الإثنين 13/10/1440 هـ الموافق 17/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
رمضان في السجن.. ذكريات أسير سابق

الثاني عشر من يناير/كانون الثاني 1998، كان العاشر من رمضان، وليلة اليوم الأوّل من الفصل الثاني من دراستي الثانوية العامّة. هي الليلة التي اعتقلتُ فيها اعتقالي الطويل الأوّل أثناء عودتي من صلاة التراويح من مسجد البيرة الكبير إلى قريتي. ليلتها طرقَتْ قوات الاحتلال فجر ذلك اليوم باب بيتي، واقتادتني في ليلةٍ ثلجيّةٍ إلى إحدى زنازين مستوطنة "بيت إيل" قرب مدينة رام الله، لأقضي فيها ليلتين، ثمّ لتقودني إلى مركز تحقيق سجن عسقلان.

لا أدري لماذا كنت دائماً ما أذهل عن هذه الحادثة كلما سُئلت أن أسجل شيئاً من ذكرياتي في رمضان في السجن، أو أن أدوّن بعضاً من وقائع المعتقلين وطقوسهم في هذا الشهر في السجن، ومع أنّي شهدت أكثر من رمضان داخل السجن، وها أنا ساعة كتابتي تبزغ بعضها إلى الذاكرة، إلا أنّني لم أكن مهتماً، حينها، بشحن ذاكرتي بتلك الذكريات، حتى أنّها لا تحضر بداهة إذا ما سئلت عنها. على الأرجح لأنّ المعتقل المتعلق قبل اعتقاله بهذا الشهر وطقوسه سيجد نفسه مفتقداً الإحساس بكثير مما يألفه فيه خارج السجن.

على أيّ حال، تلك الحادثة في رمضان، والتي افتَتَحْتُ بها اعتقالاتي العديدة، يمكنها أن تقدّم شيئاً من الإجابة عن طقوس المعتقلين في الأسر، فالسجن، وإن كان هو السجن، فلكلّ معتقل تجربته الخاصّة من حيث الحوادث والظروف، أو من حيث إحساسه الداخلي بها، وتعاطيه الوجداني معها، وقدرته على نقلها، فالتجربة على عموميتها، هي من جهة أخرى غاية في الخصوصية والذاتية وعلى نحو ينطوي على قدر كبير من الصعوبة حين إرادة نقلها أو روايتها أو تدوينها.

المعتقل لا يقضي رمضان في السجن هكذا، وكأنّ السجن شيء واحد. هو يقضي رمضان في السجن تماماً كما بقيّة أيّامه في الأسر، فلا خصوصية لرمضان عند السجّان، ولا يوجد ما يمنعه أن يفرض عليك الشهر كلّه وأنت في العزل الانفرادي، أو متنقلاً في "البوسطة" التي تبدو لك وكأنّك في صراع معها على روحك وهي تُعمل فيها مخالبها نهشاً طوال الطريق، وهي تقلّك معاقباً مقموعاً إلى سجن آخر، أو إلى محكمة، أو عودة إلى مركز التحقيق، أو إلى ما يُعرف بـ "المعبار"، أو إلى إحدى المستشفيات.

هذه واحدة من تجارب رمضان، وإذا كانت "البوسطة" عامّة، ما من أسير إلا وجرّبها، وحظّها من الأسير في رمضان، إن جاءت فيه، أياماً معدودات، فكيف لأسير في العزل الانفرادي أن يروي تجربته وإحساسه بالشهر وأن يعصر كامل قدرته على الحكاية ويستنطق كوامن نفسه ليخبرنا عن إحساسه بالشهر، وانفعاله الوجداني معه، والخواطر التي تمور في رأسه كلما طرق الشهرُ من جديد سنواتَ عمره، وما هي المقارنات التي تقفز إلى رأسه، والأفكار التي تسكنه وتلحّ عليه، ثمّ هل لهذه التجربة من أثر دائم فيما بعد في نفسه، وما عمق هذا الأثر؟

لقد عرفتُ رمضان أوّل ما عرفته في السجن على كرسيّ الشبح، محروماً من النوم لأيام متواصلة، أو واقفاً في الخزانة طول الليل، أو في الزنزانة الرمادية الضيقة وحيداً، أو مع "عصفور"، أو "مقمبزاً" أو مضروباً، أو في "غرف العصافير". وبما أنّي نشأتُ يتيماً وكبير العائلة وجاءني الاعتقال في الثانوية العامّة وعائداً من المسجد من صلاة التراويح، فيمكن حينئذ الضغط على قدرات الخيال لمحاولة استيعاب المشاعر التي تموج في نفس هذا الشابّ الصغير، الذي بالكاد كان يعرف الوقت من وجبتي السحور والإفطار اللتين تنتشلانه مؤقّتاً من الشبح، أو ضغط التحقيق. كم من سجين عاش هذه التجربة بمشاعر أخرى؟ إنّهم كثرة وافرة لكلّ منهم حكايته وانفعاله الخاصّ.

بالرغم من ذلك فإنّ حدثين في هذا الاعتقال -خلال رمضان- شكّلا فارقاً هائلاً عندي، أهمّهما عندما التقيت في زنزانة جماعية مع عدد من المعتقلين، كانت تكتظ بهم، من بينهم جمال الهور وعبد الرحمن غنيمات بطلا خليّة صوريف. شعرت وقد عرفتهما فور دخولي عليهما، ومع أنهما كانا شابين بعد، أنّني داخل على والدي مكثّفاً فيهما، على الرجولة الخالصة، والحبل الممدود إليّ نجاة في محنتي، وقد زحفت إلى جمال أستشيره، وقد بدا لي الفارق بيننا آلاف السنوات، هل أكمل على هذه الطريق، أم أنطوي على عائلتي وكتابي. وكنا نشعر بالفقد كلما أُخِذ معتقل من بيننا، وباتت الزنزانة حينئذ أضيق كلّما اتسعت!

