الثلاثاء 14/10/1440 هـ الموافق 18/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
طمرة الجليلية تكرم الروائية فاطمة ذياب والفنان إبراهيم حجازي!.... آمال عوّاد رضوان

برعايةِ بلديّةِ طمرة الجليلية وإشكول بايس طمرة، أقامَ منتدى الفكرِ والإبداع أمسيةً ثقافيّةً إبداعيّةً مميّزةً في إشكول بايس طمرة، بتاريخ 14-6-2019، ووسطَ حضورٍ كبيرٍ مِن فنّانينَ وأدباءَ وأقرباء وأصدقاء، من أجلِ تكريم الكاتبة فاطمة يوسف ذياب والفنان التّشكيليّ إبراهيم حجازي الطمراويّيْن، فتمّ أوّلًا افتتاحُ معرض (فديم جديد) للفنّان التّشكيليّ إبراهيم يوسف حجازي، ومِن ثمّ انتقلَ الحضورُ إلى قاعةِ التّكريم، حيثُ تولّتْ عرافةَ الأمسيةِ آمال عوّاد رضوان، وقدّمَ كلماتِ التّرحيبِ كلٌّ مِن السيّد نائب رئيس البلديّة عامر أبو الهيجا، وكلمة مديرة المركز السّيّدة فيحاء أعمر، وكلمة نوعيّة لد. فهد أبو خضرة رئيس منتدى الفكر والإبداع، وكانت مداخلةٌ نقديّةٌ لد. روزلاند دعيم بعنوان: فاطمة ذياب في مكنوناتٍ أنثويّة، ومداخلة د. أليف فرانش بعنوان: مُراوحةُ الخروج مِن دائرة الخيبة في مدينةِ الرّيح، ومداخلة هيام قبلان بعنوان الضّحكُ المُرُّ عزفٌ على أوتارِ دبدوبة- للأديبة فاطمة ذياب، ثمّ قدّمتْ إدارةُ إشكول بايس درعَيْ تكريمٍ للمحتفى بهما، وأيضًا قدّمَ رئيس بلديّة طمرة د. سهيل ذياب درعَيْ تكريمٍ للمحتفى بهما، ونهاي بيم داموني بصوتها الرخيم الحضور، ومِن ثمّ تمَّ التقاطُ الصّور التّذكاريّة

 

مداخلة د. روزلاند دعيم بعنوان فاطمة ذياب في مكنونات أنثوية:

يُسعدُني ويُشرّفُني أن أحتفيَ وإيّاكم بالأديبة فاطمة دياب، وما يُعزّزُ حفاوتي هو محاورتها لقصائد الرّائعة آمال عوّاد رضوان، في كتابها "مكنوناتٌ أنثويّة".

يفرضُ علينا النّصُّ "مكنوناتٌ أنثويّة" بطبيعتِهِ القراءةَ، بحسبِ نظريّة الاستقبالِ أو التّلقّي التّي تُعنى بالعلاقةِ الجدليّةِ بينَ النّصِّ والقارئ، إلّا أنّ هذهِ العلاقةَ تخلقُ جدليّةً جديدةً، وهي "مَن هُما طرفا الحوار؟" عِلمًا بأنّ القارئَ المُتلقّي هو أحدُ الطّرفيْن، فمَن هو الطّرفُ الثّاني! هل هي الرّضوانيّةُ صاحبةُ النّصوص الأصليّةِ، أم أنّها الطمراويّةُ صاحبةُ المحاورةِ العميقة؟ هل هي صاحبةُ النّصِّ الشّعريِّ غزيرِ الطّلاسم، أم أنّها الأديبةُ الذّكيّةُ التّي تمكّنتْ مِن فكِّ الشِّفرةَ والرّمز، وقراءةِ النّصّ مُحكمِ البناءِ والنّسج، لا بل استطاعتْ أن تنقُلَ ما فكّتْهُ وفكّكتْهُ مِن رموزٍ إلى المُتلقّي الجديدِ الذّي يقرأ فاطمة، والمُتلقّي الأوّل الذّي يقرأ آمال..

عمليًّا، نحنُ أمامَ علاقةٍ مُركّبةٍ ومعادَلةٍ مُزدَوجةٍ مِن عمليّة التلقي، حين يُصبحُ المُتلقّي مُرسِلًا للنّصِّ الأصليّ، أي للعشرينَ قصيدة التّي اختارتْها فاطمة من قصائدِ آمال، وحينَ يَستقبلُ القارئُ أو المُتلقّي النّصَّ الشّعريَّ الأوّلَ، مِن خلالِ استيعابِهِ للنّصِّ النّثريّ والحوار بينهما. وهذا يقودنا إلى الواقع الجديد بحسب نظريّة التّأثير والاتّصال، حين يجتهدُ القارئُ - وفي هذه الحالةِ فاطمة - لسبرِ أغوارِ النّصِّ واستكناهِ مَعالمِهِ الباطنة، يبحثُ عن نصٍّ غيرِ صريح. ومن خلالِ المُغازلةِ بينَ فاطمة ونصّ آمال، نشأتِ العلاقةُ الجدليّةُ التّي خلّدتْ نصَّ آمال، مِن خلالِ الكنزِ "مكنوناتٌ أنثويّة".

مكنوناتٌ أنثويّة: حينَ نمسكُ الكتابَ بينَ أيدينا، يُلفتُ نظرَنا لونُ غلافِهِ الذّي أتى بالأزرق، أحدِ درجاتِ أقوى الألوان، الذّي طغى على خلفيّةِ الصّورة وفضاءِ النّصّ، حيثُ أنّ "الصّورةَ تُساوي ألفَ كلمة"، بحسبِ ما نُسبَ إلى الفيلسوف الصّينيّ كونفوشيوس.

ويُطلُّ مِنَ الغلافِ شلّالٌ قويٌّ يشقُّ مرتفعًا لشقّيْن؛ تقفُ عن يمينِهِ فتاةٌ يافعةٌ تحتَ شجرةٍ خضراء، وعن يسارِهِ فتاةٌ، على ما يبدو أكبرَ سنًّا، تجلسُ على وجهٍ تمّ تشكيلُهُ طبيعيًّا بالصّخرة، في حين يتدفّقُ الشّلّالُ مِن ورائِها تُطلقُ طيرًا ثامنًا إلى الفضاء، كأنّهم نوارس أو حمام زاجل، بكلّ ما تحملُهُ تداعياتُ وإيحاءاتُ وسيميائيّاتُ هذيْن الكائنيْن، مِن قدرةٍ ووظيفةٍ على تعزيز التّواصل بين طرفي الهوّة.

