الثلاثاء 4/12/1440 هـ الموافق 06/08/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
مهما تغيرت أسماء الأحزاب السياسية في إسرائيل تبقى صهيونية...تميم منصور

عشية كل انتخابات برلمانية جديدة يقف جهور الناخبين أمام تحركات وتكتلات حزبية مختلفة ، لكن مهما تغيرت وتبدلت هذه الأحزاب يبقى فكرها ولونها صهيوني كولونيالي ،  ولا أحد ينكر أنه يوجد لهذا التشابك الحزبي تبعات كثيرة ، معظمها سلبية لأنها تزيد من الصراعات والتعقيدات السياسية وتمنع الاستقرار السياسي ، كما أنها تزيد من التطرف نحو اليمين وتضاعف منسوب العنصرية والفاشية داخل المجتمع الإسرائيلي .

عندما كانت تقوم الانقسامات داخل المجتمع في الامبراطوريات الإسلامية خاصة الأموية والعباسية ، بظهور فرق جديدة مثل الخوارج والشيعة والسنة و المعتزلة والمرجئة والقرامطة وغيرهم ، باعتراف المستشرقين كانت هذه الفرق تتنافس فيما بينها وتحاول جذب الداعمين لها عن طريق التطور الفكري والحضاري ، فكانت تقوم بدعم العلماء والأدباء والشعراء والمصلحين ، هذا التنافس ساهم ي حدوث نقلات علمية فكرية حضارية داخل المجتمعات العربية .

أما الأحزاب المتنافسة في الكيان الصهيوني فإن تنافسها يدور حول فكر واحد وهو الفكر اليميني المتطرف المستوحى من مبادئ الحركة الصهيونية ، التي قررت في بداية طريقها إقامة كيان سياسي لليهود في فلسطين ، حتى لو كلف الأمر طرد الشعب الفلسطيني من وطنه وهذا ما حدث ، كما أن هذا الفكر مستوحى من المرجعيات التواراتية المبنية على مقولة " ان الحياة من حق اليهود فقط " .

ترفض القيادات السياسية في إسرائيل أن تتعلم من تجارب الدول الأوروبية التي كانت تعيش في حالة من التخمة في تعدد الأحزاب ، فقد أدى ذلك الى عدم الاستقرار السياسي كما كان يحدث في فرنسا ، كما أدى الى تكرار إعادة الانتخابات وسقوط الحكومات الى جانب الفوضى السياسية التي كانت تعم البلاد ، وكان ينعكس ذلك على عدم الاستقرار لكافة المشاريع الاقتصادية والنظم الاجتماعية .

في إسرائيل يجد المواطن نفسه عشية كل انتخابات على موعد مع ميلاد حركات وأحزاب سياسية جديدة بأسماء وشعارات جديدة ، لكن الأفكار تدور حول نفسها وما هي الا اجترار لأفكار سابقة ، ان كثرة وتعداد هذه الأحزاب والحركات يمنع ما يسمى بظهور الحسم الحزبي الذي يستطيع حشد تحالف قوي وثابت ، كما أنه يزيد من الانانية والوصولية السياسية النابعة من الأحزاب الصغيرة ، واذا بقيت الخارطة الحزبية في إسرائيل كما هي عليها اليوم فانه من الصعب إقامة حكومة قوية وثابتة ، وستبقى الأحزاب العنصرية الفاشية تصطاد في الماء العكر .

ليس من الصعب رصد تحركات الأحزاب السياسية وتغيير مواقعها كما تتغير الكثبان الرملية في الصحراء ، فقبيل اجراء الانتخابات السابقة ولدت كتلة حزبية جديدة مكونة من حزب " عتيد " وحزب جديد آخر أقامة الجنرال  غينتس ويدعى " كحول لفان – أزرق أبيض " وقد ضم هذا الحزب اليميني بين صفوفه مجموعة من الجنرالات الحردانين على نتنياهو ، حقيقة أنه لا يوجد فرق بين هذا الحزب وبين الأحزاب القائمة الأخرى ، خاصة فيما يتعلق بالثوابت الأساسية لسياسية إسرائيل العدوانية التوسعية ، كان أول تصريح لقائد هذا الحزب رفضه القاطع التعاون مع الأحزاب العربية ، أما آخر تصريح له قبل حوالي أسبوعين فقد طالب غينتس من قيادة جيش العدوان اطلاق الصواريخ مباشرة داخل عمق قطاع غزة ، مقابل ظهور كل طائرة ورقية يطيرها أطفال غزة .