في هذه الزنزانة، أكثرنا من الصلوات، والتسبيح، واللعب. أذكر لعبة كنا نسمّيها "السلخة"، يُغمّي فيها أحدنا ويمدّ يده وعليه أن يعرف من يضربها فإذا عُرف حلّ الضارب مكانه، وكان وجهي المحمرّ دائمًا ما يكشفني. كما احترفنا حياكة المؤامرات على "السجانين"، نخبئ "نظارة الاعتقال" التي تُعمي العينين، أو الكيس الذي يسجن الرأس، أو البطاقة التي عليها اسم المعتقل، ثم نساومهم عليها بعلبة "شوكلاته"، نذيبها في الشاي مع الخبز ثم نضعها على المكيف حتى تبرد ونصنع من ذلك شيئاً حلواً.

هنا فقط تبدو لكلمات "التنمية البشرية" بعض القيمة، في حضرة الرجال، وباستعادة المعنى في هذه الحضرة العامرة، ولست أبالغ، ولا أتكلّف السرد الشاعري، حينما أقول إن تلك الزنزانة أعمق الأماكن حضوراً في نفسي!

وأمّا الموقف الثاني، حينما تسلّل إليّ، وقد كنت منفرداً، صوت خافت ضعيف يهتف بتكبيرات عيد الفطر لعله من معتقلي السجن. ولا أحسب أنني قادر أبداً، على بيان هذا الامتزاج العجيب بين الحزن الملتاع والشوق الجارف إلى تلك التكبيرات، وبين الأنس الذي جاء معها وملأني وملأ الزنزانة حتى خلت أنني خارجها. أذكر أن مثل هذا الشعور عاودني بصيغ أخرى، مثلاً حينما كنت في التحقيق السرّي في سجن في عكّا، وقدم إليّ صوت أذان الفجر ضعيفاً فحملني على احتمال ذلك التحقيق وآنسني فيه حتى خروجي منه، أو مثل الشوق الذي أنهكني ثلاث سنوات في سجون السلطة وقد حُرمت من كل شيء كنت آلفه في رمضان خارج السجن.

وأمّا رمضان داخل السجن، فقد عشته في أحوال شتّى، مستقرّاً في مجدو في ظرف تمكّن فيه المعتقلون من انتزاع العديد من الإنجازات، فتزاحمت في السجن المحاضرات والندوات والمساقات والجلسات والمناشط العبادية والتربوية، على الأقلّ لدى معتقلي "حماس"، إذ يروي المرؤ ما شاهده وعايشه. يجدر حينئذ التنبيه إلى المحاضرات الخارجية التي كان يستضيف فيها المعتقلون بعض كبار قادة المقاومة أو كبار المشايخ والدعاة عبر الجوال المهرّب، ثمّ يعمّمونها بتقنية خاصّة صوتاً حيّاً ومباشراً بين الأقسام، ولا شيء يُذَكِّر بمثل هذا الإبداع ومعاندة المستحيل وقهر المحنة، إلا إبداع المقاومة اليوم في غزّة.

طعام المعتقلين في ذلك الوقت لا يُسأل عنه، فقد كان في كلّ قسم في "مجدو" مطبخه الخاصّ الذي يديره المعتقلون أنفسهم، ولكن بات يُسأل عنه حينما افتتحنا سجن النقب، بلا طعام ولا "كانتين" ولا زيارات أهل ولا كهرباء ولا جوالات مهربة. ما يداهم ذاكرتي الآن، حين استرجع رمضان "النقب" هذا، صلاة التراويح التي أمّنا بها أحد الحفاظ، ومواعظنا الليلية وقت التهجد، والإضافة المهمّة إلى ما سبق من ظروف هذا السجن، كانت احتراق "مربع" كامل في القسم، فقد فيه المعتقلون أغراضهم، أثناء "استنفار" طالب بالكهرباء وتحسين ظروف الاعتقال.

شهدتُ رمضان في الخيام، في مجدو والنقب وعوفر، حيث الساحات المتسعة للصلوات، والزوايا المناسبة للخلوات، والأجواء المساندة للسمر، وانقسام المعتقلين إلى خادم يصنع الطعام، وآخر يفرش البسط والحصر والسجاد للصلاة، وآخر يوزع التمر والماء بين يدي أذان المغرب، وبعض يؤمّنا ويعظنا، وفي ذلك كلّه كثير من الدعابة. أذكر على وجه الخصوص في اعتقال "عوفر" تجربتنا أن نقوم الليلة بطوله، مجموعة من الشبّان من بعد التراويح إلى السحور.

لم أعرف رمضان في السجون المركزية، ولا شكّ أنّ لدى أصحاب تجاربه الكثير مما يقولونه ممّا ليس هنا. كما أنّ هذه التجربة الموجزة روايتها قاصرة على أجواء وظروف اعتقالية معيّنة، فإذا عُرف أن المعتقلين ينقسمون داخل السجن بين تنظيماتهم، وهذه التنظيمات تختلف برامجها الثقافية والإدارية، ويختلف عناصرها تديّناً وعلاقة بهذا الشهر، عُرف كذلك أن الروايات أكثر، وزواياها لا تحصر. بيد أنّ إرادة الحياة، ومكافحة السجّان، والوعي بالظرف النضاليّ الذي يحياه المعتقل، تعمل على خلق الأجواء الخاصّة بهذا الشهر، تلك الأجواء التي يحوم فيها قلب المعتقل حول اجتماع أسرته على الإفطار أو السحور، وفي المساجد التي ألفها ردحاً من عمره.

2019-05-30