على الغلافِ أتى العنوانُ الرّئيسُ "مكنوناتٌ أنثويّة"، بينما تمّ تفصيلُهُ بعنوانٍ جانبيّ أتى على الصّخرةِ اليمنى، "فاطمة يوسف ذياب تحاور قصائد آمال عوّاد رضوان". وإن نظرنا إلى العنوانِ باعتبارِهِ مفتاحًا رئيسًا لقراءةِ النّصّ، فإنّ المكنوناتِ هي الخفايا. ومكنوناتٌ أنثويّةٌ هي تلكَ الأسرارِ أو الأفكارِ أو الأحلام التّي تحملُها الأنثى صاحبةُ مكنوناتِ القلب والنّفسِ والعقلِ والرّوح، فمِن خلالِ المغازلةِ الأدبيّةِ بين الاثنتيْن تشكّلتْ هذه المكنوناتُ، وأتتْ إلينا بحُلّتِها الأدبيّةِ الحاليّة.

تقول فاطمة (ص14) في قراءتها لديوان "رحلةٌ إلى عنوانِ مفقودِ": عزيزتي آمال عوّاد رضوان.. شكرًا حتى متاهات الأبجدية! فهي تكشفُ في محاورتِها الأولى معنى العنوان، حيث حاولتْ فكَّ الطّلاسم، والبحثِ مع آمال عن معالمِ عنوان ديوانِها المذكور، إلّا أنّ إصابتَها مضاعفةٌ، بحيث بحثت مع القارئ الجديد عن مَعالمِ عنوانِها "مكنوناتٌ أنثويّة"، وهي تعرِّف آمال بهذا التّقديم، التّي تكتبُ بلغةٍ مُشفّرةٍ مَجازيّةٍ عاليةٍ "عصيّةٍ" غنيّةٍ بالتّضمين، وقد أتى هذا الحوارُ بعدَ سباتٍ طويلٍ نامتْ فيهِ "دبدوبة" كما تصفُ نفسَها، حتّى أيقظتها آمال عبْرَ أسلاكِ الهاتف، واستثارتْ قدرتَها المعتكفةَ بقولِها "اُكتبي"، ليتفجّرَ هذا الإبداعُ الذّي يستوجبُ الشّكرَ (الإهداء ص9 - 11).

تقول فاطمة (ص24) هكذا أقرؤكِ.. مِن وهجِ الرّماد!

وفي ص25 تعرضُ العناوينَ التّي تُشكّلُ معًا قصيدة، وتدعو فاطمة آمال "يا ابنةَ القوافي" في ردِّها على قصيدتها "إليكِ أتوبُ غَمامًا" ص33 – 34، وتحاورُها بأسلوبِ ميتا- أدبيّ: بهذه اللّوحاتِ النّصّية.. الانفصام أبدًا، وترفعُها لاحقًا إلى أعلى المراتب ص35  بقولها: هكذا هي آمال عوّاد رضوان؛ الشّاعرة المُتجذّرةُ بملكوتِها الشّعريّ تُخاطِبُ الأنثى..

وفي عنوان الفصل: آمال عوّاد رضوان شاعرةُ الغموضِ والـ ما وراء!

(ص92) فاطمةُ تُدَمْوِزُ آمالَ المُتَعَشتِرة ببلاغتِها ونصوصِها مليكةً على عرش الحروفِ واللّغات، مِن خلال محاورتِها في ديوانها "اُدَموِزُكِ وَتَتَعَشْتَرين"، ولا تكتفي بذلك، بل تردّ على مقالة د. منير توما في مقالته: "البوحُ الجنسيُّ الرّمزيُّ الاستعاريُّ في مجموعة "اُدَموِزُكِ وَتَتَعَشْتَرين"، فتقومُ فاطمة هنا بعمليّةٍ حواريّةٍ مع أحدِ النّصوص الموازية، إضافة إلى محاورة الأصل، وفي خطابها الدّائم تتوجّهُ إلى آمال عوّاد رضوان مسبوقة غالبًا بـ عزيزتي الشّاعرة، فتُبرقُها بَرقيّة عاجلة تقول فيها (ص131): عزيزتي آمال، ليس سهلًا .. الوجود والحياة، وفي نهاية النّصّ الموازي تختارُ فاطمة تناول قصيدة "أسطورةُ التّياعٍ" (ص166)، لتلخّص مشروعها:

وليس من باب صدفةٍ عابرةٍ أراني أتناولُ قصائدَكِ في أكثرَ مِن نصّ، فبينَ حروفي وحروفِكِ نبتَتْ علاقةٌ فكريّةٌ، ظلّت في بحثها عن عنوانها المفقود تنتقلُ مع لوحاتك، ما بين واقعٍ عقربيّ إلى واقعٍ ياسمينيّ منشود، ....

سجالٌ وتماهٍ بين شاعرةٍ وروائيّة، أطلقَ إصدارًا حواريًّا بين الشّعر والنّثر، حاولت به فاطمة استنطاقَ النّصّ مبنًى ومعنًى، وتناصّت مع نصوص رضوان العشرين وتضميناتها، تقرأها بمستوياتها الرّمزيّةِ المختلفة. استطاعت فاطمة بأسلوبها الرّوائيّ أن تكتبَ مكنوناتِ قلبها وعواطفِها؛ فارتقتْ إلى مستوى الميتا شعور، استنطقت النّصّ على مستوى المبنى والمعنى، وغاصت في البناءِ اللّغويّ والنّسيجِ الشّعريّ والصّوريّ، واستحضرت الذّاكرةَ الجمعيّة للفكر الإنسانيّ، وقدّمتْ قراءةً حداثيّةً مائزةً تستدعي التّوقّفَ عندها.