كما ظهر عشية الانتخابات السابقة تكتل يميني جديد ينضح بالعنصرية يحمل اسم " اليمين الجديد " ، وقد عاود هذا الحزب عشية هذه الانتخابات ولملم صفوفه من جديد لعله يجتاز نسبة الحسم .

لم يقف الأمر عند هذا الحد فقد ازدادت حالة التشابك داخل الأحزاب ، فأفرزت عن قيام سفاح هبة أكتوبر عام 2000" ايهود براك " بعد أن قرر العودة الى الساحة السياسية ، فدخل من باب تقديم الاعتذار للمواطنين العرب ظاناً أن شعبنا ممكن أن ينسى جرائمه ، فقرر إقامة حزب جديد يحمل اسم " إسرائيل ديمقراطية " ، دون أن يسأل نفسه : كيف ممكن أن تكون إسرائيل ديمقراطية وهي تستعبد وتصادر إرادة شعب آخر ؟ وهو الشعب الفلسطيني ، كيف يمكن أن تكون ديمقراطية في ظل العيش داخل مناخ عنصري احتلالي صهيوني ورئيس حكومة يتهم خمس المواطنين بالدولة بالإرهاب .

لم تكن إقامة هذا الحزب حدثاً استثنائياً ، لكن ما هو استثنائي هو قيام حركة ميرتس التي تعتبر نفسها الحارس الأمين على هوية اليسار الصهيوني والمساواة ، لقد وافقت هذه الحركة على التحالف مع حزب براك الجديد من منطلق " ان الغاية تبرر الوسيلة " ان هذه التزاوج السياسي غير الطبيعي له تبعات ومردود كبير جداً لا يخدم مصلحة ميرتس ، لقد تجاهلت هذه الحركة مشاعر الكثيرين من ناخبيها العرب ، لأن شخص براك وتاريخه العسكري والسياسي لا يختلف عن تاريخ أي زعيم صهيوني اياديه ملطخة بدماء الفلسطينيين .

هذه الحركة أكدت بأن الدم الصهيوني العنصري يجري في عروقها ، وانها قابلة للالتحام أو التزواج مع أي حزب صهيوني آخر ، واذا صح ما نشرته احدى الصحف العبرية حول مشاركة حركة ميرتس حزب الليكود في لعبة الكاميرات السرية التي استخدمها أعوان الليكود في الانتخابات السابقة داخل الوسط العربي ، هذا يؤكد ان حركة ميرتس تتعامل مع المواطنين العرب بمكيالين .

أما حزب العمل فقد قام عشية هذه الانتخابات بدق آخر مسمار في نعش وجوده السياسي ، رغم أنه حزب متآكل وحزب قد اذدنب أكثر من مرة وراء حزب الليكود ، عشية هذه الانتخابات قرر التحالف مع حركة " غيشر " بقيادة ابنة مؤسس هذه الحركة " دافيد ليفي " ، رجل الليكود المعروف الذي هدد في آخر أيامه السياسية أنه يجب قتل عشرة أطفال فلسطينيين مقابل مقتل أي طفل إسرائيلي ، ان ابنته " اورلي ليفي " حليفة حزب العمل ما هي سوى فسيلة من غيئولا كوهين وشاكيد وغيرهن  من العنصريات الاسرائيليات ، وهناك من يعتبرها بصمة من بصمات حزب الليكود .

أن تشابك الأحزاب هذا والتناقضات والتناحرات بين قادتها لم ولن يبشر بالخير وسوف تبقى أجواء الحياة السياسية عكرة وغير مستقرة .

2019-08-06