الإثنين 13/10/1440 هـ الموافق 17/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
يهودية يهود الفلاشا في خانة الشك .... تميم منصور

هناك اثنا عشر نظرية على الأقل تحدثت عن أصل يهودية اليهود الأثيوبيين المعروفين بالفلاشا ، والذين نجحت الحركة الصهيونية من ترحيل حوالي عشرين الف منهم الى اسرائيل ، لاثبات أنه من حق كل يهودي الهجرة الى اسرائيل ، في حين  السلطة الفاشية في اسرائيل تمنع عودة فلسطيني واحد إلى وطنه الذي شٌرد منه. وقصة ترحيل يهود الفلاشا معروفة منذ عدة سنوات ، ساهمت بها امريكا والحكومة الأثيوبية والحكم السوداني في حينه .

يكره اليهود الأثيوبيون تسميتهم بالفلاشا ، ويعتبرونها اهانة لهم ، حيث تعني باللغة الامهرية " الغريب أو المنفي " ، وهذا المعنى ينطبق على العبيد ، أما الأسم الذي يطلقونه على أنفسهم ، فهو " بيت اسرائيل " وينطقونه بلفظ قريب من اللغة العربية.

أول هذه النظريات هو ما لفقه الرؤساء الدينيون اليهود ، خلال القرون الماضية ، لقد ادعوا من أن هؤلاء اليهود الأثيوبيين هم من سلالة سبط " دان " ، أحد الأسباط الضائعة حسب رأيهم بعد الغزو الآشوري لمملكة اسرائيل الشمالية عام 722 قبل الميلاد ، و" دان " هذا هو الأبن الخامس ليعقوب ، وقال عنه والده كما ورد في العهد القديم " دان يكون حية ، إذا لسع عقبي الفرس ، سقط فارسها إلى الوراء " .

ويعلق الدكتور " جوزيف يوست " واضع قاموس الكتاب المقدس ، ان الربانيم الذين وقفوا وراء العهد القديم ، أرادوا اثبات ان سبط " دان " هو جزء من أسباط اسرائيل ، وذكر " يوست " ان يعقوب ذكره في نبوءته  ان دان ابن جارية غير يهودية ، وان يعقوب وصف وتنبأ بأن تكون ذرية " دان " مارقة وخبيثة وتحيك المكائد .

هناك نظريات أضعف في هذه النظرية تتحدث عن الفلاشا ، منها ان هؤلاء اليهود الأحباش هم من سلالة زواج النبي موسى من امرأة حبشية ، ونظرية أخرى تقول أنهم من سلالة الملك سليمان كونه تزوج من امرأة بشرتها سوداء ، أما النظريات الحديثة العلمانية ، فتقول احدها ، هم سلالة قبيلة " جوا" المعروفة  في الحبشة ، لكن اجدادهم لقنوا الديانة اليهودية من قبل التجار اليمنيين الذين كانوا يفدون الى بلادهم ، ويذهب بعض الدارسين ان هؤلاء قد اعتنقوا بعض الجوانب من الديانة اليهودية ، ومنهم من اعتنق بعض طقوس الديانة المسيحية .

الواضح من تباين تلك النظريات وتضاربها والطابع الاسطوري لمعظمها ، ما هو إلا جزء من مقدار الفساد والبطلان في النظرية الصهيونية التي تزعم ان يهود العالم هم شعب واحد ، تشتت في أنحاء المعمورة ، وأكثر هذه النظريات قرباً الى العقل ما دونه أحد العلماء الروس وهو يهودي يدعى " نيقولاي ديمتري " ، يقول هذا الباحث من أن اليهودية " هي مجرد ديانة قابلة للانتشار في أنحاء الأرض ، مثل سواها من العقائد ، كالزردشتية والبوذية والمسيحية والاسلام ، وقد اعتنقت هذه الديانة عناصر من شعوب كثيرة ، ولا يمكن اعتبار اليهودية هوية قومية .

اذا كان ذلك شأن اليهود الفلاشا ، وهم في النهاية من أبناء هذا الشرق العربي الأفريقي ، فماذا عن اليهود الغربيين أو الأوربيين ، وهم الغالبية العظمى من يهود العالم ، خاصة من وفد منهم من روسيا وشرق اوروبا الى فلسطين ، ومن ثم الى اسرائيل ، وهم اصحاب السطوة في الدولة سياسياُ وعسكرياً واقتصادياً ، وهم يعرفون باليهود الاشكناز .