ونهاية، الآثارُ الأدبيّة المعاصرةُ أدخلت تحويرًا على وظيفة القارئ، حين جعلتْ منه طرفًا في النّصّ، توكلُ إليهِ مُهمّةَ المشاركةِ في تأليفه. وهذا ما حدث في النّصّ الحداثيِّ الذّي قدّمتْهُ لنا فاطمة في حوارِها مع آمال، وإذ أتمنّى لآمال سنواتٍ عديدةً من الإبداع، أتمنّى لفاطمة صفاءَ القلم والفكر وسنواتٍ عديدةً من الحوار الأدبيّ، إلى جانب مناجاة الذّات، وشكرًا لإصغائكم.

مداخلة د. أليف فرانش: مراوحةُ الخروج مِن دائرةِ الخيبةِ في مدينةِ الرّيح:

قبلَ المداخلةِ لا بدّ مِن الإشارةِ إلى أحدِ شقّي العنوان وهو المدينة. لا يمكنُ أن يتطوّرَ أيُّ مجتمعٍ أو كيانٍ سياسيٍّ بشكلِ دولة، أو شِبهِ دولة، أو كيانِ حكمٍ ذاتيّ، مَهما كانَ شكله، أو حيثما وقعَ مكانه، دونَ وجود المدينة، وغيابُ المدينة يعني غيابَ الدّولة، أو الكيان السّياسيّ السّياديّ المستقلّ، أو غياب أحد أهمّ مقوّماتهما.

لهذا؛ فلننظر إلى ما آلت إليه حالُ المدن الفلسطينيّة بعد عام 1948، فبعد أن كانت يافا وحيفا وعكّا ومدن أخرى مدنًا تعجّ بالحياة، باتت يافا مقطعًا من مدينةٍ كبيرة، وحيفا تُغيّرُ وجهَها ومَعالمَها، وانتقلَ مركزُها إلى إحداثيّاتٍ أخرى، وما زالَ الكثيرُ مِن بيوتِها شاهدًا على اغتيالِ المدينة. اللّدّ والرّملة أضحيتا بقايا مدينتيْن بالمفهوم الثقافيّ العربيّ. هكذا اغتيلت المدنُ القائمة، وظهرتْ بديلًا لها، وعلى أنقاضها في مواضعَ عدّة، مدنٌ أخرى تتحدّثُ لغةً أخرى، وتتزيّنُ بعطرٍ آخر. أمّا المدنُ العربيّة التّي نشأتْ أو أُعلن عنها مدنًا، فهي مدنٌ من حيث الكثافة والتّعداد السّكّانيّ، لكنّها ليست تلك المدن العصريّة، إذ إنّ العلاقاتِ التّي تحكمُ ما بين سكّانها هي أقربُ إلى المجتمع القرويّ، الرّيفيّ، المحلّيّ، القَبليّ؛ لهذا فنحن نعيشُ غيابَ المدينة أكثر ممّا نعيشُ المدينةَ أو نعيشُ في المدينة. وليسَ مِن قبيلِ المصادفة أن تتجانسَ لفظتا مدينة و"מדינה". هذا مَدخلٌ للتّعاطي الأوّليّ مع العنوان، ومع ما حاولت الكاتبة فاطمة ذياب قوله في مجمل ما قالته. ونبدأ:

مدينة الرّيح، هي روايةٌ تتناولُ مَلامحَ عديدةً مِن حياة بطلةِ الرّواية، وتقفُ عندَ محطّاتٍ مختلفةٍ مِن مسيرتها، لكنّها روايةٌ تتداخلُ فيها الأنواعُ الأدبيّة، فنجد في هذا النّصّ قالبَ الرّواية متداخلًا مع السّيرةِ الذاتيّة، والسّيرةِ الغيريّة والتّوثيقِ التّاريخيّ. إنّها روايةٌ تظهرُ فيها الرّاويةُ بشخصيّتيْها: دبدوبة الصّغيرة والمرأة البالغة، لهذا نعيشُ في الرّوايةِ تعدّدَ الأصوات وفق نظريّة ميخائيل باختين، فنسمعُ صوتَ دبدوبة الصّغيرة بطفولتِها وألعابها وتفاؤلِها، ثمّ نسمعُ صوتَ المرأةِ البالغةِ بهمومِها المتعدّدةِ وذكرياتها، لنعودَ إلى دبدوبة، وهكذا دواليك.

ومع تعدّدِ الأصواتِ تتأرجحُ الأزمنةُ في الرّواية، وتتنقّلُ الشّخصيّاتُ بينَ هذهِ الأزمنةِ، لتحاولَ، داخلَ أطرِ الأزمنةِ المختلفة، الخروجَ من تلك الحلقة- الدّائرة التّي تحكمُ نَفَسَ الرّواية، وهي الدّائرةُ الّتي تُشكّلُ المحورَ الرّئيسيّ في هذا العمل، وهو محورُ الخيبة.

تتصارعُ الشّخصيّاتُ، لا سيّما شخصيّة الرّاوية، داخلَ حدودٍ تحاولُ تغييرَ رسْمِها وتوسيعَ إطارِها؛ لتتمكّنَ مِن التّنفّس، لكنّ الخيبةَ تُطاردُها وتلاحقُها، وتتجلّى في مناحي الحياةِ المختلفة. تقول صديقتها ص16: "عزيزتي، حين تصير أيّامنا نُواحَ قصائد وبكاءَ قوافٍ، فهذا يعني أنّنا في ذبحٍ مِن الوريدِ إلى الوريد".

أمّا الخيباتُ فيمكنُ تعدادُها على النّحو التّالي:

*الخيبة من الزّمن: يتقلّبُ الزّمنُ ويأتي لنا بما لا نرغبُ به، وحين نحاولُ الفرارَ منه، يَسبقُنا ويُباغتنا بجديدٍ قد يكون أقسى من سابقه. وحتّى محاولة الهروب من الحاضر إلى الخلف، فهي لا تفرز إلّا الذّكريات، أمّا المستقبلُ فاستشرافُهُ مُحال، وتنبّؤه لا يضمنُ أن يجعله كما نريدُهُ أن يكون. إنّه الألمُ يعتصرُ الرّوح فتحاولُ التّحرّر، لكنّها تجد نفسَها في دائرةٍ مقفلةٍ تُحاصرُها الخيباتُ المختلفة، على مدار الزّمن وتقلّباته. تسألُ البطلةُ صديقها بصوتٍ يصرخ متسائلًا (ص31): "هذا أنت يا صديقي.. ماذا فعل بك الزّمان؟". وتتابع في الصفحة نفسها (ص 31) تصوير شقائها في علاقتها بالزمن، وهو شقاء قد يناسب الإنسان عامّة: "وأضحك وتضحك دبدوبتي... يا ما أشقانا عزيزتي حين نصارع ونراوغ الأعمار، كأنّنا جئنا لنظلّ في عمر الشباب نرنو إليه صغارًا ونحن إليه في المشيب".

