الإثنين 13/10/1440 هـ الموافق 17/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
التسامح ... عبد الهادي شلا

 

 "التسامح" كلمة ،بسيطة في مضمونها يكمن معنى أكبر من أن نحصيه دون التفكر فيه و الذي يحمل الكثير لو حاولنا تتبع أصلها.

 

 

يعرّف التسامح في اللغة بأنّه التساهل والحلم والعفو، وهو مصدرٌ من الفعل تسامح،وهي من اللين والسهولة واللطف، والكرم والعطاء، والجود، والعدل، ورفع الحرج.

 

و"التسامح" من السماحة و الصفح و التسامي و الطيبة وهي من أصل الخلق الإنساني والفطرة التي أرادها الخالق أن تبقى مجرى الدم في كل البشر.

 

ولكن..هل كل البشر لديهم هذه الملكة،والقدرة على.."التسامح" ؟!

 

الإجابة ببساطة الكلمة نفسها وهو ..لا..ليس كل البشر في حالة تسامح دائم كما أنهم ليسوا في حالة جفاء وتكبر وغطرسة دائمة،فطبيعة النفس الإنسانية متقبلة..لا ثبات لحالها وإنما تؤثر فيها مواقف وحالات ترفع من مستوى تسامحها وكذلك ترفع من مستوى تمردها وغضبها.

 

التسامح كلمة كثر ترديدها في السنوات الأخيرة حين ظهر التشدد وقام الصراع العقائدي الذي أشعله نوع من البشر في طبيعتهم غلظة وجفاء تمردوا على كل الأعراف بتاتارية لا يقبلها منطق الحياة في القرن الواحد والعشرين وعاثوا في الأرض فسادا وتدميرا فكان ضحيتهم بشر كانوا متسامحين مع كل ماحولهم.

 

لقد كان للأفكار المتمردة على الفطرة دور كبير في زرع الشقاق وبذور العداوة بين الأمم عبر الزمن مما ترتب عليه حروب ودمار وضياع للجهد الإنساني للأفكار البناءة،وراح ضحيتها علماء ومبدعين في كل مجالات الحياة التي كان ومازال الإنسان في حاجتها.

 

إن تصادم الرؤى حول منهج حياتي واحد وتفسيره بتحيز غير منطقي أو برهان قوي هو احد الأسباب التي يتعالى فيها طرف على الأخر مما يضيق من مساحة التسامح ويغذي صفة الكراهية والعقلاء هم الذين يقدرون على تجاوزها لإيجاد مرتكز يـُتفق عليه يكون حجرا في أساس العلاقة بين الأطراف،ولن يكون هناك أفضل من "التسامح" لأن فيه سر السعادة والسلام الذي نادت به كل الشرائع السماوية وبـَشــَر به الأنبياء الذين لاقوا إضطهادا من أقوامهم وهم ينشروا دعواهم التي جوهرها التسامح والتآخي بعيدا عن التعالي والتمييز بين البشر بسبب لون أو ضعف أو سيد وعبد.

 

من أجل ذلك أصبحنا نسمع هذه الكلمة تتردد كثيرا حتى في المجتمع الواحد وفروع نشاطاته الإجتماعية والإنسانية لأن العمل بها هو رغبة صادقة في سلام ومحبة ووئام تسعد منه البشرية حين لا تبقى النفس مستنفرة وخائفة مما لا تتوقعه.

 

ونحن في شهر رمضان المبارك وما به من فضل فإن التسامح يكاد يكون من أصل قبول الصيام ،وهو الفرصة التي تـُمنح للصائمين بأن تحل المودة والتسامح محل الجفاء والقطيعة .." وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ".

           
إن الله يعفو ويسمح للمريض بأن يفطر و للمسافر الذي يشق عليه الطريق أن يفطر،وهو سماح مشروط بأدائه حين تزول الأسباب "فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر".

 

ألا يجدر بالإنسان أن يكون تسامحه غالبا على جفائه وقطيعته للأخرين وأن يتدبر آيات الله التي تدعو الجميع بأن يكونوا في حالة وئام وسلام.

 

و لا نغفل ،بل نؤكد  بوجوب أن لا يكون التسامح عن ضعف أو خوف بل من موقع قوة.

كما لا يجب التسامح مع العصاة والفاسدين والمعتدين على حقوق الأخرين الذين يتجاوزون القانون لأن ردعهم فيه أمن وسلام .

2019-05-21