الاولاد وتبعهم صاغرا..توقع ان تتحرك السيارة بسرعة، ولربما اراد لها ذلك تخلّصًا ممّا يعانيه من قلقٍ مبرّح. سمع الجنودَ يرطنون بين بعضهم ومع السائق. لم يفهم ما يقولون. لكنه عندما راى السائق يرفع غطاء محرك السيارة، فهم ان خللا قد طرأ عليها... احتضن راسه بين يديه وغاص في لجّة تشاؤمه. كان واثقا بان هذه السيارة قد اتت لإبعادِهم عن الوطن، وليس لنقلهم الى مكتب الحاكم العسكري. لقد كان يتساءل بينه وبين نفسه: "يا تُرى، لو لم يكن الامرُ مدبّرا لإبعادِنا عن الوطن، فما الحاجة لاحضار والدتي وزوجتي واولادي وزجّنا جميعا في هذه السيارة العسكرية، بحراسة ثلة من الجنود؟ تساؤلات خضر هذه، وصوت هدير السيارة بعد تصليحها، رفع منسوبَ التوتر لدى خضر الى اعلى مستواياته، وبلغت تخوّفاتُه حدَّها الاقصى.

فهل تحققت تلك التخوّفات وتمَّ إبعاد خضر واسرته؟ أم ماذا؟ والى اللقاء في الحلقة الخامسة بعنوان: "هناك في جورة الذهب(5)".

[email protected]

26/4/2019  

 

2019-04-26