*الخيبة من المكان: على طول العمل الروائيّ المتنوّع تبحث البطلة (وهي، بتعبير أدقّ، اللابطلة التّي لا تحقّق لا أحلامها ولا غاياتها)، وبشكل مستديم، عن مدينتها- المكان. هذه اليوتوبيا التّي تلهث وراءها ولا تجدها. إنّها الخيبة التّي تتجسّد في حيّز فيزيائيّ نعيش فيه أو نسعى إلى أن نعيش فيه. تقول الراوية (ص 26): "... مدينتي التّي لم أزل أعايشها غربة الأنثى ومعك يا صديقي ومعي ما زلت أبحث عنّي وعن المدينة"، وص 60: "... آسفة هذه هي مدينتنا تتأرجح أمامنا ونهتزّ تحتها... والرّيح لا تريد أن تهدأ...). أشير فقط إلى أنّ المدينة الوحيدة التّي يُذكر اسمها في الرّواية هي مدينة الناصرة، وفي خلاصة لخيبتي الزمان والمكان، تقول لصديقها: "صدّقني، أيّامنا هنا لا تطاق". (هنا) تعكس خيبتها من المكان حيث أمسى غريبًا، وأمسينا غرباء عنه. و(أيّامنا) تعكس الزمان إذ بتنا لا نعرفه ولا يعرفنا أو يتعرّف علينا.

*الخيبة المرأة (من الرجل والمجتمع): إنّها خيبة المرأة تعيشهما بدورين ما: الزوجة والأمّ. في الرّواية تعيش البطلة خيبة الزوجة المتألّمة في حياتها الزوجيّة، أو في مقاطع منها. وهي ذاتها خيبة الأنثى كونها أنثى في هذا المجتمع البطريركيّ الذكوريّ. تقول (ص 108): "أكثر من ساعة ظلّ يراقبني بصمت وأكثر من ساعة حاولت التهرّب منه... أخيرًا تحرّك... اخترقني بصمتي وتفجّري وقام يحتضن دمعي ويعانق خيبتي". وتنجلي خيبة الزوجة في حوارها مع زوجها المعرض عنها، السائل عن عالمه الشخصيّ الذاتيّ الأنانيّ الماتشويّ الذكوريّ، ويبرز ذلك في الحوار بين الزوجة وزوجها (ص 113) حين لا ينتبه إلى ما تريده زوجته، لأنّه غارق في عالمه هو:

  • نعم... ما زلت يقظة أنتظرك.
  • ماذا تريدين منّي؟
  • لا شيء، أين كنت؟
  • هل أعتبر سؤالك هذا تحقيقًا بوليسيًّا؟
  • لماذا لا تعتبره اعتذارًا؟
  • ماذا فعلت حتّى تعتذري؟
  • صحيح... معك حقّ، أنا لم أفعل أيّ شيء، لكن التهب داخلي دون إرادتي..."

وتصل خيبتها الذروة حين يتحوّل زوجها إلى رجل عنيف، يقوم بتعنيفها وضربها وإذلالها، (ص 116): "أتذكّر ذلك اليوم المنحوس الذّي امتدّت يدك فيه، وتناولت الغلّاية وقذفتني بها... وقمت ودسست قدميك بالحذاء وخرجت صامتًا".

وخيبة الأمّ التّي تُحرم من الإنجاب، وهو، أي الإنجاب، ما كان سيخفّف من خيبتها كأنثى وكزوجة. ليس هذا فقط، بل وتتضاعف خيبتها لأنّ زوجها يلقي عليها تهمة العقر، ويراها السبب وراء هذا الحرمان. تقول له (ص 120): "هكذا إذن، أنت قرّرت أنّي المسؤولة عن عدم الإنجاب! لماذا لا يكون العكس؟". لكنّ الحسرة عارمة، وكأنّ ذلك ردّة فعل لما تعانيه من فقدان لوجودها ككيان ذي احترام وتقدير؛ فلماذا ننجب إن كان العالم مليئًا بالخيبات؟ وبجملة تلخّص هذه الخيبة تقول: "أسترق النظر إلى المرآة، لكنّي م أرني في داخلها!".

*خيبة من الحياة بهمومها: هذه الحياة مليئة، على صورتها الحاليّة، بالهموم التّي باتت تسيطر على الأفراد والجماعات، تشتّت ما بين أفراد العائلة الواحدة، وتضرب المجتمع بلحمته التقليديّة، وتلتهم ما تبقّى من روابط وأواصر تآلف بين الناس. هذه الخيبة هي نفسها الخيبة التّي تحرم الزوجة زوجها؛ فتعيش الفقدان بمرارته وألمه. وهي نفسها الخيبة التّي تجلد الذات حين تنكفئ الأحلام وتتقهقر الطموحات؛ فلا نجد أمامنا سوى الحسرة ومرارة الفشل. وهذا ما تورده (ص 119) لتلخّص به هذه الخيبة وما أفرزته من مرارة: "عندما نعود بذكرياتنا إلى الوراء، ونستعرض أيّامنا التّي انسحبت من بين أصابعنا يومًا وراء يوم، لتكون لنا الماضي الذّي لم نحقّق معه كلّ طموحاتنا، وكلّ ما كان يراودنا من أحلام قبل أن يكون لنا أيّ ماضٍ، وعندما كان هذا الماضي المتراخي خلفنا مستقبلًا يشغلنا ونحلم به".

*الخيبة من الواقع السّياسيّ: إن كان بالأحداث المحلّيّة من انتخابات وصراعات أو بواقع الربيع العربيّ الذّي بشّر بولادات جديدة، لكنّه بات خريفًا باردًا قاسيًا عقيمًا.

