الثلاثاء 11/12/1440 هـ الموافق 13/08/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الثيران الهائجة والعجول المذبوحة وبينهما ابن نتنياهو ... شوقية عروق منصور

دائماً كان منظر الثيران الراكضة الهائجة يصيبني بالخوف والفزع ، حتى عندما زرت اسبانيا ودعوت لحضور  حفلة مصارعة الثيران رفضت ،  رغم أن الأصدقاء الذين أصروا على الدعوة ،  أكدوا أن مصارعة الثيران التي تُعد من الفلكلور الاسباني  ورقصة المتادور أمام الثور الذي يبقى يلف ويدور حتى يدوخ الثور ويدخل مرحلة الاعياء ، فيقوم المتادور بطعنه عدة مرات حتى الموت .

رؤية " مصارعة الثيران "  من الصور واللحظات الهامة للسائح القادم لاسبانيا ، لكن كان اصراري على الرفض لأن منظر الثور المتهالك الذي ينزف الماً وذلاً يشعرني بمصير الانسان الذي يجد نفسه ضعيفاً  امام قوة غاشمة ، قاهرة ،  الجميع يصفق لها ولا أحد يشفق عليه ، حتى وهو في حالة انحناء وارتماء يبقى الصخب والصراخ مطالبين المتادور وبعض رفاقه بالاجهاز عليه ، حتى يقع على الأرض ثم يجرونه الى مصيره المحاط بالسكاكين .

وتعجبت من الكاتب الأمريكي " أرنست همنغواي " الذي كان يتمتع برؤية مصارعة الثيران ، وقد كان يتأمل حياة مصارعي الثيران بدقة  ، وصف أشكالهم ولباسهم وخوفهم وطموحاتهم وانتظارهم للموت بين قرني الثور ، كتب العديد من القصص عنهم متحدياً صديقه الرسام الاسباني " بيكاسو " الذي جعل من الثيران لغته الفنية ، حيث زرع ريشته فوق  اللوحات التي تؤكد أن دماء الثيران تشعل الحياة في الشارع الاسباني وان طعنة الثور ثم قتله ليس خيانة للثور المسكين ، بل هي حياة للشعب الذي ينتظر الفرح والصراخ عالياً ، كنت أتعجب من " ارنست همنغواي " كيف لم يقف شامخاً متحدياً ثور الظروف وقبل أن ينتحر برصاصة بدلاً من رفسة ثور أو أحد القرون تبقر بطنه ، بدلاً من الموت وحيداً  بشهقة معدنية  دون تصفيق .

بعيداً عن ثيران الترف الاسباني  وصور همنغواي وبيكاسو ، قريباً من العجول التي كانت هائجة تفتك بالذي يقف أمامها ، حيث نقلت الينا وسائل الاعلام  صوراً  ولقطات  أيام العيد تبين الخوف الكامن في أعماق تلك الحيوانات التي تشعر بسكين الموت وهو يقترب منها  ، فيكون ردها الوحيد تفجير المكان بالرأس والاقدام والخبط والضرب والهرب بعيداً عن وحشية الانسان  .

بصراحة كنت أضم صوتي لصوت الثور الهائج  والعجل الهارب ، وأتستر على حزني وشفقتي عليه، وعند هروبه أتمنى أن يختبىء ولا أحد يراه .. ويبقى مفقوداً .

نعرف أن تربية الثيران والعجول لا تمنحها تأشيرة الدخول الى عالم البقاء ، لأن الانسان الانتهازي يمارس تلك التربية من أجل مصلحته الاقتصادية ، واذا كانت هناك بعض الجمعيات تدافع عنهم وتسدد فواتير الإنسانية – تتغاضى عن مقتل الأطفال والشيوخ والنساء والشباب – الا أن الترافع عنهم من قبل المسؤولين عن تلك الجمعيات لا يضمنون أن يسمعهم أحد ، لأن شريعة الانسان والحياة ذبح الحيوانات وأكلها .

لكن من أغرب اللقطات التي تستفز وتجعل العجول في حالة كاركتورية " يائير نتنياهو " - أبن  نتنياهو ما غيره -  يطالب بوقف ذبح العجول في قطاع غزة في أيام عيد الأضحى، صحيح " اللي اختشو ماتوا " وقد أطلق عليها يائير ابن نتنياهو وسارة " مجزرة العجول " ووصفها " أعظم مجزرة ترتكب خلال العام " .

لم يطالب الحنون يائير  أبن نتنياهو والده بعدم التنكيل بالشعب الفلسطيني ومصادرة ارضه وهدم بيوته وشن حروبه ووو.. الخ و تمزيق جميع خيوطه المجدولة في سوط الاحتلال !! لم يطالب بفك الحصار عن غزة ، عن  الشعب الجائع ، الفقير ، المريض الذي يقف كأبجدية عارية أمام ثرثرة العالم المزيف، قائمة الاوجاع الفلسطينية طويلة وعريضة وكبيرة .  

تحيا العجول التي حركت مشاعر يائير ابن نتنياهو وسارة .. تحيا السكاكين التي هرولت نحو رقاب العجول حتى توقظ أحاسيس الأبن الذي تربى في حظيرة الدم .

2019-08-13