الإثنين 3/12/1440 هـ الموافق 05/08/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
قصة قصيرة بعنوان ' حد الكفاف'....فاطمة تيسير العبادلة

  حد الكفاف

ولدتُ كفيفة ، ولا أدريَ ما الجُرم الذي اقْترَفْته عندما ولدت كي يصيبني ما صابني .

لم أرَ لبَّ أمي قبل أن أولد ولم أرَ قشرتها بعد أن ولدت ، أبي أيضًا لم أره بل كنت أتحسس تفاحة أدميته الناتئة فأعرفه ، تفاحته التي كانت تعلو وتهبط كلما حدّثني و كأنه يروي الكلمات في فمه جيدًا كي تخرج خضراء مُثمرة.

أما عن اخوتي فلم ألمس لهم جسدًا ولم أرى لهم لونًا ..حتى حسبتهم من صُنع خيالي أو علهم لا يبصرون مثلي ، ولكن تأكّد لي العكس حينما سمعت خطواتهم تروح وتأتي بأريحية وبلا خوف من السقوط ..من أمامي ومن خلفي وعلى سلَّم البيت .

 

كنت أسمعهم يلعبون ويضحكون ويغنون ، و لكن عندما كنت أقترب منهم كي أشاركهم ، لا أجدهم بل أجد ظلال خطواتهم الهاربة مني تبتعد أكثر وأكثر ،أستمر في الاقتراب فأسمع صوت الظلال تذهب خارج البيت مغلقة الباب وراءها ، فأعود الى رائحتهم التي تركوها على الأرض مكانهم ، ثلاث روائح مختلفة حسب الحجم والجنس والعمر .

أحصيها في عقلي.. الكبير حسن والأوسط حسام والصغيرة حلا ولكنها كبرت قليلاً ، زاد طول رائحتها بضع سنتيمترات ، أحصيها مرة أخرى في قلبي كي لا أنساها .. أحصيها سرًا لا جهرًا ؛ كي لا يقولوا عني مجنونة، فيكفيني ثقل كلمة " كفيفة " .

 

كانت أمي تقرأ لنا كل يوم قبل أن يَخلد النعاس الى عيوننا قصص جميلة ذات أذيال سعيدة ، ولكني شعرت بالاختلاف بين قصصهم وقصصي ، حتى أنني سألت أمي عن سبب ذلك :

- " أمي ما ذاك الصوت الذي يصحب صوتكِ وانتِ تقرئين القصص لإخوتي ولماذا لا أسمعه أنا حينما تقرئين لي ؟"

          - " انه صوت الورق وأنا أقلِّبه ورقة ورقة  ".

عرفت بأنها تقُّص عليهم قصص مكتوبة على ورق مرفقة بالصور ، أما عن قصصي فكانت تقصها علي من ذهنها ، فلم يكن هناك داعٍ للصور .

هكذا هي عائلتي ، نحن لا نعيش تحت سقف واحد بل تحت سقفين ، السقف الأول يجمعني أنا بأبي وأمي والآخر يظل آخر .

 

 

 

2019-08-05