لكنّ الكاتبة لا تترك القارئ دون أمل، ولا تختم العمل دونما وصفة علاجيّة تنشل صاحب الخيبة من خيبته أو خيباته، إنّه قعل الكتابة والشعور بالحبّ. الكتابة علاج للخيبات، بها نرسم العالم المشتهى، ونلحق به قبل أن يفلت منّا. إنّها رواية الميتا- قصّ، رواية تتحدّث عن فعل الكتابة، عن نفسها، وعن الولادة من عمق العقم والخيبة. تقول الراوية لصديقها (ص130): "لا بأس يا صديقي لا بأس... لتهرب من نهايتك داخل النّصّ، ولأهرب أنا كذلك من قوم فرعون وطاغوت فرعون وجبروت فرعون وكقر فرعون".

وأختم بدلالة العنوان الذّي يحوي الخيبة، لكنّه قد يحوي، أيضًا، قبسًا من تفاؤل، ومصلًا يفكّ عقدة الخيبة.

العنوان يبدو ودودًا، أليفًا، مسالمًا، لكنّه عنوان مشاكس، ملغوم، فيه مقدار هائل من الأوكسيمورون (الإرداف الخُلفيّ). فالمدينة هي نقيض الترحال والتنقّل والتشرّد، هي عنوان الثبات والسكون، حتّى إنّ بيوتها مصنوعة من موادّ صلبة كالحديد والإسمنت، فهي رديفة فعل السكون. أمّا الرياح فهي التنقّل والحركة وعدم السكون، والانتقال الدائم الذّي لا يكنّ ولا يستكنّ. إذًا، فكي تسكن الرياح المدينة؟ فلا المدينة تصلح مسكنًا للريح، ولا الرّيح يناسبها أن تكون مواطنا يناسبه السكن والثبات. إنّها خيبة المدينة بساكن لا يسكنها، وخيبة الرّيح بمكان يحصرها ويحاصرها. وقد تكون هذه مقولة الكاتبة في تحدّي فعل الخيبة؛ فخيبة تُبطل أخرى، والرّيح هي المكان المأمول الذّي لا يمكن ترويضه ولا سجنه. وكلّ ريح ونحن بخير.

مداخلة هيام مصطفى قبلان بعنوان: الضّحكُ المُرّ- عزفٌ على أوتارِ دبدوبة- للأديبة فاطمة ذياب

مِن "مُذكّرات دبدوبة" في زاوية صحيفة الصّنارة، مِن عملٍ مشتركٍ لصديقتيْن وزاويتيْن، إحداهما ثمثّلها دبدوبة، والأخرى "على أجنحة الفراش"، تكتملُ اليومَ الأدوارُ وتتلاقحُ، لتلتقي هذا المساء لتفريغِ خوابي العُمرِ مِن لواعجِها في أتونِ اللّحظة.

"دبدوبة" هي الشّخصيّة التّي اتّخذتها الأديبة فاطمة ذياب، لتُسقطَ عليها واقعًا مريرًا لمجتمعٍ بأكمَلِهِ، دبدوبة التّي تمثّلنا: أنا ونحن، أنتَ وأنتِ، هي وهو، ثمثّل الذّات التّي بدواخلِنا، بنزعاتِها وتقلّباتها، بفرَحِها وبُؤسِها، بضعفِها وعنفوانِها، هي الذّات الجماعيّة التّي تَشدُّنا إلى الواقع الذّي نعيشُهُ، ونعودُ إليهِ بعدَ تحليقِنا في عالمٍ مِن الكمال.

لستُ بمُعالِجةٍ نفسيّةٍ، ولا بمُصلِحةٍ اجتماعيّةٍ ولا بناقدةٍ أدبيّة، لكنّني أحاولُ أن أغوصَ في لُجّةِ النّصوص، وفي عوالمَ مِن جَمالٍ وقُبحٍ، مِن أزماتٍ وضحكٍ للدّنيا وعليها. فاطمة التّي بدَوْرِها تتقمّصُ شخصيّةَ "دبدوبة"، وتُسهِّلُ لفاطمة الأديبة عمليّة إطلاقِ السّهامِ، وخوْضَ المعاركِ معَ المجتمع، فتطرحُ أمامَنا مواضيعَ واردةً في الذّهنِ ومُترسِّخةً داخلَهُ، نعرفُها جيّدًا، لكنّنا نتحاشاها ونَعمى عنها، كي لا نُشوّهَ الحياةَ بعزفٍ على وَترٍ مُتحشرجٍ مِن أصابعِ دبدوبة.

تدورُ نصوصُ فاطمة حولَ مواضيعَ هامّةٍ: كالطّابو الاجتماعيّ، والازدواجيّةِ في الشّخصيّةِ العربيّة، والتّحليقِ في البحثِ عن الذّات، وتتطرّقُ أيضًا لمعاناةِ المرأةِ، والكبتِ، والمقاومةِ، والإصرارِ للصّراع الدّاخليّ بينَ الشّخصيّات، برسائلَ مِن كلماتٍ خاصّةٍ في زمنٍ خاصّ، وإلى الرّحلةِ الصّعبة.

لغة الكاتبة: لغةُ فاطمة لا تخلو مِنَ السّخريةِ والتّهكُّم، وقد أدخلتِ اللّغةَ العامّيّةَ في الحوار، حيثُ جمعتْ بينَ العامّيّةِ والفصحى، بلغةٍ سرديّةٍ جميلةٍ مُشوّقة، وخاليةٍ مِنَ التّعقيد، أي بلغةٍ غيرِ مُركّبة، وأيضًا أدخلتِ الأمثالَ الشّعبيّةَ في أماكنَ مُناسبةٍ للموضوع، ووظّفت "الرّمزَ" بتوافُقٍ وتوفيق، معَ تداخُلِ الصّوْتيْنِ لشخصيّةِ فاطمة الأديبة، وشخصيّةِ دبدوبة بطلةِ معظم النّصوص، وباختصار، اللّغةُ سهلةٌ مقروءة.

