الأحد 2/2/1442 هـ الموافق 20/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
في قلبي غصة أبدية....بقلم إيناس زيادة

في قلبي غصة، تخنقني، كلما سمعتهم يتحدثون عن حنينهم للوطن، ولأيام الماضي الجميلة على أرض بلادهم المختلفة. 

فلا وطن بديل قادر على جعلي أشعر بحنين له، كيف وأنا لم أعرف يوماً ما يعني أن يكون عندك وطن.  فأنا كائن لا يملك سوى الحلم بوطن، وأرهقته الأيام ببحثه الدائم عن وطن، بيد أنه في سنوات عمرنا العجاف هذه، لا يوجد للأحلام مكان.بل يبقى هذا القلب يعاني ظمأ أبديا لا ترويه أي أوطان.

فلسطيني في المهجر قدر لك أن تكون، فهل للمهجر أن يفقدك بعض من هويتك، أم يعززها ذلك الشعور باختلاط مهجرك مع هويتك التاريخية.

 

ولدت في غربة ومن غربة لغربة ارتحلت، لم أجد نفسي لا هنا ولا هناك، بل أراوح في حلم لا سبيل له. 

وتعلمت الكثير في غربتي عما يعنون عندما يتحدثون عن الوطن.

في الغربة تعلمت التمييز بين مواطن ووافد، بين جنسية بالولادة وجنسية بالاكتساب، وأن بين الجنسيات تفاضل، وكلما اتجهت الجنسيات غربا أصبحت حظوظها أوفر.  وأيقنت أن هناك صلة وثيقة بين الغرب والغربة والاغتراب، فلا يجمع هذه المصطلحات جذر واحد فقط، بل الغرابة والوحدة وأن الاتجاهات اختارت من بينها الغرب ليكون رمزا للقسوة. 

في غربتي عرفت أن هناك فرق بين فلسطيني وآخر، وأن اللاجىء يختلف كثيرا عن النازح، وأن الشقاء حليفنا جميعا، لكنه ربما أخف وطأة على من قدر له أن يبقى. 

قد أكون أوفر حظا ممن ابتلاهم الله بوثيقة فلسطينية، لأنني فلسطينية بجنسية وبرقم وطني أيضاً.  لكن هذا لا يمنع أن تبقى موصوما بعار أصلك، وأن ما يظنونه عارا، ما هو إلا عقدة أوديبية. 

كنت أظن أن مجرد أن تحط الطائرة في بلد ما يعني أنك وصلتها، لكن هذا مختلف إن كنت بوثيقة سفر تعود للاجىء، فقد ترحَل على الطائرة ذاتها إلى البلد الذي منه قدمت، وقد يرفض ذلك البلد عودتك، وتصبح كما حبيس المطار توم هانكس في فيلمه ذا تيرمينال.

يرون في المغترب ذلك الكائن الذي يملك ثروة لا تنضب وكيان لا تصيبه الكوارث ولا الأحزان، عصي على الألم والفقد. مخلوق موفور الحظ، نصيبه من الحياة جمع المال والصرف والبذخ والسيارات الفارهة والسفر.

 ليتهم يعلمون أنك في الغربة تتألم لوحدك وتفقد عن بعد ولا تملك وداع الأحبة إن رحلوا عن هذا الكون.  وأنك لفرط إرهاقك في كسب العيش، تحاول أن تعوض نقصك بما يمكن أن يجلب لقلبك بعض سعادة مفقودة.

وهناك غربة، ترفض استقبالك ميتا، إن قُدر أن توافيك المنية على أرض اغتراب ليست بغربية.  وتكتشف كم كان محقاً جابرييل جارثيا ماركيز بوصفه للوطن على أنه المكان الذي لديك فيه قبور تزورها. 

في الغربة ترى نفسك ذلك الغجري المرتحل، يختار موطنه حسبما توفر الرزق، أو كالبدو الرحل يستقرون حول الواحات وأينما توفر الكلأ.  لكنك بدوي خيمته صخرية وطعامه وجبات بلاستيكية. 

في الغربة قد تصبح غريبا عن نفسك وأهل بيتك، ناهيك عن أسرتك الممتدة، خاصة إن كانت الأم عاملة وصاحبة مهنة، فيسرقها العمر دون أن تعرف كيف كبر الأبناء ولن تعرف صورتها في المرآة.  ومن نقطة بداية الغربة يبدأ مشوار الإغتراب عن النفس، وتكتشف فجأة أنك لم تعد ذلك الشخص الذي كنته منذ عقود.

لكنك مع هذا، تجد أن لغربتك حصيلة جانبية لا تعرفها إلا قلة من البشرية، وهي أنك تأتي في نهاية رحلتك بثروة من نوع خاص وهي كنز من المعارف والصداقات المنتشرة في أصقاع الأرض.في كل بلد حبيب وصديق تزوره كلما شئت، إن بقي لديك مال وصحة.

في قلبي غصة فلسطينية، وكأن الأقدار تعاكسني وتضعني وجها لوجه مع كل ما يتعلق بالقضية.  منذ عملت في الأخبار، لم تفارقني حظوظي الظالمة بأن أكون اللسان الناطق لكل مجرم لا يتحدث العربية.  وكنت شاهدا على استشهادي برصاص الكلمات والافتراءات لمجرد مراعاة المهنية، وها أنا بعد سنوات من خبرة الغربة، وجدت روحي تنسل مني على مهل، وأنني أردد وصفة كوشنر لزبائنه الكرام واعداً بتحضير وجبة شهية وتقديم مأدبة هي الألذ ذبيحتها من الأرض الفلسطينية.  وما بين نتنياهو وكوشنر تسربت مني الكلمات، ومن تلك اللكمات أصابتني هذه الغصة الأبدية. 

 

2019-07-19