الأربعاء 22/10/1440 هـ الموافق 26/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
جفَّ جرحي فمِنْ أينَ أشربُ !!....بقلم : يوسف ناصر

             .. إنّ جفّ جرحك فإنّ لك عشرات الآبار العميقة التي حفرتها الأيام بمعاولها في السّفح الغربيّ من فؤادك.! مثلما لك تحت السطح من قلبك، بحيرة حبر عميقة، تكفيك كي تشرب منها أنت وقلمك وأحفاد قلمك أعوامًا مديدة .! ناهيك عن جئير النواعير المصطفّة على ضفاف النّهر المتدفّق من أعماقك !! فلماذا تجحد نعمة الجراح عليك، وتنكر فضل الآلام على يراعك من كلّ بليّة ثقيلة تكسر ظهر الزمن، وتنسف أنف الجبل  !!

           .. لله كم من أعوام مضت عليّ ، وأنا أشرب كأس كلّ جرح ولا أرتوي !! لكنَّني ما وجدتّ شرابًا أشدّ مرارة من تلك الكؤوس التي أتجرّعها كلّ يوم، من يد أمّة ضائعة في الصّحراء .! رعاتها ذئاب، ونعيمها عذاب مِن حيث لا تعلم !! تتقوّت بالمنّ والسّلوى دائمًا، وتتّخذ العجول الذهبيّة آلهةً لها دون سائر الأمم..! تُحسن التصفيق لرئيسها اليوم، لكنّها ترفس بالنعال رأسه غدًا..! تجيئها "ثـوراتها" لسلب ثـرواتها مصنوعةً في أعظم المصانع وراء البحار، لطحن أوطانها، لكنّها تتهلّل لذلك، وتفرح فرح الأكباش عندما يفتح الجزّار أمامها باب حظيرتها، ظانّةً أنّه جاء ليمنحها حرّيتها في المرعى الخصيب، دون أن تعلم أنّه أتى ليسوقها إلى ذلك الموضع الرهيب الذي فيه ينتظر أعناقَها حَـزُّ الشِّفار !!   

     يا إخوة ! إنّ الأمّة التي حكمها كلّ حجّاج، وكلّ قراقوش، وكلّ جزّار في الأرض، هي أَوْلى أمم الأرض بالتّمريض والتّرويض من أجل شفائها من أسقامها، ولكنّ أنّى يكون لها ذلك، وأكثر أطبائها، من علمائها ومعلّميها،وقادتها ومثقّفيها الذين حقُّهم أن يحملوا المصابيح أمامها في دُجُنّة الليل، هم أنفسهم الذين يطفئونها، لأنّ النّور عندهم ظلمة، والظلمة نور في وضح الضّحى.!! وهل في الأرض ضرير مثل مَن يرى الشمس ماتعةً في الأفق، ويقول للنّاس: متى يطلع الفجر..؟! وهل في الأرض أصمّ مثل مَن يسمع ضجّة وجلبةً ،ويقول: مالي أرى الناس خُرسًا من حولي في هذا الزّحام السائر..؟!  

               يا إخوة ! لقد سقط غيرنا من الأمم في هاوية أعمق من هاويتنا، لكنّها خرجت وضمّدت جراحها، وجبرت عظامها، وتعافت، ثمّ سبقت غيرها ممّن سبقوها أشواطًا بعيدة ، أمّا نحن، فبقينا دون كلّ دونٍ، وتحت كلّ تحتٍ في الهاوية العميقة، لأنّنا رجونا أن نصعد إلى العلاء، فهبطنا في أعمق الأعماق! وطلبنا أن نخطو إلى الأمام، فسرنا إلى الوراء بعيدًا في الماضي السحيق .! رجونا أن نطفئ نار الجحيم المتأجّجة حولنا فألقينا فوقها بالحطب.! حتّى غدونا أمّة تجري خطوة واحدة كلّ ألفي عام، وغيرنا من الأمم يجري ألفي خطوة كلّ عام واحد .! وهل في الأرض أمّة منكوبة مثل أمّة يكون عالِمها أشدّ جهلاً من جُهّالها، ودَيِّـنها أعظم كفرًا من كُفّارها، وغنيّها أشدّ فقرًا من فقرائها، ليكونوا شهادة منها عليها، في أنّ القيم عندها في المظهر لا في الجوهر، وفي القشور دون اللّباب .!  

     يا إخوة ! إنّ الأمم التي تنام لتستيقظ عند الصباح، خير من الأمم التي تكون يقظتها نومًا دائمًا، ولا تستفيق إلا وخيول الأعداء تطأ جماجمها، وتملأ مروجها وتكشف عن فروجها، ساعة يكون النهار قد ولّى والليل قد أقبل، فلا تستطيع أن تفعل شيئًا من أجل خلاصها من ذلك الطّاغوت الداهم، وتعود لتنام إلى الأبد في الأخدود المظلم..!