وبعزفٍ على أوتارِ "دبدوبة" نضحكُ في مُعظمِ النّصوص لمَشاهِدَ ساخرةٍ، ولمواقفَ مُضحكةٍ حتّى المرارةِ والوجع، وسوفَ أختارُ مِن بينِ النّصوص ما يَليقُ بهذا الضّحكِ المُرّ، وما يليقُ بعزفِ دبدوبة الشّخصيّةِ السّاذجة، المَجنونةِ، والعبقريّة في آنٍ واحد، والتّي تُحاولُ إخراجَ الأسرارِ الدّفينةِ مِنَ الذّاتِ الصّغرى، والتّي يَحملُها كلُّ واحدٍ منّا، ففي كلِّ فردٍ سرٌّ، نحاولُ إسقاطَهُ على الآخَرِ، لغايةِ انفجارِ أنبوبِ التّفكيرِ الذّهنيّ، فتخرجُ شراراتُ الكبتِ والغضب، وتتلاشى كدُخانٍ يتصاعدُ مِن بعيد.

من خلال دبدوبة في "ندّاهةِ اللّيل" ص88، والبحث عن الذّاتِ المُتصدِّعةِ، والإصرارِ رغمَ الثّقوبِ التّي بحاجةٍ لترتيقٍ، تقول: قلت: "أنا ما زلت أبحث عن ذاتي".

سألت: "وهل سيطول بحثك هذا"؟

قلت: "قد يمضي العمر، ولا أجدها، ولكن أحاول."

إذًا؛ الإصرارُ موجودٌ لشَقِّ دروبٍ مضيئةٍ وسطَ ظلامِ اللّيلِ الدّامس، وبخطواتٍ ربّما تكونُ وئيدةً، لكنّها تحتاجُ للصّبرِ والتّخطيط، وكأنّي بها الكائنُ الثّائرُ مِن أجلِ ما سيكون، وما النّدّاهةُ سوى السُّلطةِ العليا التّي تَسلبُنا الإرادةَ، وتُحوّلُنا إلى ضحايا.

"ندّاهةُ اللّيل" تُذكّرُنا بحكاياتِ الجَدّاتِ وتَخويفِ الأطفالِ مِنَ الشّبحِ والذّئبِ والغول، وذاتَ يومٍ حينَ غابتْ عن وعيِنا هذهِ النّصوص الخرافيّة، أصبحنا نبحثُ عن ندّاهةِ ليلٍ أخرى، وربّما مختلفة نراها في شبحِ امرأةٍ عائدةٍ بثوبٍ جديد، وكما تقولُ فاطمة: "أعادَ الغربُ تفاصيلَها، وعلّمَها الدّيمقراطيّةَ والحرّيّةَ والعدالة، لكنّها وظّفتْ قوّتَها بالصّراخِ وسلبِ العقولِ والإرادة، وفي هذه الرّمزيّةِ "بُعدٌ سياسيّ، فيومَ أرسلتْ هذهِ المرأةُ النّدّاهة إلى العراق، تحوَّلَ الجميعُ بتأثيرٍ من تنويمٍ مغناطيسيٍّ إلى نيام، وأمّا راعي الأبقارِ فلَهُ الحَقُّ بوضعِ الدّستورِ، والفيتو ممنوعٌ لا جدالَ فيهِ ولا نقاش، وعلى كلِّ الأممِ أنْ تَبصمَ للنّدّاهةِ بالأصابعِ العشرة.

  وفي لحظةِ غرورٍ بينَ (ليلى والذّئب)، تُوظّفُ الكاتبةُ فاطمة أساليبَ فنّيّةً مختلفة، كالرّمزِ، والإسقاط، والتّشخيص والتّحوير، وفي نَصِّ ليلى والذئب تُجري حوارًا بين ليلى وجدّتِها بلسانِ دبدوبة، وبتحويرٍ لهذه القصّةِ الواردةِ في أدبِ الأطفال، إلى قصّةٍ ساخرةٍ بأسلوبٍ تَهكُّميّ، يحتاجُ منّا للتّفكيرِ وحلِّ لغزِ العلاقةِ ما بين ( الطّنجرة والمغرفة ) في النّصّ فتقول:

تقول دبدوبة: يخلف عليكم يا دار أبو طنجرة.

صاحت الجارة: أنا من دار أبو طنجرة؟ ما هذا الهراء؟

دبدوبة: ( اللّي في الطنجرة بتْطَلْعُه المغرفة)

الجارة: لا أفهم علاقة الطنجرة والمغرفة بي!

دبدوبة: اِنتبهي! إنّها علاقة القلم بالذّات، يعني علاقتك بي كذلك.

والسّؤال الذّي يَطرحُ نفسَهُ: لماذا اختارتِ الأديبةُ قصّةَ ليلى والذّئب، كمحورٍ أساسيٍّ لحلِّ اللّغز، ومِن خلالِ حوارٍ بلسانِ ليلى بين الجدّةِ الكاتبة وليلى الدبدوبة، وتصلانِ إلى حلٍّ، بأنّ هناكَ علاقةً أكيدةً بينَ القلمِ والذّات الكاتبة، التّي هي كما نرى "دبدوبة" بلسانِها السّليطِ ونظرتِها الثّاقبة، وأبعادِها التّي تراها مِن ثُقبِ إبرة؟ إذن؛ هذا القلمُ السّاخرُ يَملكُ الخيالَ في طرحِ حالاتٍ هادفةٍ، فيكتشفُ القارئُ أنّ دبدوبة ليستِ المرأةَ المُترهّلة، ولا العمياءَ اللّاهثةَ وراءَ المَظاهرِ الخارجيّة، بل هي الدّبدوبة التّي تستطيعُ صُنعَ المُستحيل، لتَصِلَ إلى هدفِها دونَ مساحيقَ ولا أقنعةٍ، ومِن هنا أنتقلُ إلى نصٍّ كنموذجٍ ساخرٍ، بنقدٍ مِن عينيْ دبدوبة عن التّملّقِ والمُحاباةِ بينَ الحماةِ والكنّة، بعنوان: (يا كْنينةِ الزّيناتِ يا كْنينتي) ص26:

قالت دبدوبة: هل سمعت موّال الحماة والكنّة؟

قلت: هاتي يا دبدوبة من الآخر.