اذا كان هؤلاء يعتمدون على التوارة بالنسبة لاثبات يهودية الحبشة ، فإن هذه التوارة ذاتها تتنكر تماماً لنسب  اليهود الاشكناز لليهودية . فاشكناز المنسوب اليه هؤلاء هو في سفر التكوين ابن جوفر بن يافت بن نوح عليه السلام ، بينما ابراهيم وابناؤه وحفيده يعقوب المعروف باسم اسرائيل ، هم من بني " عابر "  من سلالة سام بن نوح ، وأرض اشكناز حسب تعريفها بقاموس الكتاب المقدس الذي اشرنا اليه فيما تقدم ، هي بلاد واقعة شمال البحر الأسود والشمال الشرقي من هذا البحر ، وهذا التعريف والتحديد ينطبق على بلاد القوقاز ، أو جنوب روسيا حالياً . وهي البلاد التي عرفها العرب في صدر الاسلام باسم " بلاد الخزر " لأن سكانها " خزر العيون " أي أن عيونهم ضيقة ، وطبقاً للمصادر التاريخية ، وفي مقدمتها المصادر العربية ، فإن الخزر قد تحولوا الى اليهودية قبل حوالي 13- 12 قرناً ، أي بعد ظهور كل من المسيحية والاسلام ، وان ذلك قد تم في عهد الدولة العباسية في الشرق ودولتي بيزنطية  والفرنجة بقيادة  شارلمان في الغرب ، بقرار من ملوك الخزر ، بعد أن كانوا قوماً وثنيين ، وكانوا على حالة من البدائية يدينون بعبادة الاله  " فالوس  " رمزاً لآلهة الخصب عندهم ، في البداية دخل قسماً منهم الديانة المسيحية ، ومنهم من دخل الاسلام بحيث أنه كان لملك الخزر نائبان ، احدهما مسيحي والآخر مسلم ، ثم قرر " الخاقان بولان " أحد ملوكهم اعتناق اليهودية ، لكي يمنع بقية أبناء شعبه من اعتناق المسيحية أو الاسلام ، ولكي يكون متميزاً عن جاريه القويين العباسيين والبيزنطيين . بفضل هذا الخاقان تهود جميع من في البلاط الملكي لدولة الخزر ثم تبعهم غالبية أبناء الشعب ، تمشياً مع مقولة – الناس على دين ملوكهم – وقد أكدت المصادر ان من حمل الديانة اليهودية الى هؤلاء كانوا من التجار اليهود كما هو الحال ليهود الحبشة .

 جدير بالذكر ان الفضل يعود الى التجار العرب ومجموعة من الدراويش في نشر الدين الاسلامي بين القبائل التركية ، والعديد من القبائل الافريقية .

يطرح السؤال : اذا كان الأمر بالنسبة لكل من اليهود السود واليهود البيض على السواء ، فعلى أي أساس تدعي الصهيونية بأن كل يهود العالم شعب واحد ، قد لحقه الشتات ؟ من الذي شنت يهود روسيا ؟ وكل يهود اوروبا الشرقية ؟ الصهيونية تلعب بذلك لهدف السياسي وتدعي أن كل يهود العالم من الجنس السامي .

لم يسلم يهود الفلاشا من فتاوى بعض الربانيم بعد قدومهم الى اسرائيل ، فقد طالب هؤلاء بأنه يجب على يهود الفلاشا القيام باجراءات متشددة كي يتم الاعتراف بيهوديتهم ، هذه الاجراءات هي نفس الاجراءات التي يتطلب على المتهودين الجدد القيام بها ، هناك الكثير من الطقوس الدينية التي يقوم بها اليهود الاشكناز تختلف عن الطقوس التي يقوم بها اليهود الاحباش ، وبقية اليهود الشرقيين .

مع قدوم يهود الفلاشا والخلافات حول يهوديتهم ، تقرر الحاق جميعهم بالمدارس الدينية كي يعاد تعليمهم الدين من جديد ولغرض آخر غسل عقولهم ، وزرع بذور العنصرية في أذهانهم ضد المواطنين العرب ، لقد انضم يهود الفلاشا الى القطاعات السكانية داخل اسرائيل التي تعاني من التمييز العنصري ، مثل اليهود الشرقيين وغيرهم خاصة المواطنون العرب .

حتى اليوم لم يسلم المجتمع الاسرائيلي ، خاصة الاشكناز منهم بوجود اليهود الاحباش ، وهناك احياء في العديد من المدن رفضت السماح لهم بالسكن داخلها ، كما أن العديد من المدارس والحضانات رفضت استقبالهم ، وقد تم اسكان العديد منهم في أماكن خاصة بهم مثل مدينة عكا ، وقد طالب رئيس بلدية المدينة بعد اسكانهم في مدينته ابعادهم عن المراكز السياحية .

2019-05-14