              أيّتها الأمّة التي يغمرها الطوفان العظيم منذ زمن بعيد، وتبحث على متن السفينة عن خلاصها، وتفتش عن نجاتها في الوصول إلى الشاطئ .! ليست معضلتك داخل السفينة التي تشقّين بها موج البحر الصاخب، ولا في حجراتها ونوافذها وأبوابها، ولا في القواعد، والأفكار التي يأخذ بها ربانها فيما هو الأفضل في قيادتها، وفي أي اتّجاه يجب أن تجري نحو الجزر النائية، أو في حمولتها الثقيلة من ملايين البشر! بل المعضلة وحدها تكمن في السفينة نفسها التي تحملكم منذ قرون بين السّفن المواخر في عرض البحر، أعني ثقافتكم الموبوءة التي تعتزّون بها وتفاخرون الأمم، منذ أن أنكركم الزمان وترككم، وغاب عن أعينكم ألف عام، ثمّ عاد إليكم بعد غيابه الطويل ، ومعه كل ما في الأرض من أوبئة، وأمراض،وأسقام، وألقاها دفعة واحدة في جماجمكم،ونفوسكم،وطبائعكم، فغدت ،لذلك، سفينةً مصدّعة الأركان، مقطّعة الحبال، كلّما مخرت بكم العباب ابتعدت بكم عن الشاطئ في أعماق اللّجة! وكلّما دفعتها الرياح في عرض اليمّ، أخذت ترسو بكم رويدًا رويدًا ، إلى أن ألقت بملايينكم في أعماق البحر ، حيث الحيتان والأسماك هجمت عليكم، وابتلعتكم مع أوطانكم، بعد أن جرّتكم كلّكم إلى أشداق اللجّة العميقة  !

             يا إخوة !إذا كان الجواد الذي أمتطيه في سباق الأمم يقصّر بي أشواطًا، فحقّ عليّ أن أبدّله بآخر ! لا أن أفاخر بصهيله، ووقع سنابكه، ولي معه في السباق ألف كبوة وكبوة، بين الخيول المطهّمة، والجياد المسوّمة!!

        إذا كان الشراب الذي أتجرعه رنْقًا آجِنًا، ويزيدني كلّ يوم عطشًا بعد عطش، فخير لي أن أحطّم الكأس، وأبحث عن التّرياق والماء القَراح في كأس أخرى، لا أن أقدّس الآبار التي منها أمتح ذلك الشراب الآسن !

           إذا كان الطعام الذي آكله، قد دسّ الزّمان فيه كلّ سمّ ناقع، فخير لي أن أقلِب القدور على المواقد، وأنادي بالطُّهاة لتطهو لي طعامًا نقيًّا، صونًا لعافيتي وسلامتي بين الجالسين على الموائد !!

            يا إخوتي في الجراح حيثما أنتم ! حذارِ أن تيئسوا وتقنطوا يومًا من رحمة مواهبكم عليكم، ووفرة كنوزكم لخلاصكم ، بل الحقَّ الحقَّ أقول لكم: إنّ لكم من أنفسكم ، لا محالة ، قيامة عتيدة من موتكم الدائم هذا، تخرجون فيها من قبوركم مع كل الأحياء الموتى من ملايينكم .! واعلموا أنّه لا يكون لكم ذلك، إلاّ يوم تسمعون صوت البوق، ونداء النفير يخرج من نفوسكم وحدكم، وتحمله عنكم أجنحةُ الصدى إلى أقاصي الأرض من هذه المسكونة..!  

      أيّها القلم الصّادي وفي شفتيه كؤوس اللهب وشراب العذاب..! أسكتْ هنا ولا تزد.! وإيّاك أن تفصح عن مكنون صدرك بعد، أو أن تكشف عن مفاتيح الخلاص التي في يدك، لئلاّ يقطعوا لسانك، ويعلّقوك، ويشنقوك، ويصلبوك، ويطعنوا جنبك بحربة، ويقولوا فيك إنك أسوأ جاهل ،وأكبر خائن، وأعظم كافر..! رغم أنّ ألسنة البلاد تشهد بأعلى صوتها ، فيما فعلـتَ وصنعـتَ، أنّك خير جامعة لمن يبتغي أن يتعلّم شرف حبّ الأوطان، وخدمة الإنسان، وقوّة الإيمان في هذا العالم..!

   كفرسميع

  [email protected]

2019-06-26