قالت: كان وحداني لأمّه، وأمّه بدّها تجوّزه بنت أختها، بسّ الولد كان يحبّ واحدة غيرها من قبيلة ثانية، ويوم ما حبّ الولد يصارح أمّه وقال: يا ميمتي طالع طريق الجبل، صيّاد يا أمّي واصطاد لك حجل، وأجيب لك عبلة بنت أمير العرب.

ردّت: يا ميمتي، أريدك ولا أريدها، أفتح البابين وأغلق لها.

وصار المدلّل يوصف محاسن عبلة لأمّه.

قال: يا ميمتي لو تشوفي عيون لها، طفح الفنجان عيونها، يا ميمتي لو تشوفي طولها، طول الرمحين طولها، يا ميمتي لو تشوفي عنقها، عنق الغزلان عنقها، يا ميمتي لو تشوفي بياضها، بياض الجبينة بياضها.

وظلّ الابن يُعدّد محاسن عبلة، والأم مُصرّة على موقفها: أريدك ما أريدها، افتح لك البابين، وأغلق لها.

تنصت  دبدوبة عن الكلام المباح، واستحثّها قائلة: وماذا بعد؟

قالت: لا قبل ولا بعد.

قلب العاشق ما بَرَد، لا على أمّ ولا على جدّ. الولد طار وطار وحطّ في ديار عبلة، قعد كم شهر في ديار العروس، خطبها وعقد عقده عليها، وجهّزها ورجع بها على ظهر الفرس.

ولمّا الأمّ عرفت بالخبر، أكلت حالها وقالت: يا حسرتي، حِسّ الفرس همهمت، كِنّو جابها المقصوف إلي وإجت؟

ولما ابنها قرّب على ديرتها، قامت الحماة ترقص وتقول: يا كنينة الزينات يا كنينتي/ وأنا اللي نقيتك على عوينتي

بس العروس كانت أحدّق من الحماة ردت عليها وقالت: ولك عجوز السو ليه بتكذبي/ مقصّ شيبك في جيبتي/ لقصّ شيبك مع شوارب ابنك

قلت لدبدوبة: هذا كان زمان.. ماذا عن جيل اليوم؟

قالت: الحال من بعضه، واللّي بسلّف السّبت بلاقي الأحد قدّامه.

قلت: (كنّة القوم بنتهم، وبنتهم غريبة)

قالت: اسكتي (مكتوب على باب الجنّة عمر حماة ما حبّت كنّة).

قلت: مَن وصلَ باب الجنّة وقرأ هالمثل يرفع إصبعه؟؟

رفعت دبدوبة إصبعها وقالت: أنا.

أستمرُّ باقتباسٍ مِن النّماذجِ السّاخرة: فاطمة حتّى بكتاباتِها السّياسيّةِ تَسخرُ مِنَ الوعودِ الكاذبةِ والشّعاراتِ الرّنّانةِ، والفوارقِ الطّبقيّةِ، وإقدامِ المرأة لترشيح نفسِها للمجلس أو البرلمان، وتُطالبُ بالحرّيّةِ والعدالةِ والعيشِ الكريم في نصّ بعنوان (مطلوب حالًا ص220)، إذ تُخرجُنا مِن همِّنا الفرديِّ إلى الجماعيّ فتقول: *مطلوب حالًا، نوّاحة عربيّة، ومصنع لمناديل ورقيّة، وباحشي قبور، وربطات عنق، وجنازة رسميّة، لتشييع جثمان أحلام النّساء اللّواتي قضيْن في معارك الجهاد والرّباط، وحرثن الأرض بالطّول والعرض، كي لا يسقط واحد من فوق.

*مطلوب حالًا، ڤيكي كانفوا- عربيّة، تبكي بالعربيّ، وتتعرّى بالعبريّ.

*نحتاج جامعة عربيّة بمفهوم وطنيّ وقوميّ، طبعًا، نحتاج ذلك، ومَن منّا لا يرغب ذلك؟

لكن بمحاذاة ذلك، علينا أن نمسح الأرض بالطّول وبالعرض، لا ليسقط واحد من فوق، ولا حتّى وعد بلفور، بل لنقف على الحقائق والأرقام، لنتعرّف عن كثبٍ على عدد العاطلين عن العمل، الباحثين عن لقمة العيش المُسجَّلين وغير المُسجَّلين في دوائر التّأمين، وعلى أيّ خط من خطوط الفقر يقف مجتمعنا، حتّى نستوعب طوابير الأكاديميّين المُتسكّعين في أسواق البطالة.

*نبض الشّارع يسأل: ماذا أعددتم يا سادة، لمواجهة الفقر والجوع والبطالة؟ هذا العدوّ الزّاحف إلى مجتمعنا بجبروته وقهره ومذلّته! هل لديكم خطط مدروسة قبل الانزلاق الّذي تعرفون نتائجه المدمرّة، ليس فقط لمجتمعنا، بل أيضًا لكلّ أحلامنا وطموحاتنا!

٭نرفض أن نظلّ مجرّد أرقام في ملفّات التّأمين، وفي تقاريرعميد بنك إسرائيل، وملفّات أعضاء البرلمان، فلقمة العيش على رأس سلّم أولويّاتنا، فماذا أنتم فاعلون؟

*نبض الشّارع يقول: ما عاد مُهمًّا الآن، أن تصل المرأة أو لا تصل البرلمان، ليست هذه قضيّتنا، فما يشغلنا، بصدق في الوقت الحاليّ، صراخ رجالنا وأعماره.

*نبض الشّارع يقول: نريد من ينزل إلينا، ويتماهى مع همومنا، لا نحتاج سُلّمًا كي نصعد إليه، ونحن لا نملك ثمن درجة من درجات هذا السّلّم، أو على الأقلّ أعطوهم سحسليّة لزجة، كي يهبطوا إلينا.

*قالوا: كنّا نذهب لنقابل النّساء، فلا نرى إلّا رجال الحمولة. أنتم كمَن قال: إجت منك يا جامع. غريب، لماذا هنا فقط توقّف الفكر عن الاشتغال؟!

*نعلم جيّدًا، أنّكم مضروبون مثلنا، لكن لم ننتخبكم للبكاء فقط، نحن في هذا  الشّطر منكم، فدعونا نفعل هذا عنكم. جرّبونا!

