الجمعة 17/10/1440 هـ الموافق 21/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
حذاء العيد..كان البداية !! ... عبد الهادي شلا

 مضى شهر رمضان المبارك مخلفا في قلوب المؤمنين سكينة وطمأنينة تغشتهم طوال الشهر الكريم،وبعث فيها روح العطاء والأخاء والمودة والتراحم التي تفتر  عند البعض طوال العام إلا من رحم ربك.

كل  منا له ذكريات مع شهر رمضان وبداية التدرب على الصوم حين كان طفلا وكيف كان الأهل يحثونه على هذه التجربة الجديدة و لو بصوم نصف اليوم،و يلوحون له بالمغريات والمزيد من حلويات الشهر الفضيل حين موعد الإفطار وستكون"العيدية"أكبر  !!.

كان الأهل يزرعون في نفوس اطفالهم روحا إيمانية تحملهم إلى الحالة الطبيعية التي يجب أن يتفكر فيها الإنسان ويطيع أوامر الله بما فرض عليه.

 

وللعيد فرحة مختلفة عند الكبار إلا أنها عند الصغار تمثل أحلاما كبيرة،فالاستعدادات كانت لها صورة غير التي هي عليها في أيامنا هذه حيث كل ما يحتاجه العيد أصبح متوفرا في الأسواق،بل كانت الاستعدادات مختلفة بأن يتم صنع الحلويات في البيوت ومازلنا نرى المحافظة على هذه العادات حتى اليوم متمثلة بكعك العيد وحلوياته،و كانت ملابس العيد يتم تفصيلها عند الخياط أو الخياطة،وكذلك الأحذية .

 

لنا مع حذاء العيد قصة..ربما لم أكن قد بلغت الخامسة من عمري حين أحضر لي أبي حذاء العيد الذي تم تفصيله  على قياس قدمي الصغيرة عند بائع الأحذية قبل العيد بأسبوعين طالت فيهما لهفتي وترقبي إليه.

 

كان الوقت عصرا وبلهفة الطفل حملت حذائي أتأمله بلمعان جلده البني الذي مازالت صورته تسكن خيالي،و انزويت به في مكان بعيد عن الأعين كان تحت طاولة السفرة التي كان غطاؤها طويلا حجب رؤيتي تماما.

 

و هنا كانت الواقعة التي مازالت تحضرني كلما جاء العيد فقد شرعت بالرسم على الحذاء بواسطة شفرة حلاقة أخذتها من آلة حلاقة والدي دون أن يراني أحد ودون سابق إصرار ولكنها عبثية طفل صغير وأخذت أمارس طفولتي وعفويتي بالرسم بها على الجلد البني اللامع وما انتهيت حتى تغيرت ملامح الحذاء تماما وأصاب أجزاء منه قطع كبير .

ارتجف قلبي ودب فيه خوف شديد من عقاب لابد أنه واقع ،فمكثت في مكاني لا أحرك ساكنا وقتا من الزمن تأتيني صورا ارتعد منها وأنا أسمع صوت أمي وأخوتي يبحثون عني وقد طالت غيبتي دون أن يعلم أحد أين أنا !!

 

الصدفة كشفت عني اغطاء الطاولة الطويل الذي سترني في مخبأي وبلهفة حضنتي أمي دون أن تدري "بالكارثة" و أنا أبكي دون أن تعلم لماذا بينما هي تطمئنني و سألتني عن حذائي فأشرت لها بأنه تحت الطاولة.

 

تسمرت في مكاني وهي تمد يدها إليه وتنظر إلى وجهي و قد كتمت غيظها لأنها شعرت بخوفي وارتعاشي لكنها هدهدتني و هي تردد كلمات لا أذكر منها سوى أن الوقت ضيق لإصلاح الحذاء مع اقتراب وقت الإفطار ولكن والدي تدبر الأمر وأصلحة عند رجل في أخر الشارع وعاد به مزين بتلك الخطوط التي صنعت منه حذاءا أخر، كل فردة مختلفة عن الأخرى فواحدة بدون خيوط وخطوط والأخرى عليها أثر الفعلة الشنعاء.

 

حين قصصت هذه الحكاية على صديق ذات مرة تندر معلقا : ربما كانت هذه بداية طريقك إلى عالم الفن.. ربما!!

2019-06-17