*يريدك الآخر نحلة في خليّة نحل، تُطعمه الشّهد كلّ صباح وكلّ مساء، وإن فكّرت باللّسع، فالنّتيجة معروفة سلفًا، احذري، لتظلّ لك الحياة!

*الحلّ هو قانون يفرضك، حتّى يحتدّ الفكر الآخر فكرك، وأراهن، بعد سنوات سوف يطالب الرّجال بمقاعد لهم في البرلمان.

ومِن السّخريةِ إلى الجدّيّةِ المُفعمةِ بالمَشاعرِ النّبيلةِ والألم، وبوخزِ الخاصرةِ والفؤاد، لم تنسَ فاطمة شاعرةَ فلسطين الأولى فدوى طوقان رحمها الله، حيثُ خصّصتْ لها حيِّزًا مُحترمًا في الكتاب والمفارقة الصّعبة: نبذةٌ عن حياةِ الشّاعرةِ وأعمالِها، وجزءٌ مِن كلماتٍ خاصّةٍ في زمنٍ خاصٍّ جدّا، وذلكَ مِن خلالِ رسالةٍ وجّهتْها لفدوى بصددِ رحيلِها، ووقوفِها أمام "الباب المغلق"، وبضمير "نحن" تقول: ولم نزل فدوى ولم نَزَلْ!/ "أمام الباب المغلق"/ نكتب أشعارنا حروفنا أوجاعنا/ زادنا طعامنا شرابنا/ في "رحلة جبليّة صعبة"/ "والرّحلة الأصعب"/ أن نعزف "اللحن الأخير"/ ذكرى مجرّد ذكرى/ وذكرى ضحيّة أخرى/ وصمت هادر يزمجر فينا/ شرقيّ حُزننا/ شرقيّ موتنا/ شرقيّ انتحارنا/ وراءنا كلنا/ ووراءك فدوى/ "وراءك شوط طويل المدى"/ سفحت عليه سنين العمر/ وكم فلسفتك حياةً تمُرّ/ على جانبيْها بحلوٍ ومُرّ/ ذوَتْ عنك وجه بشاشتها/ وأولئك وجها لها مُكفهرّ/ خبرت تناقض حالاتها"/ ولم تُدركي كنهها المستتر/ وقد حان أن تستريحي وتلقي/ عن المِنكبَيْن غبارَ السّفر/ فحسْبُك أنّك لم تُهزم/ ولا حطمتك سهام القدر.

وتتطرّقُ فاطمة إلى حكايةٍ صغيرةٍ وجّهتْها لإبراهيم طوقان ص194، وبأسلوبٍ راقٍ جميلٍ، عن (فُلّةٍ ونظرةٍ) مِن ابن الجيران لفدوى فتقول، "إبراهيم"، أيّها القادم من هناك/ مِن الجامعة الأمريكية من بيروت العاصفة/ فُكَّ قيدي أخي/ أرجوك/ حكايتي صغيرة جدًّا/ "فلة" من ابن الجيران/ أُقسِمُ لك أنّها فقط فلة ونظرة عن بعد/ أقسم عن بعد ووثبة قلب/ لم يَزَلْ صغيرًا على الحبّ/ هذه كلّ خطيئتي أن أحِبّ وأُحَبّ/ ليكون السّجن والقيد/ والقرار الأصعب من الصّعب/ "لن تخرجي من البيت إلّا إلى القبر"!/ إن كان لا بدّ من القيد والقبر/ تعالي فدوى عزيزتي/ أعلّمُك الانتحارَ على مذبح الشّعر/ فدوى والمشوار طويل طويل/ شاعرة الاختراق للوطن وللحدود/ شاعرة نكتبها في ضمائرنا/ حكاية عصامية/ نعلّم أولادنا كيف تولد في هذا الوطن شاعرة/ وترنو فدوى ونرنو معها/ "أن يصير الحبّ هو الدّنيا/ أن يصيرَ الحبّ هو الرؤيا/ أن يصير الحبّ هو الدرب/

 الخاتمة: وفي رسالةٍ مِن فاطمة إلى فيروز الكرمل، كردٍّ منها على مَقال (فلتكنِ اللّعبةُ خطيرة) لهيام مصطفى قبلان، نُشر لها في مُلحق سوا في صحيفة الصّنارة تقول ص83: "هي الدّنيا نضحك لها وتضحك معنا، لحظة من عمر الحزن والأحزان نعاود اعتصار القلوب، ونقش الجراح، والوجع عزيزتي، يسكننا حتّى آخر دمعة نسكبها، ليس فقط خلف المرايا الحزينة، بل على الورق في رحلتنا الأسبوعيّة، حتّى تلتئم الجراح وتندمل". 

أتوقّفُ هنا لأقولَ لكِ يا رفيقةَ الدّرب، الضّحكُ المُرُّ كالفرحِ اليابسِ تحتَ اللسان، إنّهُ العزفُ على أوتارِ دبدوبة، وعلى وترِ كلِّ واحدٍ منّا. هذا الصّراعُ  ما بينَ غربةِ الذّاتِ والمكان، وما بينَ الموتِ والحياةِ، أنبتَ في حديقتِكِ بذرةً مُلتحِمةً بالأرض وبالوطن، يتصاعدُ لحنُها الحزينُ ويرتفعُ، كما الرّوحُ المُغادرةُ جسدَها، والمُتعلّقةُ بقلادةِ الرّبِّ بحبلِ النّجاة، تُواجهينَ الواقعَ بمُعاهدةٍ صغرى دونَ خوفٍ وسلاح، تخرجينَ مِن ذاكرةِ الغبارِ ومِن تاريخٍ ضاقَ بهِ التّاريخُ وناءتْ بهِ السُّفن، ومِن ذاتٍ مقموعةٍ يَربضُ لها ويتربّصُ بها الماضي كالوحشِ في الزّاوية.

يا صديقتي فاطمة، نلتِ رضا "دبدوبة"، فبكيتُما وتشاكيتُما، تقاسمْتُما رغيفَ الشّعر والأدب،  فلْتبقَ دبدوبة تُلامسُ الوترَ وتعزفُ لحنَ الحُبِّ والحياةِ والحرّيّة، عساها تُطهّرُ النّفوسَ مِن شَوائبِها.

2019-06-17